بريكس الجديدة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي

في أغسطس من العام الماضي، اجتمعت مجموعة بريكس في جنوب إفريقيا لعرض رؤيتها المستقبلية للعالم، مؤكدة دورها كقوة اقتصادية وسياسية صاعدة قادرة على تحدي مجموعة الدول السبع الكبرى، بفضل حجم اقتصادها، وعدد سكانها، وضخامة سوقها المشترك. وخلال الاجتماع، وجَّهت المجموعة دعوة إلى ست دول للانضمام إليها، شملت السعودية والإمارات ومصر وإيران وإثيوبيا والأرجنتين.

وقد لبَّت خمس من هذه الدول الدعوة وانضمت رسميًا إلى التكتل في الأول من يناير 2024، بينما تراجعت الأرجنتين وأعلنت اعتذارها عن الانضمام، وذلك لأسباب تتعلق بالرئيس الجديد خافيير ميلي، الذي تولى منصبه في 10 ديسمبر، وأشار خلال حملته الانتخابية إلى أنه سيعيد توجيه السياسة الخارجية للبلاد بعيدًا عن الصين والبرازيل.

وبذلك تحولت مجموعة “بريكس” إلى تكتل دولي عملاق يضم عشرة أعضاء. ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، يمثل الناتج المحلي الإجمالي لدول “بريكس” نحو 28.3% من الاقتصاد العالمي في عام 2023 بعد توسيع العضوية، كما تسيطر هذه الدول على حوالي 20% من التجارة العالمية، بحسب بيانات منظمة التجارة العالمية.

بداية وتأسيس بريكس

أطلق المحلل الاقتصادي جيم أونيل مصطلح “BRIC” في عام 2001، وكان حينها يعمل لدى غولدمان ساكس، للإشارة إلى معدلات النمو الاقتصادي القوية التي حققتها كل من البرازيل وروسيا والهند والصين.

وكان الهدف من المصطلح تقديم سيناريو متفائل للمستثمرين في ظل التشاؤم الذي سيطر على الأسواق بعد هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. وقد تبنت الدول الأربع هذا المفهوم وطورته، إذ أظهر نموها السريع آنذاك وجود مصالح وتحديات مشتركة، وأن توحيد أصواتها قد يعزز نفوذها على المستوى الدولي.

وعلى المستوى المؤسسي، نظَّمت روسيا أول اجتماع لوزراء خارجية دول “بريكس” على هامش جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2006، ثم عقدت المجموعة أول اجتماع لرؤساء الدول الأعضاء في 2009. وفي 2010، وجهت المجموعة دعوة لضم جنوب إفريقيا لتكون صوت القارة الإفريقية داخل التكتل، وتم حينها إضافة حرف “S” إلى الاسم ليصبح BRICS.

التوسع في مجموعة بريكس

قادت الصين جهود توسيع مجموعة “بريكس” في الغالب، سعياً لتعزيز نفوذها العالمي، وحظيت هذه المبادرة بدعم كل من روسيا وجنوب إفريقيا، أما الهند فقد أعربت، من جانبها، عن مخاوفها من أن يؤدي انضمام أعضاء جدد إلى تحويل “بريكس” إلى أداة لنفوذ الصين، بينما شعرت البرازيل بالقلق من احتمال إقصاء الغرب من المعادلة الدولية.

واليوم، تضم مجموعة “بريكس” عشرة أعضاء: الدول المؤسسة الخمس (الصين، روسيا، البرازيل، الهند، جنوب إفريقيا)، إلى جانب الأعضاء الجدد، وهم السعودية والإمارات ومصر وإيران وإثيوبيا.

اقرأ أيضًا: مصر في “بريكس”.. انطلاقة جديدة في التعاون الدولي

التوازن الاقتصادي بين الهند والصين

منذ تأسيس المجموعة، كان الناتج المحلي الإجمالي للصين يعادل تقريبًا ضعف مجموع الدول الأربع الأخرى، ما يمنحها نفوذًا نظريًا أكبر. ومع ذلك، شكّل عدد سكان الهند، الذي تجاوز مؤخرًا عدد سكان الصين، عاملاً موازنًا من الناحية العملية.

ولم تدعم “بريكس” رسميًا الجهود الصينية الكبرى لإنشاء بنية تحتية خارجية ضمن مبادرة الحزام والطريق، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتراض الهند على تنفيذ المشاريع في المناطق المتنازع عليها مع باكستان، جارتها وألد أعدائها.

أما بنك التنمية الجديد، فلا يوجد فيه أي مساهم مسيطر، إذ وافقت الصين على اقتراح الهند بأن تكون حصص الأعضاء متساوية، علمًا أنّ المقر الرئيس للبنك يقع في شنغهاي، بينما تتولى الإدارة قيادة مشتركة بين أعضاء آخرين، وقد شغلت من قبل الرئيسة البرازيلية السابقة ديلما روسيف.

تطور العلاقات التجارية داخل بريكس

شهد حجم التجارة بين الأعضاء الخمسة الأصليين في مجموعة “بريكس” زيادة بنسبة 56%، ليصل إلى 422 مليار دولار خلال الفترة من 2017 إلى 2022.

من الناحية الاقتصادية، تساهم الموارد الطبيعية والمحاصيل الزراعية لكل من البرازيل وروسيا في جعلهما شريكين طبيعيين لتلبية الطلب الصيني. في المقابل، تتسم العلاقات التجارية بين الهند والصين بالضعف، ويعزى ذلك جزئيًا إلى التنافس الجيوسياسي المستمر والصراع الحدودي المحتدم بين البلدين.

انعكاسات على الأسواق العالمية

بحسب بلومبرغ، يركز توسع مجموعة “بريكس” بدرجة أكبر على البعد السياسي مقارنة بالبعد الاقتصادي؛ إذ إن انضمام كبار منتجي الوقود الأحفوري يمنح التكتل قدرة أوسع على تحدي هيمنة الدولار في أسواق النفط والغاز، من خلال التحول إلى استخدام عملات أخرى في التداول، وهو ما يعكس استراتيجية للتقليل من الاعتماد على الدولار.

إنجازات بريكس المالية والمؤسسية

أحد أبرز إنجازات مجموعة “بريكس” حتى الآن يتمثل في المجال المالي، حيث اتفقت الدول الأعضاء على إنشاء احتياطيات مشتركة بالعملات الأجنبية تصل قيمتها إلى 100 مليار دولار، تُتيح للأعضاء إمكانية إقراض بعضهم البعض في حالات الطوارئ الاقتصادية.

كما أسس الأعضاء بنك التنمية الجديد عام 2015، وهو مؤسسة مالية دولية شبيهة بالبنك الدولي، تهدف إلى دعم مشروعات البنية التحتية الحيوية. ومنذ إطلاقه، منح البنك قروضًا بقيمة نحو 33 مليار دولار، موجهة بشكل أساسي إلى مشروعات المياه والنقل والمواصلات، إضافة إلى مشروعات البنية التحتية الأخرى التي تساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية للأعضاء.

موقف بريكس من الأزمات الإقليمية

تبنت دول “بريكس” الأخرى موقفًا محايدًا نسبيًا تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، معتبرةً إياها قضية إقليمية أكثر من كونها أزمة عالمية. ومع ذلك، أحدثت الحرب تغييرات ملموسة في علاقات روسيا مع مؤسسات التكتل؛ فقد جمّد بنك التنمية الجديد المشروعات الروسية، ولم تتمكن موسكو من الوصول إلى الدولار عبر نظام العملات الأجنبية المشترك بين أعضاء “بريكس”. وفضلت دول التكتل الأخرى الحفاظ على قدرتها على استخدام النظام المالي المعتمد على الدولار بدلاً من تقديم دعم مباشر لروسيا.

فرص وتحديات الاستثمار في دول بريكس

لا يزال هناك اهتمام كبير بالأسواق الناشئة، إلا أن مجموعة “بريكس” لا تُعد حاليًا وجهة استثمارية رئيسية بسبب التغيرات الجيوسياسية واختلاف المسارات الاقتصادية بين أعضائها؛ فقد سجلت دول “بريكس”، باستثناء الهند، أداءً أقل من نظيراتها في الأسواق الناشئة خلال السنوات الخمس الماضية، وفق بيانات بلومبرغ.

وأشارت البيانات إلى أن العقوبات الدولية أبعدت معظم المستثمرين الأجانب عن روسيا، وفرضت قيودًا على بعض القطاعات في الصين، لا سيما شركات التكنولوجيا أو الشركات التي تواجه حظر استثمار محتمل. كما واجهت جنوب إفريقيا تحديات متكررة بسبب انقطاع التيار الكهربائي، نتيجة عجز شركات المرافق الحكومية عن توليد طاقة كافية لتلبية الطلب، إلى جانب مشاكل لوجستية إضافية.

ورغم هذه التحديات، لا تزال الهند تمثل قصة نمو لافتة، يُقارن أداؤها بالبنك الدولي وبنوك الاستثمار بأداء الصين قبل 10 إلى 15 عامًا، رغم أن المستقبل لا يزال غامضًا حول مدى قدرتها على تكرار نموذج الصين المعتمد على التصنيع.

اقرأ أيضًا: البرازيل تلغي فكرة العملة المشتركة لمجموعة “بريكس”

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة