فيما يستعد نحو 300 ألف مشجع للوصول إلى لوس أنجلوس في منتصف يونيو لحضور بطولة كأس العالم لكرة القدم للرجال، يواجه الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” انتقادات متزايدة من علماء مناخ ونشطاء بيئيين، يصفون نسخة هذا العام بأنها قد تكون كأس العالم الأكثر تلويثا في التاريخ، علمًا أنّ البطولة هذا العام ستُقام في 16 استادًا موزعة على 3 دول، هي كندا والولايات المتحدة والمكسيك.
يأتي ذلك رغم تفاقم تغيّر المناخ، وارتفاع مخاطر اللعب في درجات حرارة خطرة، وتعهد “فيفا” بخفض انبعاثاتها الكربونية بنسبة 50% بحلول عام 2030. وفي هذا السياق، قال فريدي دالي، الباحث في جامعة ساسكس البريطانية: “الأمر يتعلق بالحجم الهائل من السفر المرتبط بهذه البطولة”.
ولا تتوقف المشكلة عند الجغرافيا وحدها، فكأس العالم 2026 يضم أيضاً مباريات أكثر بنسبة 60% مقارنة بالنسخ السابقة، فقد وسّعت “فيفا” عدد المنتخبات من 32 إلى 48 منتخبًا، ما يعني أن نحو 5 ملايين مشجع سيسافرون من مختلف أنحاء العالم لمتابعة المباريات.
وقال دالي: “البطولة الموسّعة، إلى جانب امتدادها الجغرافي، يعنيان أنها بفارق كبير أكثر نسخ كأس العالم كثافة في الانبعاثات التي شهدناها على الإطلاق”.
السفر جوًا أكبر مصدر للتلوث
يعد عادم الطائرات مساهمًا رئيسًا في تغيّر المناخ، إذ يمثل ما بين 3 و4% من إجمالي الاحترار العالمي، كما يعد السفر الجوي عادة أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية في الفعاليات الرياضية الكبرى، وسيضطر المشجعون الأكثر ثراء إلى قطع مسافات جوية أطول من أي وقت مضى لمتابعة منتخباتهم خلال البطولة.
ومن المقرر أن تقام 8 مباريات في استاد “سوفي” في إنغلوود، تبدأ بمباراة افتتاح المنتخب الأمريكي للرجال في 12 يونيو، وتنتهي بمباراة في الدور ربع النهائي في 10 يوليو.
ويقدر برايان ديني، المتحدث باسم مطارات لوس أنجلوس العالمية، أن 290 ألف زائر سيمرون عبر مطار لوس أنجلوس الدولي، نحو 40% منهم من خارج الولايات المتحدة، ومع ذلك، وبسبب التراجع العالمي في السفر نتيجة أسعار الوقود، يُتوقع أن يكون صافي الرحلات التجارية إلى مطار لوس أنجلوس قريباً من مستواه في الفترة نفسها من العام الماضي.
وبحسب دالي، الناشط في شبكة “كول داون سبورت فور كلايمت أكشن”، جرى احتساب الانبعاثات المتوقعة لكأس العالم بالتعاون مع باحثين من “علماء من أجل المسؤولية العالمية”، وهي منظمة بحثية تُعنى بالآثار الاجتماعية والبيئية للعلوم والتكنولوجيا، و”صندوق الدفاع البيئي”، ووجد الباحثون أن نسخة 2026 ستولد أكثر من 9 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون، أي نحو ضعف متوسط الانبعاثات في آخر 4 نسخ من كأس العالم، والبالغ 4.7 مليون طن، علمًا أنّ مليون طن من الانبعاثات يعادل تقريباً انبعاثات نحو 220 ألف سيارة على الطرق الأمريكية لمدة عام كامل.
وقال جامي تشين، المتحدث باسم “فيفا”، إن الاتحاد “يقر بأن السفر الجوي مساهم كبير في البصمة الكلية لأي حدث كبير، وأن إدارة الانبعاثات المرتبطة بالرحلات الجوية تظل واحدة من أكثر تحديات الاستدامة تعقيداً أمام منظمي الفعاليات”.
اقرأ أيضًا: مونديال 2026 يفضح عجز قطارات أمريكا
أكثر من 6 ملايين طن انبعاثات في نسخة 2030
من المقرر أن تمتد بطولة 2030 أيضاً عبر عدة دول، لكنها دول أصغر بكثير: إسبانيا والبرتغال والمغرب، مع مباريات افتتاحية في أوروغواي وباراغواي والأرجنتين، ومن المتوقع أن تُصدر تلك البطولة 6.1 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، أي أقل من نسخة هذا العام، لكنها لا تزال أعلى من نسخ كأس العالم السابقة.
أما كأس العالم 2034 في السعودية فسيُقام ضمن نطاق جغرافي أكثر تقاربا، لكن البلاد تخطط لبناء 11 استاداً جديداً، بينما ستستخدم نسخة هذا العام منشآت قائمة بالفعل فقط، ويُعد بناء الاستادات سبباً رئيسياً آخر لانبعاثات الفعاليات الرياضية الكبرى، ولذلك فإن استخدام منشآت قائمة فقط، كما فعلت باريس إلى حد كبير في دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة، يُعد إحدى الوسائل الرئيسية التي يمكن للدول المضيفة استخدامها للتعامل مع تغيّر المناخ.
وسترفع خطط السعودية تلوث نسخة 2034 إلى 8.6 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وفق تقديرات محافظة.
وتروّج شركات الطائرات الخاصة المستأجرة عبر الإنترنت لباقات مخصصة لكأس العالم، تنقل المشجعين بين أنحاء القارة، لكن معظم الجماهير لن يكونوا قادرين على تحمل هذا النوع من السفر.
انتقادات مستمرة لـ”فيفا”
ليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها بطولة كأس العالم لانتقادات بسبب مزاعمها المناخية، ففي عام 2022 طعنت منظمة “كاربون ماركت ووتش” وخمس منظمات غير ربحية أخرى في ادعاءات تقول إن بطولة كأس العالم في قطر ستكون “محايدة كربونياً”، وخلصت جهة تنظيمية سويسرية للإعلانات إلى أن “فيفا” خالفت القانون الاتحادي.
وفي نسخة هذا العام، لم تعد “فيفا” تطرح تلك الادعاءات، لكنها لا تزال تتعهد بخفض الانبعاثات 50% بحلول عام 2030، بما يتماشى مع اتفاق باريس، والوصول في نهاية المطاف إلى أثر مناخي صفري بحلول عام 2040.
وأشار تشين، المتحدث باسم “فيفا”، إلى استخدام الاستادات القائمة هذا العام، وإلى استراتيجية الاتحاد البيئية، التي تتضمن خفض هدر الطعام، وإعطاء أولوية للتقنيات النظيفة، وتشجيع النقل العام، لكن من دون أهداف رقمية محددة، بينما يرى نشطاء المناخ أن ذلك غير كافٍ.
وقال غافن ماير، المتحدث باسم “كاربون ماركت ووتش”: “لقد غيّروا خطابهم، لكن في الوقت نفسه، هذه نسخة موسّعة من كأس العالم”، مضيفا: “ليس من المقنع القول إنهم متوافقون بأي شكل مع اتفاق باريس”، ويقر مراقبو المناخ بأن تقليص حجم البطولة نقاش صعب.
توصيات لتقليل الانبعاثات
قال دالي إنّ “توسيع البطولة يعني أن مزيداً من المنتخبات التي لم تتمكن من المشاركة من قبل ستحصل على فرصة اللعب للمرة الأولى، وهذا أمر رائع”، لكنه أضاف: “إذا كانوا جادين في خفض الانبعاثات، فيجب أن يكون ذلك جزءاً من النقاش”.
ويوصي تقرير مجموعته بخفض عدد المنتخبات، كما يدعو دالي “فيفا” إلى الاستغناء عن الرعاة ذوي الانبعاثات العالية، وإعطاء أولوية للدول المضيفة التي تمتلك وسائل نقل نظيفة قائمة بالفعل لنقل المشجعين بين المباريات.
الجدير بالذكر أنّ مشجعي كرة القدم في لوس أنجلوس لن يستطيعوا استقلال قطار فائق السرعة إلى مباريات في هيوستن أو سياتل، كما قد يحدث بين مدن في أجزاء من أوروبا أو آسيا، على سبيل المثال. وتروّج “هيئة النقل العام في منطقة لوس أنجلوس” لتوسعة الخط “D” وخدمة حافلات خاصة بكأس العالم تضم نحو 300 حافلة و15 مسارا لنقل المشجعين إلى استاد “سوفي”.
وقال متحدث باسم مكتب عمدة لوس أنجلوس، كارين باس، إن العمدة “تشجع جميع المشجعين على استخدام النقل العام، بما في ذلك خدمات مترو المعززة التي ستكون متاحة طوال كأس العالم”، وأضاف: “سيؤدي ذلك إلى خفض الانبعاثات الكربونية وتشجيع تجربة ممتعة للجميع”.
اقرأ أيضًا: صدمة مبكرة.. فنادق أمريكا تخفض أسعارها قبل مونديال 2026