حقق اكتتاب شركة سبيس إكس نجاحًا استثنائيًا انعكس على أداء السهم في أول أيام تداوله ببورصة ناسداك، إذ ارتفع بنحو 19%، لترتفع القيمة السوقية للشركة إلى نحو 2.1 تريليون دولار، لتصبح سادس أكبر شركة أمريكية من حيث القيمة السوقية، في تطور عزز مكانة الشركة بين عمالقة التكنولوجيا العالمية وأعاد تسليط الضوء على الثروة المتنامية لمؤسسها إيلون ماسك الذي بات يقترب من أن يصبح أول تريليونير في التاريخ.
وجاء الأداء القوي للسهم عقب الطرح العام الأولي الذي نجحت الشركة من خلاله في جمع نحو 75 مليار دولار، وسط طلب استثماري كثيف من المؤسسات والأفراد، وشهدت الجلسة الأولى تداول أكثر من 510 ملايين سهم بقيمة إجمالية قاربت 84 مليار دولار، في واحدة من أكبر عمليات الإدراج في تاريخ الأسواق المالية العالمية.
ورغم أن الشركة لا تزال غير مربحة وفق المؤشرات التقليدية، فإن المستثمرين راهنوا بقوة على مستقبلها في قطاعات الفضاء والاتصالات والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، وهو ما انعكس على التقييم الضخم الذي حصلت عليه الشركة منذ اللحظات الأولى للتداول.
أداء سهم سبيس إكس في ناسداك يفوق التوقعات
بدأت أسهم سبيس إكس تداولاتها بشكل مستقر دون اضطرابات فنية ملحوظة، على عكس ما شهدته بعض الاكتتابات التاريخية الكبرى في الأسواق الأمريكية، مثل اكتتاب فيسبوك عام 2012. وأغلق السهم عند مستوى 160.95 دولار، ما دعم التقييم السوقي للشركة ودفعها لتجاوز شركات كبرى مثل برودكوم، مع اقترابها من أمازون في ترتيب أكبر الشركات الأمريكية من حيث القيمة السوقية.
ورغم هذا الأداء القوي، حذر عدد من المحللين من احتمالات تعرض السهم لتقلبات حادة خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل ارتفاع التقييمات إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالإيرادات الحالية للشركة.
في المقابل، يرى مؤيدو السهم أن التقييم يعكس الإمكانات المستقبلية الهائلة لشركة ستارلينك ومشروعات الفضاء والذكاء الاصطناعي.
جدل في الأوساط المالية
من جانبها، قالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن الضجة المصاحبة لاكتتاب سبيس إكس لا ترتبط فقط بحجم الشركة أو طبيعة نشاطها في قطاع الفضاء، وإنما تمتد إلى التغيرات التي شهدتها قواعد الإدراج والانضمام إلى المؤشرات الرئيسة، والتي أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الاستثمارية بشأن تأثيرها على المستثمرين المؤسسيين وصناديق التقاعد.
وأوضحت أن بعض المؤشرات العالمية، وعلى رأسها مؤشر ناسداك 100، قامت بتعديل عدد من المعايير الخاصة بإدراج الشركات الجديدة، بما يسمح بانضمام سبيس إكس للمؤشر خلال فترة زمنية أقصر مقارنة بالمعايير التقليدية المتبعة تاريخياً، فضلاً عن تخفيف بعض الاشتراطات المرتبطة بنسبة الأسهم الحرة المتاحة للتداول، وهو ما اعتبره بعض المحللين خطوة استثنائية تعكس حجم الرهان على الشركة.
تعديل المؤشرات العالمية وصناديق التقاعد
أشارت حنان رمسيس إلى أن الخطورة لا تكمن في التعديلات التنظيمية على المؤشرات العالمية بحد ذاتها، وإنما في انعكاساتها على الصناديق الاستثمارية الخاملة والتي تعتمد بالكامل على تتبع المؤشرات الرئيسة، حيث تصبح هذه الصناديق ملزمة بشراء السهم فور انضمامه للمؤشر بغض النظر عن تقييمه أو مستواه السعري وقت الإدراج.
وأكدت أن ملايين الأمريكيين يستثمرون بصورة غير مباشرة عبر صناديق التقاعد وحسابات الادخار طويلة الأجل مثل حسابات 401(k)، ما يعني أن أي تحركات استثنائية في أسهم الشركات العملاقة المنضمة للمؤشرات الرئيسة تنعكس بصورة مباشرة على مدخرات هؤلاء المستثمرين.
تقييم قياسي رغم الخسائر
أشارت رمسيس إلى أن أحد أبرز أسباب الجدل يتمثل في التقييم الضخم الممنوح للشركة رغم استمرار تسجيلها خسائر مالية كبيرة، وأوضحت أن البيانات المتداولة تشير إلى تسجيل خسائر صافية تقدر بنحو 4.9 مليار دولار خلال عام 2025، إضافة إلى أكثر من 4.2 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يدفع العديد من المؤسسات الاستثمارية إلى التساؤل بشأن الأسس الفعلية التي استند إليها هذا التقييم القياسي.
وأضافت أن جزءًا كبيرًا من التقييم الحالي يستند إلى توقعات بإيرادات مستقبلية ضخمة مرتبطة بعقود حوسبة متقدمة ومشروعات الذكاء الاصطناعي، إلا أن الجدل تصاعد خلال الفترة الأخيرة بعدما ظهرت تفسيرات مختلفة لطبيعة تلك العقود ومدى إلزاميتها واستمراريتها على المدى الطويل، الأمر الذي دفع الأسواق إلى إعادة تقييم حجم المخاطر المرتبطة بهذه التوقعات المستقبلية.
اقرأ أيضًا: اكتتاب سبيس إكس.. تضارب المصالح يلاحق إدارة ترامب
مخاوف من نقص الأسهم الحرة
أكدت خبيرة أسواق المال أن طرح نسبة محدودة لا تتجاوز 5% من أسهم الشركة للتداول العام قد يؤدي إلى اختلال واضح بين العرض والطلب، خاصة مع الإقبال الكبير المتوقع من الصناديق الاستثمارية والمؤسسات المالية الكبرى.
وأشارت إلى أن هذا الوضع قد يدفع السهم إلى تحقيق ارتفاعات قوية خلال الأيام الأولى من التداول لا تعكس بالضرورة القيمة العادلة للشركة، وإنما تعبر عن محدودية الأسهم المتاحة في مواجهة طلب استثماري ضخم.
وأضافت أن هذا السيناريو يثير مخاوف بعض المستثمرين من إمكانية استفادة المؤسسين والمساهمين الحاليين من موجة الصعود السريعة لتسييل جزء من حصصهم وتحقيق أرباح ضخمة، بينما تتحمل الصناديق طويلة الأجل مخاطر الاحتفاظ بالسهم عند مستويات سعرية مرتفعة.
وشددت رمسيس على أن نجاح سبيس إكس كشركة تكنولوجية رائدة لا خلاف عليه، إلا أن الفصل بين قوة النشاط التشغيلي للشركة وبين عدالة التقييم السوقي يظل أمراً ضرورياً بالنسبة للمستثمرين.
وأضافت أن الأسواق العالمية شهدت خلال العقود الماضية العديد من الطروحات العملاقة التي جذبت اهتماماً استثنائياً في بدايتها، قبل أن تعيد الأسعار تموضعها لاحقاً وفقاً للنتائج المالية الفعلية ومعدلات النمو المحققة على أرض الواقع.
اختبار لآليات التسعير والصناديق الخاملة
يرى مراقبون أن طرح سبيس إكس لا يمثل مجرد أكبر اكتتاب في التاريخ الحديث، بل يعد اختباراً مهماً لآليات التسعير الحديثة ودور المؤشرات الاستثمارية العالمية في توجيه تدفقات الأموال.
ومن المتوقع أن تحصل أسهم الشركة على دفعة إضافية خلال الفترة المقبلة مع انضمامها المرتقب إلى مؤشرات ناسداك الرئيسة، وهو ما سيدفع العديد من صناديق المؤشرات العالمية والصناديق المتداولة إلى زيادة حيازاتها من أسهم الشركة بصورة تلقائية.
وفي هذا السياق، أكدت حنان رمسيس على أن الجدل الدائر حالياً يتجاوز حدود شركة سبيس إكس نفسها، ليطرح تساؤلات أوسع حول دور المؤشرات الاستثمارية وآليات التسعير ومدى قدرة الأسواق على تحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات الضخمة وحماية أموال المستثمرين وصناديق التقاعد، واختتمت حديثها بتأكيد أن الحكم النهائي سيظل مرهوناً بأداء الشركة بعد الإدراج وقدرتها على تحويل التوقعات الطموحة إلى نتائج مالية مستدامة على المدى الطويل.
قد يهمّك أيضًا: طرح سبيس إكس بعد الدمج مع xAI.. هل ينجح رهان المريخ؟