بعد انتهاء زيارة ترامب للصين.. هل تضغط بكين على طهران؟
بعد انتهاء زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، بدأت تتكشف تدريجيًا الأبعاد الحقيقية للمباحثات التي جرت بين واشنطن وبكين، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
ورغم أن الزيارة ركزت على ملفات التجارة والاقتصاد، فإن الملف الإيراني فرض نفسه بقوة على أجندة اللقاءات، في ظل سعي الإدارة الأمريكية إلى توظيف النفوذ الصيني للضغط على طهران ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة قد تهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة الدولية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد خيري، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، أن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لملف العلاقات الأمريكية الإيرانية، خاصة في ظل استمرار حالة التوتر الإقليمي ومحاولات واشنطن إعادة صياغة توازنات القوة في الشرق الأوسط عبر الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية على طهران.
وقال إن الإدارة الأمريكية تدرك جيدًا أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تكون مجرد حرب تقليدية محدودة، بل أزمة إقليمية واسعة ستكون لها تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والملاحة الدولية.
مسار تفاوضي في الكواليس
أوضح خيري أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بشأن وجود “تقدم” في المحادثات مع إيران تعكس وجود مسار تفاوضي غير معلن لا يزال قائمًا خلف الكواليس، رغم الخطاب السياسي المتشدد الذي تحاول واشنطن تصديره للرأي العام الأمريكي وحلفائها في المنطقة.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية تسعى حاليًا إلى تحقيق معادلة معقدة تقوم على استمرار الضغط على إيران، مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي داخلي على الرئيس ترامب، خصوصًا مع تصاعد الرفض الشعبي الأمريكي لأي انخراط عسكري طويل ومكلف.
وأشار الباحث في الشأن الإيراني إلى أن تركيز ترامب المتكرر على منع إيران من امتلاك سلاح نووي يعكس أن الملف النووي لا يزال يمثل جوهر العقيدة الأمنية الأمريكية تجاه طهران، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم القلق الأمريكي من تحول إيران إلى قوة إقليمية يصعب احتواؤها مستقبلاً.
ولفت إلى أن واشنطن تتعامل بازدواجية واضحة في هذا الملف، إذ ترفض بشكل مطلق أي قدرات نووية إيرانية، بينما تتجنب الحديث عن الترسانة النووية الإسرائيلية، وهو ما يمنح إيران مساحة سياسية وإعلامية لتأكيد روايتها بشأن “المعايير المزدوجة” في السياسة الأمريكية.
اقرأ أيضًا: مفاوضات واشنطن وطهران.. هل يستمر توتر هرمز لمصلحة أمريكا؟
هل تضحي الصين بعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران؟
أشار خيري إلى أن زيارة ترامب إلى الصين لا يمكن فصلها عن محاولة واشنطن استثمار النفوذ الصيني على إيران، خاصة أن بكين تُعد الشريك الاقتصادي الأكبر لطهران وأحد أهم المشترين للنفط الإيراني. وأوضح أن الإدارة الأمريكية تدرك أن الصين تمتلك أدوات ضغط حقيقية على إيران، سواء عبر الاقتصاد أو التجارة أو حتى عبر التوازنات الدولية داخل مجلس الأمن، ولذلك تحاول واشنطن إقناع بكين بلعب دور أكثر فاعلية في تهدئة التوترات ودفع إيران إلى تقديم تنازلات في بعض الملفات الحساسة.
لكنه شدد في المقابل على أن الصين لن تضحي بعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران من أجل إرضاء الولايات المتحدة، خاصة أن بكين تنظر إلى طهران باعتبارها شريكًا مهمًا في مشروعها الاقتصادي والجيوسياسي الممتد عبر آسيا والشرق الأوسط.
وأكد أن الصين تتحرك وفق حسابات استراتيجية طويلة المدى، وليس وفق ضغوط مرتبطة بزيارة رئيس أو أزمة مؤقتة، وهو ما يفسر تمسكها بخطاب يدعو إلى احترام القانون الدولي ورفض التصعيد العسكري المباشر ضد إيران.
اقرأ أيضًا: كيف ربحت الصين من حرب إيران؟
موقف الشارع الأمريكي من الحرب
فيما يتعلق بموقف الكونجرس الأمريكي، قال الدكتور محمد خيري إن رفض مجلس الشيوخ مشروع قرار سحب القوات الأمريكية من الحرب يعكس استمرار الدعم الجمهوري النسبي لترامب، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم الانقسام داخل الولايات المتحدة بشأن إدارة الأزمة مع إيران.
وأوضح أن الشارع الأمريكي بدأ يشعر بشكل مباشر بتداعيات الحرب الاقتصادية، سواء عبر ارتفاع أسعار الطاقة أو التضخم أو زيادة الضغوط المعيشية، وهو ما يدفع الإدارة الأمريكية لمحاولة الموازنة بين التصعيد العسكري واستمرار قنوات التفاوض غير المباشر.
كما اعتبر خيري أن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكبي، والتي دعا فيها دول الخليج إلى الاختيار بين إيران وإسرائيل، تعكس مستوى غير مسبوق من الانحياز الأمريكي الكامل للموقف الإسرائيلي.
وقال إن هذه التصريحات تكشف أيضًا عن وجود تيار متشدد داخل الإدارة الأمريكية الحالية يتعامل مع المنطقة بمنطق الاستقطاب الحاد، ويعتبر أن أي مساحة حياد أو توازن في العلاقات الإقليمية تمثل تهديدًا للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في الشرق الأوسط.
الدعم السياسي لطهران
أشار الباحث في الشأن الإيراني إلى أن إيران تراهن حاليًا على عامل الوقت وعلى حالة الانقسام داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى دعم سياسي ودبلوماسي من الصين وروسيا، لمنع تمرير أي تحركات دولية قد تشرعن استخدام القوة ضدها.
كما تراهن طهران، بحسب خيري، على استمرار خطوط الاتصال غير المباشر مع واشنطن عبر الوسطاء الإقليميين والدوليين، لأن القيادة الإيرانية تدرك أن الإدارة الأمريكية، رغم لهجتها التصعيدية، لا ترغب فعليًا في حرب طويلة قد تشعل المنطقة بأكملها.
وختم الدكتور محمد خيري تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار لعبة “الضغط مقابل التفاوض”، حيث ستحاول الولايات المتحدة إبقاء العقوبات والضغوط العسكرية والسياسية قائمة، بالتوازي مع الإبقاء على باب المفاوضات مفتوحًا. وأضاف أن زيارة ترامب إلى الصين قد تسهم في تهدئة مؤقتة للأزمة إذا نجحت واشنطن في الحصول على دعم صيني جزئي لمسار التهدئة، لكنها لن تؤدي إلى تغيير جذري في الموقف الصيني أو الإيراني، لأن الصراع الحالي يتجاوز الملف النووي ليصل إلى إعادة رسم موازين النفوذ في الشرق الأوسط والنظام الدولي بأكمله.
اقرأ أيضًا: ترامب وبينغ ومضيق هرمز.. مثلث الضغط الذي ينهي حرب إيران