بعد عامين من حرب غزة.. هل يقترب الاقتصاد الإسرائيلي من الانهيار؟

بعد عامين من الحرب على غزة، يواجه الاقتصاد الإسرائيلي واحدة من أعنف الأزمات في تاريخه الحديث، حيث كشفت البيانات الرسمية عن انكماش حاد في الناتج المحلي بنسبة تجاوزت 21% خلال الربع الأخير من عام 2023، و تراجع جديد في منتصف 2025، فيما ارتفع العجز المالي إلى مستويات غير مسبوقة بلغت 8.5%، وقفز الدين العام إلى نحو 380 مليار دولار، ومع استمرار الإنفاق العسكري اليومي الذي يتجاوز 246 مليون دولار، تتآكل الاحتياطات المالية وتتراجع الاستثمارات الأجنبية، بينما تتعرض قطاعات التكنولوجيا والبناء والتجارة إلى شلل واضح.

أما بالنسبة للأوضاع في غزة، فالبنية التحتية تم تدميرها بنسبة تقارب 90%، والقطاعات الإنتاجية أصابها الشلل تمامًا بعد توقف المصانع، وانهيار الزراعة، وانقطاع الكهرباء والمياه عن معظم المناطق، وتقديرات أولية تشير إلى خسائر تتجاوز 70 مليار دولار، بينما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني تحت خط الفقر.

صدمة الاقتصاد الإسرائيلي: أرقام لا تكذب

أكَّد الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، أن الاقتصاد الإسرائيلي يواجه واحدة من أعنف الصدمات في تاريخه الحديث نتيجة الحرب على غزة، مشيرًا إلى أن تداعياتها طالت جميع القطاعات الاقتصادية، وأعادت المؤشرات الرئيسية إلى مستويات تراجع غير مسبوقة منذ سنوات.

وأوضح الشوربجي أن البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الإسرائيلي تعكس حجم التدهور، إذ شهد الاقتصاد الإسرائيلي انكماشًا حادًا بنسبة 21% خلال الربع الأخير من عام 2023، تلاه نمو متذبذب في الربع الأول من العام الجاري، ثم عودة جديدة للانكماش بنسبة 3.5% في الربع الثاني من عام 2025، وهو ما يؤكد أن الاقتصاد لم يتمكن من استعادة توازنه حتى الآن.

وأضاف أن هذه الأرقام تكشف بوضوح التأثير المباشر للحرب على أداء الاقتصاد الإسرائيلي، خاصة مع تعطل سلاسل الإنتاج وتراجع الاستهلاك المحلي والاستثمار الخاص، لافتًا إلى أن إسرائيل تدفع فاتورة اقتصادية باهظة نتيجة العمليات العسكرية المستمرة.

كم أنفقت إسرائيل حتى الآن؟

أشار الشوربجي إلى أن فاتورة الحرب على غزة بلغت نحو 67 مليار دولار حتى نهاية عام 2024، وفقًا لتقديرات بنك إسرائيل، وتشمل هذه الفاتورة التكاليف الأمنية والنفقات المدنية والخسائر في الإيرادات العامة.

كما أوضح أن التكلفة اليومية المباشرة للحرب تُقدّر بحوالي 246 مليون دولار، بحسب ما أعلن وزير المالية الإسرائيلي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع العجز المالي إلى نحو 8.5% بنهاية العام الماضي، قبل أن يتراجع بشكل طفيف مع بداية 2025.

وذكر الخبير، أن الدين العام الإسرائيلي ارتفع بنحو 20% خلال عام واحد، ليصل إلى 380 مليار دولار، ما يشكل عبئًا ثقيلًا على الموازنة العامة ويهدد بتخفيض التصنيف الائتماني لإسرائيل لدى وكالات التصنيف الدولية.

القطاعات الأكثر تضررًا

أكد الشوربجي أن قطاع التكنولوجيا، الذي يمثل 19% من الناتج المحلي الإسرائيلي، تلقى ضربة قاسية نتيجة الحرب، حيث ألغت نحو نصف الشركات العاملة في هذا المجال استثماراتها، بحسب البيانات الرسمية. وأوضح أن هذا التراجع يعود إلى عدة عوامل، أبرزها نقص العمالة بسبب استدعاء عدد كبير من العاملين في هذا القطاع للخدمة العسكرية، حيث يلزم كل جندي باجتياز 42 يومًا في الجيش سنويًا، ما يكلف الدولة نحو 10 مليارات شيكل سنويًا، ويؤدي إلى تراجع الإنتاجية والإيرادات الحكومية.

وأضاف أن الحرب تسببت أيضا في هجرة واسعة للعقول العاملة في مجالات التكنولوجيا، فضلا عن تراجع الاستثمارات الأجنبية نتيجة تدهور صورة الاقتصاد الإسرائيلي عالميًا، كما أنَّ عودة الجنود إلى أعمالهم بعد انتهاء خدمتهم العسكرية تؤثر على كفاءتهم الإنتاجية، خاصة مع احتياج أكثر من 100 ألف جندي للعلاج النفسي وفقًا لتقارير صحية رسمية.

وتابع الشوربجي أن قطاع البناء الإسرائيلي، الذي يمثل نحو 8% من الناتج المحلي، يعاني من توقف شبه كامل بسبب نقص العمالة، إذ يعتمد القطاع على حوالي 200 ألف عامل، نصفهم من الضفة الغربية، ومع توقف دخولهم إلى إسرائيل، تراجع النشاط بنسبة تقارب 50%. وأشار إلى أن محاولات تعويض النقص بجلب عمالة من دول مثل الهند والصين لم تحقق نجاحًا، ما يزيد من تعقيد الموقف ويهدد استمرار المشاريع العمرانية الكبرى.

اقرأ أيضًا: خطة ترامب لغزة.. سلام دائم أم صراع بلا نهاية

مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي بعد حرب غزة

حذّر الشوربجي من أن مستوى الدين السيادي والعجز المالي سيبقى من أبرز التحديات خلال المرحلة المقبلة، موضحًا أن ميزانية إسرائيل لعام 2024 بلغت 587 مليار شيكل، بينما ارتفع الإنفاق الفعلي إلى 617 مليار شيكل، ما زاد من حجم العجز ورفع الدين إلى حدود 75% من الناتج المحلي.

وأشار إلى أن هذا الوضع يثير قلق بنك إسرائيل من احتمالات تخفيض التصنيف الائتماني الدولي، في ظل تراجع الصادرات بنسبة 3% وتزايد الدعوات الدولية لمقاطعة الاقتصاد الإسرائيلي بسبب الحرب. وأكد أن الأزمة لا تقتصر على الأرقام فحسب، بل تمتد إلى تراجع ثقة المستثمرين واهتزاز مكانة إسرائيل في الأسواق العالمية والمؤسسات الاقتصادية الدولية.

واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته مؤكدا أن الاقتصاد الإسرائيلي دخل مرحلة تراجع هيكلي يصعب تجاوزها على المدى القصير، معتبرًا أن أي انتعاش اقتصادي مستقبلي مرهون بالوقف الفعلي للعمليات العسكرية وإعادة بناء الثقة مع المستثمرين والأسواق العالمية، وإعادة توجيه الإنفاق العام من الأغراض العسكرية إلى التنمية والإنتاج.

انهيار الاقتصاد الغزي

من جانبه، أكَّد الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أن ما تشهده غزة منذ عامين يمثل واحدة من أعنف الكوارث الاقتصادية في التاريخ الحديث، حيث تسببت الحرب الإسرائيلية في تدمير شبه كامل للبنية التحتية وتعطيل الحياة الاقتصادية في القطاع، مشيرًا إلى أن التقديرات الأولية للخسائر المباشرة في أكثر من خمسة عشر قطاعًا حيويًا تجاوزت سبعين مليار دولار، وهو رقم هائل لا يشمل الخسائر غير المباشرة الناتجة عن توقف الإنتاج وهجرة الكفاءات وانكماش النشاط التجاري.

وأوضح سلامة أن الاقتصاد في القطاع فقد توازنه تمامًا بعد أن دُمّرت أغلب مقوماته الأساسية، إذ تكبد القطاع الإسكاني وحده خسائر تفوق ثمانية وعشرين مليار دولار نتيجة تدمير أكثر من مئتين وثمانية وستين ألف وحدة سكنية كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من الأسر وفقدان الممتلكات الخاصة.

وأضاف الخبير أنَّ القطاعات الإنتاجية عانت دمارًا مماثلًا، حيث بلغت خسائر الصناعة نحو أربعة مليارات دولار، والتجارة والخدمات نحو 4.3 مليارات، والزراعة ما يقرب من 2.8 مليار دولار، وهو ما يعكس انهيار سلاسل الإمداد وتوقف عجلة الإنتاج، فضلًا عن انقطاع حركة التصدير والاستيراد.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن البنية التحتية في غزة لم تسلم من القصف والتدمير، إذ بلغت الخسائر المباشرة في قطاع الكهرباء ومرافق الطاقة نحو 1.4 مليار دولار، بعد تدمير أكثر من خمسة آلاف كيلومتر من شبكات الكهرباء، وتخريب أكثر من ألفي محول توزيع، مما أدى إلى انقطاع شامل في التيار الكهربائي عن معظم مناطق القطاع، كما تم تدمير مئات الآبار المركزية ومشروعات المياه العذبة وتلف مئات الآلاف من الأمتار من شبكات المياه والصرف الصحي، وهو ما تسبب في أزمة إنسانية مركبة تهدد الأمن الغذائي والصحي على حد سواء.

ولم يكن قطاع النقل والخدمات العامة أفضل حالًا، فقد تم تدمير أو تعطيل ثلاثة ملايين متر من الطرق الرئيسية والفرعية، إلى جانب تدمير آلاف المركبات والمنشآت البلدية، وقدرت الخسائر في هذا المجال بنحو 2.8 مليار دولار، كما طالت الأضرار المؤسسات الحكومية والتعليمية، إذ جرى تدمير 244 مقرًا رسميًا وقرابة 300 منشأة تعليمية ورياضية، فيما بلغت خسائر قطاع البلديات والخدمات العامة قرابة ستة مليارات دولار، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في منظومة الإدارة المحلية.

قد يهمّك أيضًا: من وعد بلفور إلى الاعتراف بدولة فلسطين.. لندن تصحح خطأ القرن

توقف الدورة النقدية وتعطل أنظمة المدفوعات

أكَّد الدكتور سلامة أن القطاع التجاري والمالي يعيش حالة شلل تام بعد تدمير آلاف المنشآت والأسواق المركزية والبنوك ومحلات الصرافة، ما تسبب في توقف الدورة النقدية وتعطل أنظمة المدفوعات وتراجع السيولة إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، وهو ما انعكس على معدلات الفقر والبطالة التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وأشار إلى أن البنية المالية في القطاع أصيبت بالشلل، حيث لم تعد المؤسسات المصرفية قادرة على تسيير المعاملات اليومية أو توفير الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين، ما عمّق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

وعن فرص التعافي، أوضح سلامة أن الوضع الحالي في غزة يعكس اقتصادًا منهكًا فقد أكثر من 90٪ من قدرته التشغيلية، ولم يتبق سوى بعض الأنشطة التجارية البسيطة ذات الطابع المنزلي، ورغم ذلك يرى أن إعادة الإعمار ممكنة لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وتمويل دولي ضخم، مؤكدًا أن الخطوة الأولى للإنعاش الاقتصادي تبدأ بوقف الحرب بشكل كامل، وفتح المعابر أمام تدفق البضائع والأفراد، وإعادة هيكلة الإدارة الاقتصادية في ظل وحدة حقيقية بين غزة والضفة.

تداعيات الحرب تمتد إلى الضفة الغربية

أشار الدكتور عمرو سلامة إلى أن تداعيات الحرب لم تقتصر على غزة وحدها، بل امتدت إلى الضفة الغربية التي تعاني من قيود اقتصادية خانقة منذ أكتوبر 2023، أبرزها تجميد أموال المقاصة وعرقلة حركة التجارة ومنع آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم في الداخل المحتل، ما أدى إلى تفاقم العجز المالي وتراجع الإيرادات العامة.

واختتم سلامة تصريحاته بالتأكيد على أن ما يجري ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل انهيار شامل لبنية الحياة في غزة والضفة معًا، وأن الحديث عن التعافي دون تسوية سياسية شاملة مجرد وهم، فإعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني تتطلب بيئة مستقرة وإرادة دولية حقيقية تضع حدًا للإبادة الاقتصادية وتعيد للشعب الفلسطيني حقه.

اقرأ أيضًا: اقتصاد إسرائيل يعاني بسبب الحروب

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة