تعرضت أسعار الذهب لضغوط بيعية قوية عقب صدور بيانات سوق العمل الأمريكية لشهر مايو، ما دفع المعدن النفيس إلى تسجيل أول إغلاق يومي وأسبوعي دون مستوى 4350 دولاراً للأوقية منذ بداية عام 2026.
وجاء هبوط الذهب بعد صدور مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الأمريكية المهمة، شملت تقرير الوظائف غير الزراعية، ومتوسط الأجور في الساعة، ومعدل البطالة، والتي عززت من توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لفترة أطول، الأمر الذي انعكس مباشرة على تحركات الذهب وأعاد رسم توقعات المستثمرين لمسار الأسعار خلال الفترة المقبلة.
دور بيانات الوظائف الأمريكية في هبوط الذهب
أكد أسامة زرعي، خبير أسواق الذهب، أن التراجع الحاد الذي شهده الذهب عقب صدور بيانات التوظيف الأمريكية الأخيرة لا يعكس تغيراً جوهرياً في الاتجاه طويل الأجل للمعدن النفيس، وإنما جاء نتيجة إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأمريكية بعد صدور بيانات قوية لسوق العمل، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم احتمالات خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وأوضح زرعي أن بيانات الوظائف الأمريكية الأخيرة أغلقت الباب مؤقتاً أمام أي خفض قريب للفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بل وأعادت إلى الأسواق احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول. وأشار إلى أن العنصر الأكثر أهمية في التقرير لم يكن عدد الوظائف الجديدة فقط، وإنما معدل نمو الأجور الذي سجل 3.4%، وهو المستوى الذي منح الأسواق قدراً من الثقة في متانة الاقتصاد الأمريكي دون أن يشير إلى انفلات تضخمي ناتج عن ارتفاع الأجور.
وأضاف أن الأجور تمثل أحد أكثر المؤشرات التي يراقبها الاحتياطي الفيدرالي بدقة، نظراً لأن التضخم الناتج عن نمو الأجور يعد من أخطر أنواع التضخم وأكثرها صعوبة في السيطرة، فكلما ارتفعت الأجور بوتيرة سريعة، ازدادت القدرة الشرائية للأفراد، ما يؤدي إلى ارتفاع الإنفاق ومن ثم زيادة الأسعار، وهو ما يخلق حلقة تضخمية متكررة يصعب كبحها، أما المستويات الحالية لنمو الأجور فتشير إلى سوق عمل قوي، لكنها لا تعكس ضغوطاً تضخمية خارجة عن السيطرة.
اقرأ أيضًا: الدين العام والفائدة.. كيف يتأثر الاقتصاد الأمريكي بأزمة هرمز؟
حركة عوائد السندات الأمريكية
أكد زرعي أن الاحتياطي الفيدرالي يجد نفسه حالياً أمام معادلة معقدة تتضمن ثلاثة خيارات رئيسة، لكل منها تداعيات مختلفة على الاقتصاد والأسواق، فإذا قرر رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم الذي لا يزال يدور قرب 3.8% فسوف ترتفع تكلفة خدمة الدين الأمريكي بشكل أكبر، وإذا أبقى الفائدة دون تغيير فقد يستمر التضخم أعلى من المستوى المستهدف لفترة أطول، ما يضع ضغوطاً على مصداقية السياسة النقدية، أما إذا اتجه إلى خفض الفائدة مبكراً فقد يؤدي ذلك إلى ضعف الدولار وعودة الضغوط التضخمية مجدداً.
وقد أوضح أن جميع السيناريوهات سابقة الذكر تصب في النهاية في صالح الذهب على المدى الطويل باعتباره أحد أهم أدوات التحوط ضد التضخم والمخاطر المالية.
وفي هذا السياق، أشار زرعي إلى أنّ حركة عوائد السندات الأمريكية تعكس هذا الوضع بوضوح، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل عامين بنحو 10 نقاط أساس عقب صدور بيانات الوظائف، بينما ارتفع العائد على السندات لأجل عشر سنوات بنحو 6 نقاط أساس فقط، ويرجع ذلك إلى أن السندات قصيرة الأجل تتأثر بشكل مباشر بتوقعات قرارات الفيدرالي القريبة، في حين تنظر السندات طويلة الأجل إلى الصورة الاقتصادية الأشمل على مدى زمني أطول.
آليات التحوط المصرفي
فيما يتعلق بسوق المشتقات، أوضح زرعي أن الانخفاضات الحادة في أسعار الذهب تؤدي إلى تفعيل آليات التحوط لدى المؤسسات المالية الكبرى، حيث تضطر البنوك إلى بيع المزيد من العقود لحماية مراكزها، ما يخلق موجة إضافية من الضغوط البيعية ويزيد من سرعة الهبوط.
وكشف أن إجمالي الرهانات المفتوحة على الذهب حالياً يقترب من تريليون دولار، بينما تبلغ قيمة المكاسب والخسائر غير المحققة الناتجة عن التحركات السعرية الحالية نحو 77 مليار دولار، مشيراً إلى أن كل تحرك بمقدار 100 دولار في سعر الأوقية يؤدي إلى تغيرات تتراوح بين 20 و30 مليار دولار في قيمة الأرباح والخسائر داخل السوق.
وأضاف أن المؤسسات المصرفية الكبرى ما زالت تسيطر على الجزء الأكبر من مراكز الذهب في أسواق المشتقات، حيث يمتلك بنك جي بي مورجان مراكز تتجاوز قيمتها 300 مليار دولار، فيما تبلغ مراكز سيتي جروب نحو 142 مليار دولار، وبنك أوف أمريكا نحو 61 مليار دولار. وأوضح أن هذه البنوك لا تراهن على اتجاه الأسعار بشكل مباشر، بل تعمل كصناع سوق من خلال بيع العقود في بورصة شيكاغو والتحوط بشراء الكميات نفسها في أسواق أخرى مثل لندن، ما يجعل مراكزها الصافية شبه متعادلة.
اقرأ أيضًا: إلى أين يتجه الذهب مع تصاعد احتمالات رفع الفائدة الأمريكية؟
خسائر لصناديق التحوط ومكاسب للمنتجين
أشار زرعي إلى أن أكبر الخاسرين من التراجع الأخير كانوا المضاربين وصناديق التحوط، حيث بلغت خسائر المضاربين الذين كانوا يحتفظون بنحو 17.6 مليون أوقية ما يقارب 2.64 مليار دولار خلال يوم واحد فقط، كما سجلت صناديق التحوط خسائر تقدر بنحو 1.46 مليار دولار نتيجة احتفاظها بمراكز شراء ضخمة بلغت نحو 9.74 مليون أوقية.
وأضاف أن المستثمرين في الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب تكبدوا خسائر دفترية على الورق تقترب من 20 مليار دولار، نتيجة امتلاك تلك الصناديق ما يزيد على 4,137 طناً من الذهب تعادل نحو 133 مليون أوقية، مؤكداً أن هذه الخسائر تظل غير محققة ما لم يتم بيع الأصول بالفعل.
وفي المقابل، أوضح أن منتجي الذهب والبائعين كانوا من أبرز المستفيدين من التراجع الأخير، حيث حققوا أرباحاً من مراكز البيع التي تم فتحها عند مستويات سعرية أعلى، بينما خرجت البنوك صانعة السوق دون مكاسب أو خسائر كبيرة بفضل استراتيجيات التحوط التي تعتمدها.
دلالات السحب المؤسسي للذهب أثناء التراجع
تطرق زرعي إلى الحديث عن أوضاع المخزون الفعلي للذهب داخل بورصة شيكاغو، موضحاً أن مخزون الذهب المسجل الجاهز للتسليم الفوري يبلغ حالياً نحو 15.3 مليون أوقية، بعد تراجعه بنسبة 3.3% خلال شهر واحد، بما يعادل خروج نحو 516 ألف أوقية، كما انخفض مخزون الذهب المؤهل للتسليم بنسبة 3.4% ليصل إلى نحو 9 ملايين أوقية، بخروج يقارب 457 ألف أوقية خلال الفترة نفسها.
وأكد أن التراجع المتزامن في النوعين يشير إلى خروج الذهب من منظومة التخزين بالكامل، وليس مجرد انتقاله بين الفئات المختلفة داخل البورصة، وهو يرى أن هذه الظاهرة تعكس وجود طلب فعلي على المعدن الحقيقي من جانب مؤسسات ومستثمرين يقومون بسحب الذهب المادي من الأسواق رغم انخفاض الأسعار.
وأوضح أن نسبة تغطية الطلب الفعلي بالذهب الحقيقي لا تتجاوز حالياً 43.3%، في حين تعتمد المؤسسات المالية على رافعة مالية تصل إلى 2.31 مرة، وهو ما يعني أن حجم الالتزامات الورقية يفوق بشكل كبير حجم المعدن الفعلي المتاح.
وأشار إلى أن الأسواق شهدت خلال الفترة الأخيرة تمركزاً كبيراً لعقود الخيارات عند مستويات تتراوح بين 4400 و4500 دولار، وهو ما شكل منطقة دعم فنية قوية. ومع كسر مستوى 4400 دولار اضطرت البنوك المصدرة لعقود الخيارات إلى بيع المزيد من العقود الآجلة للتحوط، ما سرّع من وتيرة الهبوط ودفع الأسعار إلى مستويات 4320 دولاراً، فاتحاً المجال لاختبار مستويات دعم جديدة قرب 4200 و4050 دولاراً للأوقية.
وأكد زرعي أن إحدى الإشارات الإيجابية التي ظهرت خلال موجة الهبوط الأخيرة تمثلت في قيام المؤسسات بسحب نحو 27 ألف أوقية من الذهب الفعلي في نفس يوم التراجع الحاد، رغم انخفاض الأسعار، وهو يرى أن هذه السلوكيات تعكس عمليات شراء مؤسسية هادئة تستهدف اقتناص المعدن عند مستويات منخفضة، وهو ما يعد في كثير من الأحيان مؤشراً على اقتراب الأسواق من تكوين قاع سعري.
واختتم زرعي تصريحاته بالتأكيد على أن الاتجاه الاستراتيجي للذهب لا يزال صاعداً رغم التقلبات قصيرة الأجل، مشيراً إلى أن مستويات 4200 إلى 4050 دولاراً تمثل مناطق دعم رئيسة خلال المرحلة الحالية، في حين تظل المستويات المستهدفة على المدى المتوسط والطويل عند 5000 و5500 ثم 6000 دولار للأوقية، ما دام الطلب الفعلي على الذهب مستمراً والمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية العالمية قائمة.
اقرأ أيضًا: مفاوضات واشنطن وطهران.. هل يستمر توتر هرمز لمصلحة أمريكا؟