بكين تعلّق الرسوم الجمركية الانتقامية على الواردات الأمريكية

أعلنت الحكومة الصينية اليوم الأربعاء، 5 نوفمبر 2025، عن تعليق الرسوم الجمركية الانتقامية المفروضة على عدد من الواردات الأمريكية، في خطوة فسّرها الخبراء على أنها إشارة إلى انفراجة محتملة في العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، بعد الاجتماع الذي جمع الزعيمين شي جينبينغ ودونالد ترامب الأسبوع الماضي.

وشمل القرار رفع الرسوم عن بعض المنتجات الزراعية الأمريكية، بينما أبقت بكين على رسوم بنسبة 13% على واردات فول الصويا الأمريكي، وهو ما اعتُبر استمرارًا للضغط على أحد أبرز القطاعات الحساسة في العلاقة التجارية بين البلدين.

وأكدت لجنة التعريفات الجمركية التابعة لمجلس الدولة الصيني أن الرسوم البالغة 15% على عدد من السلع الزراعية الأمريكية سيتم رفعها اعتبارًا من 10 نوفمبر الجاري، في حين ستبقى الرسوم بنسبة 10% المفروضة سابقًا ردًا على ما سمّي بـ “رسوم يوم التحرير” التي أصدرها الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى.

ورحب المستثمرون في الأسواق الآسيوية والأمريكية بالقرار، إذ خفّف من المخاوف بشأن انهيار المفاوضات بين الجانبين، ما كان قد يفاقم آثار حرب الرسوم الجمركية التي عطّلت سلاسل التوريد العالمية ورفعت تكاليف الإنتاج والتجارة، وأكد محللون أن هذه الانفراجة جاءت عقب لقاء الزعيمين في كوريا الجنوبية، حيث اتفقا على استمرار الحوار الاقتصادي وتخفيف حدة التوترات.

فول الصويا.. ورقة الضغط التي لم تسقط بعد

رغم التفاؤل النسبي، يرى مراقبون أن تأثير القرار على تجارة فول الصويا الأمريكي محدود، إذ لا تزال الشحنات خاضعة لرسوم بنسبة 13%، ما يجعلها أغلى من البضائع البرازيلية المنافسة وقال المراقبون: “حتى مع تخفيف الرسوم، لا نتوقع طلبات كبيرة من الصين على الفول الأمريكي؛ فالبرازيل تظل أكثر تنافسية، والمشترون حول العالم يفضلون المنتج البرازيلي بسبب انخفاض التكلفة”.

ووفقًا لتصريحات البيت الأبيض، فإن الصين تعهدت بشراء ما لا يقل عن 12 مليون طن متري من فول الصويا الأمريكي خلال الشهرين الأخيرين من عام 2025، على أن ترتفع الكمية إلى 25 مليون طن سنويًا خلال السنوات الثلاث المقبلة، غير أنَّ بكين لم تؤكد رسميًا هذه الأرقام حتى الآن، فيما ينتظر التجار إشارات عملية على تنفيذ هذه الالتزامات.

في المقابل، استفادت الشركات الصينية من تراجع الأسعار في أمريكا الجنوبية، حيث أبرم المستوردون صفقات لشراء 20 شحنة جديدة من فول الصويا البرازيلي خلال الأيام الأخيرة، وتراوحت الأسعار لشحنات ديسمبر بين 2.25 و2.30 دولار للبوشل وفق عقد شيكاغو لشهر يناير مقابل 2.40 دولار للبوشل للفول الأمريكي من ساحل الخليج.

ورغم الفارق السعري، نفّذت شركة كوفكو الصينية أول عملية شراء من المحصول الأمريكي لهذا العام قبل لقاء ترامب وشي، في خطوة فهمت على أنها مؤشر على حسن نية واستعداد لفتح صفحة جديدة في التبادل التجاري بين البلدين.

وأظهرا بيانات الجمارك الصينية أن واردات الصين من فول الصويا الأمريكي تراجعت إلى 20% فقط في عام 2024، مقارنة بـ 41% في عام 2016، أي قبل اندلاع الحرب التجارية، وقد كبَّدت الرسوم الجمركية المرتفعة المزارعين الأمريكيين خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تقلص الطلب الصيني، وهو ما دفع واشنطن إلى الضغط لإعادة فتح السوق.

براغماتية صينية.. تخفيف تدريجي للرسوم مع الاحتفاظ بالمصالح

في تعليقه على القرار، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الشوربجي أن خطوة الصين تمثل تحركًا استراتيجيا محسوبًا بدقة، مشددًا على أنها لا تعني تراجعًا أمام واشنطن، بل تعبّر عن براغماتية اقتصادية تستهدف حماية مصالح بكين في لحظة عالمية شديدة الحساسية.

وقال الشوربجي في تصريحات خاصة إن الصين تتحرك وفق توازن دقيق بين الانفتاح والحذر، فهي تدرك أن التوترات التجارية تضغط على الأسواق، لكنها في الوقت ذاته لا تريد تقديم تنازلات مجانية، مضيفًا: “الإبقاء على رسوم بنسبة 13% على فول الصويا الأمريكي ليس إجراءً اقتصادياً بحتاً، بل هو رسالة سياسية موجهة إلى الداخل الأمريكي، خصوصاً للمناطق الزراعية التي تمثل أهمية للرئيس ترامب”.

وأضاف أنَّ الصين تهدف من خلال هذه الخطوة إلى تخفيف الضغط الدولي عليها من جهة، وتعزيز قدرتها على تنويع الشركاء التجاريين من جهة أخرى، مؤكدًا أن التحوُّل نحو البرازيل كمصدر رئيسي لفول الصويا ليس إجراءً عابرًا، بل جزء من استراتيجية طويلة المدى لتأمين الاحتياجات الغذائية وتقليل التبعية لواشنطن.

تعليق مؤقت لرسوم 24٪.. مناورة استراتيجية أم تغيير جذري؟

في خطوة إضافية نحو التهدئة، أعلن مجلس الدولة الصيني أنه سيعلّق لمدة عام الرسوم الجمركية الإضافية البالغة 24%، التي تم فرضها على مجموعة من السلع الأمريكية في أبريل الماضي، موضحًا أن الهدف هو تنويع مصادر الواردات وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، في إطار سياسة اقتصادية أوسع تهدف إلى ضمان الأمن الغذائي والصناعي واستقرار سلاسل الإمداد.

وأشار الشوربجي إلى أن تعليق الرسوم الإضافية البالغة 24% لمدة عام هو في جوهره مناورة سياسية واقتصادية محسوبة تهدف إلى كسب الوقت وإظهار حسن النية أمام المجتمع الدولي دون تقديم تنازلات حقيقية، مضيفًا أن بكين تدرك أن الحفاظ على استقرارها الداخلي يتطلب ترك قنوات التجارة مع واشنطن مفتوحة بالتوازي مع توسيع البدائل الإقليمية.

وأكد الخبير الاقتصادي أن القرار الصيني أرسل رسالة طمأنة للأسواق العالمية التي عانت من اضطرابات في سلاسل الإمداد، موضحًا أن المستثمرين في آسيا وأمريكا تنفسوا الصعداء بعد الإعلان، لكن الصراع التجاري لن ينتهي قريبًا، لأن جذوره تتجاوز التعريفات إلى قضايا الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجيا والطاقة.

واختتم الشوربجي تصريحه قائلاً: “الصين لا تتراجع أمام واشنطن، بل تعيد ترتيب أوراقها بذكاء، فهي تدرك أن إدارة الصراع أهم من حسمه، وأن المرونة المدروسة تمنحها تفوقًا استراتيجيًا داخل النظام الاقتصادي الدولي الجديد، الذي يتجه تدريجيًا نحو تعدد الأقطاب وتراجع الهيمنة الأمريكية”.

وأكَّد أن المرحلة المقبلة ستشهد توازناً دقيقاً بين التعاون والتنافس في العلاقات التجارية بين بكين وواشنطن، يقوم على مبدأ “الاحتواء المتبادل”، حيث يحتاج كل طرف إلى الآخر، لكن دون ثقة كاملة، ما يجعل المرحلة المقبلة مرحلة هدنة اقتصادية مؤقتة أكثر من كونها تسوية شاملة أو شراكة مستقرة.

اقرأ أيضًا: لقاء ترامب وشي.. هل ينجح الزعيمان في إعادة التوازن للأسواق العالمية؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة