بوادر انقسام داخل الفيدرالي.. هل تؤثر على قرار الفائدة المنتظر؟
قبل أسابيع قليلة من اجتماع ديسمبر، يجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخه الحديث، فبعد أشهر من توقعات الأسواق بأن خفضًا جديدًا للفائدة بات شبه محسوم، خرجت أصوات متشددة داخل المجلس لتعلن بوضوح أنَّ التضخم ما زال مقلقًا، وأنَّ أيَّ خطوة تيسير جديدة قد تحمل مخاطر تفوق منافعها.
هذا الانقسام المفاجئ قلب حسابات الأسواق رأسًا على عقب، ودفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المشهد برمّته، خاصة أن التصريحات الصادرة هذه المرة لم تكن همسًا خلف الأبواب المغلقة، بل مواقف علنية كشفت عن شرخ عميق في قراءة مسؤولي الفيدرالي لمسار الاقتصاد، بحسب بلومبرغ.
تفسير مختلف لسوق العمل وتراجع التضخم
ترى المجموعة المتشددة داخل الفيدرالي، أن الهبوط في وتيرة التوظيف لا يعد مؤشرًا على ضعف الاقتصادي الأمريكي، وإنّما نتيجة لتغيرات ديموغرافية وتكنولوجية مرتبطة بالهجرة وتوسع العمل عن بعد، وبالنسبة لهم فإن تفسير تباطؤ سوق العمل كعلامة ركود محتمل هو تقدير خاطئ قد يقود لاتخاذ خطوات تيسيرية مبكرة.
ويذهب عدد من هؤلاء المسؤولين إلى أن معدلات الفائدة الحالية بالكاد تعد مقيدة للنشاط الاقتصادي، وأن أي خفض إضافي قد يُخاطر بإعادة إشعال التضخم، خاصة أنَّ الضغوط السعرية ما زالت كامنة في الخدمات والسلع المتأثرة بالرسوم الجمركية، وبذلك يرى الصقور أن خفض الفائدة الآن قد يرسل إشارة خاطئة للأسواق حول التزام الفيدرالي بهدف التضخم عند 2%.
ما يقلق الصقور حقًا ليس التضخم فحسب، بل احتمال أن تتراجع ثقة الأسواق في قدرة الفيدرالي على ضبطه، فالمؤسسة النقدية التي فقدت مصداقيتها خلال سنوات ما بعد الجائحة – حين ظل التضخم فوق المستوى المستهدف لفترة طويلة – لا يمكنها تحمل خطأ آخر في التقدير.
ووفق رؤيتهم، فإنَّ أي تيسير نقدي قبل التأكد من هبوط التضخم بشكل مستدام، قد يخلق دورة جديدة من ارتفاع الأسعار يصعب السيطرة عليها، ما يجبر الفيدرالي لاحقًا على رفع الفائدة بشكل أشد وأكثر إضرارًا بالاقتصاد، وهذا الخوف من فقدان السيطرة، هو ما جعل جملة “الأسواق تفقد ثقتها فجأة وليس تدريجيًا” حديث الساعة بين الاقتصاديين.
تراجع رهان الأسواق وصدمة للمستثمرين
حتى الأسبوع الماضي، كان احتمال خفض الفائدة في ديسمبر يُسعَّر بنسبة 100% في عقود الفيدرالي الآجلة، لكن خلال أيام قليلة فقط -ومع ارتفاع نبرة الصقور- تراجع هذا الاحتمال إلى 50%، وهو تراجع دراماتيكي يعكس حجم الارتباك الذي أصاب المستثمرين؛ فقد بدأت المؤسسات المالية الكبرى، من بنوك استثمار إلى صناديق تحوط، إعادة رسم سيناريوهات الفائدة، وتعديل توقعات النمو والإنفاق والاستهلاك، وبات السؤال المطروح اليوم: هل يستطيع جيروم باول إعادة توحيد اللجنة، أم أن قرار ديسمبر سيكشف عن انقسام أعمق مما يظهر على السطح؟
راي داليو: أزمة ديون تلوح في الأفق بسبب سياسات ترامب.. اقرأ المزيد!
الحمائم يتمسكون بموقفهم.. ومخاوفهم تتعلق بالنشاط الاقتصادي
على الطرف الآخر من الطاولة، يرى الفريق المؤيد للخفض أن الفائدة الحالية تجاوزت “المستوى الحيادي”، ما يجعلها عبئًا على النمو، خاصة على قطاعات التكنولوجيا والعقارات والتجزئة، ويعتقد هؤلاء أنَّ التباطؤ في سوق العمل أكثر جوهرية مما يراه الصقور، وأن الشركات بدأت تظهر علامات حذر واضحة في التوظيف والإنفاق.
كما يحذر الحمائم من أن الاستمرار في الفائدة المرتفعة قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي حاد مطلع العام المقبل، وهو -برأيهم- أشد خطرًا من احتمالية ارتفاع محدود في التضخم، وهذا الفريق يدعم خفض الفائدة كخطوة وقائية تمنع الاقتصاد من الدخول في “هبوط غير سلس”.
جيروم باول.. بين تيارين متناقضين
يجد رئيس الفيدرالي نفسه في موقف معقد، إذ يسعى للحفاظ على توازن دقيق بين الفريقين، وقد تجنّب في خطاباته الأخيرة الانحياز لأي طرف، مركّزا على الاعتماد على البيانات وعدم الالتزام المسبق بأي مسار للسياسة النقدية، لكنه في الوقت ذاته لمح إلى أن التضخم يظهر “اتجاهاً إيجابياً”، ما جعل البعض يضعه أقرب إلى موقف الحمائم.
الصقور يعتبرون أنَّ باول يجب أن يرسل رسالة أقوى بأن الفيدرالي لن يتساهل مع التضخم مجددًا، بينما يتهمه الحمائم بالتردد الذي قد يفاقم تباطؤ الاقتصاد، وهذا التوازن الهش هو ما يجعل قرار ديسمبر أحد أكثر القرارات حساسية في عهد باول.
هل ينفجر الخلاف داخل الفيدرالي؟
تشير تقديرات عدد من الاقتصاديين إلى أن النقاش داخل المجلس أصبح أكثر علنية وعمقًا، وأن الخلاف الحالي لا يتعلق بقرار واحد، بل بأسلوب إدارة السياسة النقدية في عام 2025 وما بعده. ويذهب كريشنا غوها، كبير اقتصاديي “Evercore ISI” إلى حد القول إنَّ ما يحدث الآن هو “بروفة مبكرة” لمعركة أوسع متوقعة عام 2026، حين تنتهي ولاية باول.
كما أنّ الرئيس دونالد ترامب قد يعين رئيسًا جديدًا للفيدرالي بخيارات أكثر تشددًا أو تيسيرًا، ما يهدد الاستقلالية المؤسسية للبنك في مرحلة حساسة، وهذا السيناريو يجعل الخلاف الحالي أكثر من مجرد اختلاف فني؛ فهو اختبار مبكر لهوية ومستقبل السياسة النقدية الأمريكية.
سوق العمل.. صورة واحدة وقراءتان متعارضتان
قد تكون البيانات المتعلقة بسوق العمل أكثر المؤشرات التي أثارت الجدل، فبينما يرى فريق أن انخفاض فرص العمل وتباطؤ التوظيف يدل على تباطؤ اقتصادي حقيقي، يرى الفريق الآخر أنَّ الأمر يتعلق بإعادة هيكلة عميقة في سوق العمل، وأن الإنتاجية المرتفعة تتيح للشركات الاستمرار دون توظيف كثيف.
هاتان القراءتان المتعارضتان تجعلان من البيانات الاقتصادية مادة اختبار، لا وسيلة حسم، وتزيدان من صعوبة تحديد المسار الأمثل للفائدة خلال الأشهر المقبلة، وفي ظل هذه الضبابية قد تكون أي قراءة شهرية جديدة لسوق العمل قادرة على قلب مزاج اللجنة إلى الاتجاه المعاكس.
التضخم.. العدو الذي لم يُهزم بعد
رغم تراجع معدلات التضخم من ذروتها التاريخية، فإن عودته إلى 2% ما زالت بعيدة عن التحقق الكامل، فأسعار الخدمات -وعلى رأسها الإيجارات والرعاية الصحية- ما تزال مرتفعة، كما أن الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية مؤخرًا، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، قد تعيد الضغوط السعرية إلى الواجهة.
لهذا السبب يرى الصقور أنَّ خفض الفائدة الآن قد يفهمه السوق باعتباره تراجعًا عن الهدف الأساسي للفيدرالي، وهو محاربة التضخم “بأي ثمن”، وفي المقابل يرى الحمائم أن التضخم يتحرك في الاتجاه الصحيح، وأن استمرار الفائدة المرتفعة قد يضر بالاقتصاد الحقيقي أكثر من فائدته في ضبط الأسعار.
رد الأسواق.. تقلبات حادة في السندات والعملات
أحدثت تصريحات الصقور موجة مفاجئة من التقلبات في الأسواق، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة القصيرة الأجل، وتذبذب الدولار أمام العملات الرئيسة، وانخفضت رهانات المستثمرين على دورة خفض سريعة للفائدة.
وتتابع المؤسسات المالية الكبرى هذه التطورات بحذر بالغ، لأن أي انحراف في توقعات الفائدة يؤثر مباشرة على أسعار الأصول، من الأسهم والعقارات إلى السندات، كما يخشى المستثمرون من أن يؤدي انقسام الفيدرالي إلى رسائل غامضة يصعب تفسيرها، ما يدفعهم لتسعير المخاطر بشكل أكثر عدوانية خلال المرحلة المقبلة.
هل يفقد الفيدرالي السيطرة؟
داخل الأوساط الاقتصادية الأمريكية تتردد كلمتان فقط “فقدان السيطرة”، فالمخاوف ليست من التضخم أو من البطالة وحدهما، بل من أن يصبح الفيدرالي عاجزًا عن توحيد رسالته أو توجيه الأسواق بشكل منضبط، كما فعل لعقود طويلة.
وتقول التحليلات إن السياسة النقدية تدخل “المنطقة الرمادية”؛ فالتضخم ليس منخفضًا بما يكفي ليبرر خفضًا جديدًا، وسوق العمل ليست ضعيفة بما يكفي لتفرض خفضًا، في حين أنَّ الفائدة الحالية مرتفعة بما يكفي لإبطاء النشاط الاقتصادي، لكنها غير كافية لإخماد التضخم، وهذه المفارقة تجعل أي قرار -خفضًا أو تثبيتًا- يحمل مخاطره الخاصة.
مع اقتراب موعد الاجتماع، تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى واشنطن بترقب غير مسبوق، فالقرار الذي سيصدر لن يكون مجرد قرار فائدة، بل سيحدد شكل السياسة النقدية لعام 2025، ويكشف عن ميزان القوى الحقيقي داخل الفيدرالي، ويُظهر إلى أي مدى يستطيع جيروم باول الحفاظ على وحدة المؤسسة في أصعب مرحلة منذ سنوات.
اقرأ أيضًا: تراجع سيادة القانون يربك مستقبل الاقتصاد الأمريكي