شهدت الساعات الأخيرة تحولاً دراماتيكياً في مسار الأزمة الإيرانية الأمريكية، حيث خيم الفشل على جولة المفاوضات الحاسمة التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وكان هذا التعثر الدبلوماسي بمثابة شرارة أطلقت موجة جديدة من التحركات العسكرية والتهديدات الاقتصادية المتبادلة.
وفي ظل تمسك طهران بمكاسبها النووية وسيطرتها على مضيق هرمز، وتصعيد واشنطن عبر التلويح بحصار بحري شامل، تزايدت المخاوف الدولية من خروج الصراع عن السيطرة، ما قد يضع استقرار المنطقة وإمدادات الطاقة العالمية في مهب الريح.
فجوة عميقة في الرؤى السياسية بين الطرفين
قال الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات السياسية، إن فشل مفاوضات أمريكا وإيران في إسلام آباد، بعد أكثر من 20 ساعة من المحادثات المكثفة على مدار ثلاث جولات، لا يعني إغلاق المسار الدبلوماسي بشكل نهائي، لكنه يعكس تعقيدًا شديدًا في المشهد وتباينًا حادًا في مواقف الطرفين.
وأوضح أن طهران تحدثت عن تفاهمات جزئية، لكنها أقرت بوجود خلافات جوهرية حول ملفات رئيسة، في حين اعتبرت واشنطن أن إيران لم تقدم التزامًا واضحًا بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وهو ما أدى إلى تعثر الوصول لاتفاق. وأشار إلى أن تصعيد دونالد ترامب وتهديده بتدمير البنية التحتية للطاقة في إيران يعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة ضغط سياسي وعسكري أكبر، ما يطرح تساؤلات حول احتمالات العودة للتصعيد الميداني.
وأضاف أن المفاوضات كشفت عن فجوة عميقة في الرؤى، حيث تعاملت إيران مع المحادثات باعتبارها طرفًا منتصرًا، مطالبة بانسحاب أمريكي، ورفع العقوبات، وتقديم تعويضات وضمانات، بينما سعت الولايات المتحدة إلى فرض شروط أقرب إلى “الاستسلام”، تشمل تفكيك جوانب من البرنامج النووي، والحد من النفوذ الإقليمي، والسيطرة على أوراق الضغط مثل مضيق هرمز.
وأكد أنّ هذا التناقض الجذري جعل التوصل إلى تسوية أمرًا شبه مستحيل في هذه الجولة، موضحًا أن المفاوضات لم تكن تستهدف السلام الكامل بقدر ما كانت جزءًا من إدارة الصراع، وإعادة ترتيب الأوراق، ومنح الأطراف فرصة لإعادة التموضع استعدادًا لجولات لاحقة.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة تخطط لتحقيق “انتصار سياسي” يضمن عدم ظهورها بمظهر الخاسر، حتى دون إسقاط النظام الإيراني، في حين تراهن طهران على عامل الوقت، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية في واشنطن، وقدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر أدوات مثل مضيق هرمز.
اقرأ أيضًا: ترامب وبينغ ومضيق هرمز.. مثلث الضغط الذي ينهي حرب إيران
معضلة اليورانيوم والأصول المجمدة
أوضح عنابي أنّ أحد أبرز نقاط الخلاف تمثلت في ملف تخصيب اليورانيوم، حيث تتمسك إيران بحقها في التخصيب للأغراض السلمية، بينما تطالب الولايات المتحدة بخفضه إلى الصفر، إلى جانب قضايا أخرى مثل الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودور الجماعات المسلحة في المنطقة، وهو ما ساهم في تعقيد المفاوضات.
كما أشار إلى أن الورقة التي طرحها نائب الرئيس الأمريكي كآلية تفاهم لم تتضح تفاصيلها بشكل كامل، لكنها على الأرجح لم تبتعد كثيرًا عن الشروط الأمريكية السابقة، وهو ما يفسر الرفض الإيراني واعتبارها غير ذات قيمة في الوقت الحالي، مع التأكيد أن هذا الرفض قد يكون مؤقتًا في ظل استمرار الضغوط.
وأكد أن دول إقليمية مثل مصر والسعودية وتركيا وباكستان لعبت دورًا مهما في محاولة إنجاح المفاوضات وتحويل الهدنة إلى وقف دائم لإطلاق النار، إدراكا منها لخطورة استمرار الحرب على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي، خاصة مع أهمية منطقة الخليج كمركز رئيسي للطاقة.
وأضاف أن استمرار التوتر أو أي تصعيد محتمل، خاصة في مضيق هرمز، قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية خطيرة، تشمل ارتفاع أسعار النفط، وزيادة معدلات التضخم عالميًا، وتعرض سلاسل الإمداد لضغوط كبيرة.
اقرأ أيضًا: معضلة مضيق هرمز.. تحليل لأوراق الضغط الأمريكية
تحالف دولي للضغط على إيران
شدد عنابي على أن الولايات المتحدة قد تهدف خلال المرحلة المقبلة إلى حشد تحالف دولي للضغط على إيران، وربما فرض إجراءات مثل حصار مضيق هرمز، بهدف تحميل طهران مسؤولية أي اضطرابات اقتصادية عالمية، وهو ما قد يوسع نطاق الأزمة.
كما أشار إلى أن هناك معضلة داخلية تواجه الإدارة الأمريكية، تتعلق بالحاجة إلى موافقة الكونغرس في حال التصعيد العسكري، إلا أن هذا العائق قد يتم تجاوزه بآليات سياسية، في ظل دعم محتمل من بعض القوى داخل الولايات المتحدة.
وأكد أن المشهد الحالي يعكس حالة “صفرية” في العلاقات، حيث يهدف كل طرف لتحقيق نصر كامل، وهو ما يقلل فرص التوصل إلى اتفاق سريع، ويزيد احتمالات الدخول في مرحلة تصعيد ميداني قبل العودة مجددًا إلى التفاوض.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن جميع الحروب تنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات، لكن الوصول إلى مفاوضات جادة يتطلب قناعة الطرفين بعدم القدرة على تحقيق أهدافهما عسكريًا، وهو ما لم يتحقق بعد، ما يرجح استمرار التوتر في المدى القريب، مع بقاء الباب مفتوحًا أمام استئناف المسار الدبلوماسي لاحقًا.
تراجع فرص التهدئة بين الجانبين
من جهته، قال الدكتور محمد خيري، الباحث في الشأن الإيراني، أن الولايات المتحدة الأمريكية دخلت مرحلة جديدة من التصعيد مع إيران عقب فشل جولات المفاوضات الأخيرة التي عقدت في إسلام آباد، مؤكدًا أن المشهد الحالي يعكس انتقالًا واضحًا من المسار الدبلوماسي إلى الاستعدادات العسكرية المباشرة.
وأوضح أن إعلان نائب الرئيس الأمريكي عن عدم التوصل إلى اتفاق بعد ثلاث جولات تفاوضية يعكس تعثرًا عميقًا، خاصة في ظل تمسك إيران بمواقفها الرافضة للشروط الأمريكية، سواء فيما يتعلق بفتح مضيق هرمز، أو بالبرنامج النووي، أو بتقييد القدرات الصاروخية، وأضاف أن مغادرة الوفدين الأمريكي والإيراني دون اتفاق تعني أن فرص التهدئة أصبحت محدودة للغاية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة حاولت خلال فترة الهدنة المؤقتة، التي امتدت لأسبوعين، إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، حيث دفعت بمدمرات مثل “يو إس إس فرانك بيترسون” و”يو إس إس مايكل ميرفي” لعبور المضيق، وقد تمكنت هذه القطع البحرية من العبور والدخول إلى الخليج العربي، إلا أنها تعرضت لتحذيرات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني، الذي طالبها بالانسحاب، مؤكدًا سيطرته على المضيق، وبالفعل عادت هذه المدمرات أدراجها.
وقد أكّد خيري أن إيران تهدف من خلال هذه التحركات إلى فرض واقع ميداني يؤكد سيطرتها على المضيق، خاصة مع إعلانها المتكرر إغلاقه، رغم استمرار عبور بعض ناقلات النفط، ومنها شحنات عراقية وسعودية بملايين البراميل.
قد يهمّك أيضًا: حرب إيران تهدد 2.2 مليون وظيفة وتدفع 15 ألف شركة للإفلاس
أمريكا تحشد قدرات عسكرية متقدمة.. لماذا؟
أوضح أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل في حشد قدرات عسكرية متقدمة، حيث تم رصد نقل قنابل “كاسرة للأعماق” من طراز BLU-109 إلى قاعدة فيرفورد الجوية في بريطانيا، إلى جانب نشر قاذفات استراتيجية من طراز B-1B وB-52، وهي أسلحة قادرة على استهداف منشآت عسكرية وبنى تحتية عميقة داخل الأراضي الإيرانية، كما تم تسجيل تحركات مكثفة لطائرات الشحن العسكري من طراز C-17A، إلى جانب طائرات التزود بالوقود KC-135 وKC-46، في اتجاه الشرق الأوسط.
وأضاف أن التعزيزات لم تقتصر على ذلك، بل شملت أيضًا نقل معدات عسكرية إلى إسرائيل عبر طائرات شحن ضخمة، بالإضافة إلى انتشار طائرات التزود بالوقود في عدة قواعد إقليمية، منها الإمارات، ما يعكس استعدادًا لعمليات طويلة المدى، كما أشار إلى وصول طائرات حربية باكستانية إلى قواعد داخل السعودية، في مؤشر على تنسيق إقليمي أوسع في حال حدوث مواجهة.
وبيّن أن الولايات المتحدة تعمل أيضًا على تعزيز وجودها البحري، مع اقتراب وصول حاملات طائرات مثل “يو إس إس جورج بوش” و”يو إس إس بوكسر”، إلى جانب انتشار حاملات أخرى ومدمرات في المنطقة، بما في ذلك تحركات سريعة لحاملة الطائرات “جيرالد فورد”، وهو ما يعكس خطة انتشار واسعة لمواجهة إيران.
الحصار البحري على جزيرة خرج
أكد خيري أن أخطر خطوة اتخذتها واشنطن تمثلت في إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار بحري على إيران، بهدف منعها من تصدير النفط، خاصة من جزيرة خرج التي كانت تمثل شريانًا رئيسًا لصادراتها إلى دول مثل الصين، وأوضح أن هذا القرار سيؤدي إلى خنق الاقتصاد الإيراني، ويؤثر بشكل مباشر على الإيرادات الحكومية، والرواتب، والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية تهدف من خلال هذا الحصار إلى الضغط على إيران للقبول بكافة الشروط، حيث أكد ترامب أنه لا يقبل بحلول جزئية، بل يطالب بتنفيذ كامل الشروط، وعلى رأسها التخلي عن البرنامج النووي، كما لفت إلى أن واشنطن تراقب أيضًا طرق الدفع البديلة، مثل العملات المشفرة، لمنع أي التفاف على العقوبات.
وفيما يتعلق بالتداعيات الدولية، أوضح خيري أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، خاصة في آسيا، حيث تعتمد دول مثل الصين والهند واليابان على النفط القادم من الخليج، مشيرًا إلى أن البيانات الاقتصادية تظهر تراجعًا ملحوظًا في النمو نتيجة هذه الأزمة، كما أشار إلى أن أوروبا أيضًا تواجه ضغوطًا، في ظل تعثر الجهود البريطانية لإعادة فتح المضيق.
وأضاف أن حلف الناتو بدأ يتحرك بالتنسيق مع الولايات المتحدة، مع احتمالات تدخل أطراف دولية أخرى مثل الهند، لإعادة تأمين الملاحة في المضيق، مؤكدًا أن تحليق طائرات الإنذار المبكر التابعة للناتو قرب الحدود الإيرانية يعكس تصاعد مستوى الاستعداد العسكري.
سيناريوهات الرد الإيراني
أكد الدكتور خيري أن النظام الإيراني قد يلجأ إلى تصعيد خطير في حال اشتداد الحصار، مثل استهداف ناقلات النفط أو المنشآت النفطية في الخليج، بهدف رفع أسعار النفط عالميًا وإرباك الأسواق، كما حذر من إمكانية تحريك فصائل مسلحة في المنطقة لتنفيذ هجمات بالوكالة.
وأشار كذلك إلى أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة قد تؤدي إلى اضطرابات داخلية في إيران، مع تزايد احتمالات الاحتجاجات، خاصة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية، ما قد يضع النظام تحت ضغط مزدوج داخلي وخارجي.
واختتم خيري تصريحاته بالتأكيد أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة شديدة الخطورة، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، مشيرًا إلى أن أي فشل إضافي في المسار الدبلوماسي قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة عسكرية واسعة تستهدف العمق الإيراني بشكل مباشر، مع تداعيات إقليمية ودولية غير مسبوقة.
قد يهمّك أيضًا: خسائر الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل.. التأثيرات العسكرية والاقتصادية