انعكست التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط على الاقتصاد المغربي، مع تصاعد الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ما ألقى بظلاله على معدلات التضخم وتكاليف المعيشة، ورغم ذلك ترى الحكومة المغربية أن الاقتصاد استطاع الصمود في وجه هذه التوترات.
وفي هذا السياق، أكد عزيز أخنوش رئيس الحكومة المغربية أن الاقتصاد الوطني استطاع ترسيخ مسار متميز قائم على المرونة وروح المبادرة، رغم توالي الأزمات الدولية التي أثرت بشكل مباشر على سلاسل الإمداد والأسواق العالمية، وأوضح أن العالم يعيش اليوم حالة من التقلبات الحادة والتحولات السريعة التي لا تترك مجالاً للانتظار أو الاكتفاء بالشعارات، بل تفرض اعتماد مقاربة واقعية قائمة على الاستباق والتخطيط الاستراتيجي لمواجهة التحديات.
وأشار إلى أنّ صمود الاقتصاد المغربي لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية يقودها الملك محمد السادس، جعلت من تحقيق السيادة الاقتصادية خياراً محورياً، وقد مكنت هذه الرؤية المغرب من إعادة تموقعه كفاعل اقتصادي مؤثر على الساحة الدولية، يمتلك القدرة على المبادرة والتكيف مع المتغيرات، بدلًا من الاكتفاء برد الفعل، كما أكد أن قوة هذا النموذج تكمن في تحويل البرامج والسياسات إلى منجزات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وهو ما يعكس فعالية الاختيارات الاقتصادية المعتمدة.
وأضاف رئيس الحكومة أن نجاح المغرب في تدبير الأزمات يعكس متانة مؤسساته وصلابة اختياراته الهيكلية، خاصة في وقت شهدت فيه اقتصادات كبرى اضطرابات ملحوظة، كما شدد على أن مواصلة البناء في ظل هذه الظروف تطلب شجاعة سياسية كبيرة لضمان الاستقرار وتعزيز القدرة على التكيف مع أصعب الظروف الدولية، في إطار سعي المملكة إلى تعزيز تنافسيتها وجذب الاستثمارات، حيث أصبح “الاستثناء المغربي” نموذجاً في الصمود وسط بيئة عالمية مضطربة.
تأثير الحرب على الاقتصاد المغربي
في المقابل، بدأت تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة مع استمرار الحرب بين إيران والولايات المتحدة، تظهر بشكل واضح على الاقتصاد المغربي، خصوصا عبر قناة أسعار الطاقة، فقد أعدت ميزانية 2026 على فرضية أن متوسط سعر النفط يبلغ 65 دولاراً للبرميل، بينما تدور الأسعار حالياً قرب 100 دولار، ما يخلق فجوة كبيرة بين التقديرات والواقع ويزيد من الضغوط على المالية العمومية.
وأكد الدكتور محمد الشوربجي الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع أسعار النفط أدى بشكل مباشر إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما ينعكس سريعاً على أسعار السلع والخدمات ويرفع معدلات التضخم، وقد أظهرت التجارب السابقة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية، أن هذه الصدمات تؤدي إلى موجات غلاء قوية، حيث تجاوز التضخم في المغرب حينها 10%، وفي السياق الحالي، ارتفعت أسعار الوقود بالفعل، إذ زاد سعر الديزل بنحو 18% والبنزين 12%، مع ارتفاع إجمالي يقترب من 30% منذ بداية الأزمة، نتيجة ارتباط الأسعار بالسوق الدولية بعد تحريرها.
وأضاف الخبير، يمثل التضخم القناة الأساسية لانتقال الصدمة إلى الاقتصاد المغربي، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج إلى تقليص القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر على مستويات الاستهلاك والنمو، كما أن المغرب، الذي يستورد أكثر من 95% من احتياجاته من الطاقة، يظل شديد الحساسية لما يعرف بـ”التضخم المستورد”، إذ تنتقل زيادات الأسعار العالمية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، ما يضغط على الاستقرار المعيشي للمواطنين.
ولا يقتصر التأثير على ارتفاع الأسعار، بل يمتد إلى اضطرابات سلاسل التوريد العالمية، خاصة مع تهديد ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب، وفي حال تفاقم الأزمة أو إغلاق هذه الممرات، قد يواجه العالم سيناريو شبيها بأزمات السبعينيات، حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع نقص الإمدادات، وهو ما قد يضع الاقتصاد المغربي أمام ضغوط مزدوجة تتمثل في الغلاء ونقص السلع.
قد يهمّك أيضًا: رفع أسعار الوقود في مصر.. الأسباب والتداعيات الاقتصادية
كيف تأثرت أسعار السلع؟
كما أدت الاضطرابات في البحر الأحمر وقناة السويس إلى تغيير مسارات الشحن نحو رأس الرجاء الصالح، ما تسبب في إطالة مدة النقل بنحو 10 أيام ورفع تكاليف التأمين والشحن، ومن شأن هذه التطورات أن تنعكس بشكل مباشر على أسعار السلع المستوردة، خاصة المواد الأساسية، نتيجة ارتفاع كلفة النقل والتأمين.
وعلى مستوى قطاع الطاقة، أوضح الخبير، أن المغرب يواجه ضغوطاً إضافية، حيث ارتفع سعر خام برنت بنحو 25 دولاراً ليصل إلى حوالي 98 دولاراً للبرميل، كما ارتفعت أسعار الغاز عالمياً بنحو 40%، ويعتمد المغرب على الغاز لتغطية نحو 10% من احتياجاته الكهربائية، ما يعني أن هذه الزيادات ستؤثر بشكل مباشر على تكلفة إنتاج الكهرباء، وتزيد من الأعباء المالية على الدولة والمستهلكين.
تفاقم عجز الميزان التجاري
أما على صعيد التوازنات الخارجية، فمن المتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تفاقم عجز الميزان التجاري، الذي تجاوز بالفعل 38 مليار دولار، مع وصول واردات الطاقة إلى أكثر من 11 مليار دولار،كما قد تتأثر صادرات الفوسفات، أحد أهم مصادر العملة الصعبة، نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد ونقص المواد الأساسية مثل الكبريت والأمونيا، التي تستخدم في إنتاج الأسمدة.
وعلى مستوى المالية العمومية، تواجه الحكومة تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة الدعم، حيث تستمر في دعم غاز البوتان والكهرباء والنقل، بتكلفة تقدر بنحو 170 مليون دولار شهرياً، إضافة إلى أكثر من 1.7 مليار دولار سنويا لدعم المواد الأساسية،وتشير التقديرات إلى أن استمرار أسعار النفط فوق 100 دولار قد يؤدي إلى زيادة عجز الميزانية وارتفاع التضخم إلى ما بين 3% و4%، مع تقليص النمو الاقتصادي.
قد يهمّك أيضًا: بين الحصار البحري وإغلاق هرمز.. المنطقة على فوهة بركان
الركود التضخمي يحاصر الاقتصاد المغربي
وحذر الخبير من احتمال دخول الاقتصاد المغربي في سيناريو “الركود التضخمي”، حيث يتزامن ارتفاع الأسعار مع تباطؤ النمو، ما يشكل تحدياً كبيراً للسياسات الاقتصادية ويحد من قدرة الحكومة على تحقيق أهدافها التنموية، كما أن استمرار التوترات قد يؤثر أيضاً على الاقتصاد الأوروبي، الشريك التجاري الرئيسي للمغرب، ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب على الصادرات المغربية.
ورغم هذه التحديات، لا تخلو الصورة من بعض الفرص، إذ قد تعزز اضطرابات سلاسل الإمداد جاذبية المغرب كمركز صناعي قريب من أوروبا وأمريكا، في ظل توجه الشركات العالمية نحو تقليص المخاطر اللوجستية،كما قد يستفيد القطاع السياحي من تحول التدفقات السياحية نحو وجهات أكثر استقراراً، خاصة بعد أن استقبل المغرب نحو 20 مليون سائح، ما يعزز مكانته كوجهة سياحية رائدة في أفريقيا.
واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أنه تبقى خيارات التمويل الخارجي مطروحة، حيث أشار محافظ بنك المغرب إلى إمكانية اللجوء إلى خط ائتمان مرن من صندوق النقد الدولي بقيمة 4.5 مليار دولار في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.
اقرأ أيضًا: خطاب العرش 2025.. حراك ملكي لتعميم التنمية في المغرب