إلغاء عقوبات أوفاك… استثمارات كبرى على أعتاب دمشق

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية رسميًا إلغاء عقوبات أوفاك وإنهاء برنامج العقوبات المفروضة على سوريا، بعد أكثر من عقد من القيود المالية والتجارية التي كبّلت حركة الاقتصاد السوري وأثرت بشكل مباشر على حياة الملايين من المواطنين.

وقد ظهر هذا القرار بشكل واضح مع إزالة اسم سوريا من قائمة العقوبات بموقع الخزانة الأمريكية، بحيث لم يعد هناك “برنامج عقوبات سوري” رسمي تحت إشراف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية المعروف اختصارًا بـ OFAC.

هذه الخطوة وُصفت بالتاريخية، ليس فقط لرمزيتها السياسية، بل لما تحمله من انعكاسات اقتصادية واسعة النطاق على حاضر سوريا ومستقبلها. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خلال زيارته للرياض في مايو  2025 ولقائه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أعلن عن قراره رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في خطوة اعتبرها بمثابة فتح صفحة جديدة تهدف إلى التعاون وتحقيق الاستقرار.

وفي 30 يونيو من العام الجاري، أصدر ترمب أمرًا تنفيذيًا يقضي برفع هذه العقوبات رسميًا، على أن يدخل حيّز التنفيذ في الأول من يوليو، ورغم ذلك بقيت العقوبات مدرجة على الموقع الرسمي للخزانة حتى مساء الأحد 24 أغسطس، قبل أن يتم رفعها نهائيًا يوم الاثنين 25 أغسطس 2025.

ماذا يعني إلغاء عقوبات أوفاك لسوريا؟

من الناحية العملية، هذا القرار يعني أنَّ التعاملات المالية والتجارية مع الحكومة السورية ومؤسساتها لم تعد محظورة تلقائيًا، وأنّ الشركات الأمريكية أصبحت قادرة قانونيًا على الاستثمار في سوريا، والمشاركة في أنشطة الاستيراد والتصدير، وتوقيع عقود مع الكيانات العامة والخاصة.

ومن أبرز النتائج المباشرة:

  • إزالة أكثر من 500 فرد وكيان من قوائم العقوبات (SDN)، بما في ذلك مصرف سوريا المركزي.
  • إعادة فتح الباب أمام التحويلات المالية بالدولار من وإلى سوريا.
  • تمكين البنوك السورية من الوصول مجددًا إلى نظام المدفوعات العالمي «سويفت».
  • تعزيز إمكانية إعادة بناء العلاقات مع البنوك والشركات الغربية، بعد سنوات من العزلة.

ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن بعض القيود لا تزال قائمة، مثل القوانين الأمريكية الخاصة بمكافحة الإرهاب، والقيود المفروضة على الصادرات العسكرية، و”قانون قيصر” الذي جرى تعليقه مؤقتًا لكنه لم يُلغَ بشكل كامل.

اقرأ أيضًا: خطة شاملة لإعادة بناء النظام المصرفي السوري

العودة إلى سويفت

كانت عودة مصرف سوريا المركزي للظهور ضمن نظام “سويفت” للتحويلات المالية الدولية من بين أبرز التطورات، فقد تم تنفيذ أول عملية تحويل عبر النظام في 19 يونيو 2025 عبر بنك بيمو، في خطوة تعتبر إحياء تدريجي للقطاع المصرفي السوري وإعادة دمجه في النظام المالي العالمي.

هذه العودة تعني أن البنوك السورية لم تعد مضطرة للاعتماد على وسطاء إقليميين لإتمام التحويلات، وهو ما سيساعد على تقليل التكاليف والمخاطر المرتبطة بالتحويلات غير المباشرة، فضلًا عن تسهيل التجارة الخارجية.

اقرأ المزيد حول عودة سوريا إلى نظام سويفت

سوريا تعود إلى الاقتصاد العالمي

إلى جانب الولايات المتحدة، أعلن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في يونيو 2025 عن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، بما في ذلك القيود على التحويلات وتجميد الأصول، كما لحقت كندا واليابان بالقرار، في خطوة وُصفت بأنها جزء من إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي.

وفي تعليق على هذا التحول، قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إنَّ رفع اسم سوريا من قوائم العقوبات الأمريكية يمثل تحولًا استراتيجيًا ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد السوري، وعلى فرص الاستثمار الإقليمي والدولي في البلاد.

وأضاف: “رفع العقوبات ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو بداية انفتاح اقتصادي جديد سينعكس سريعًا على حركة رؤوس الأموال والمشروعات المنتظرة، خاصة في قطاعات البنية التحتية والإعمار والطاقة”.

وأوضح عبد الهادي، أن إلغاء عقوبات أوفاك يتيح للشركات الأمريكية والدولية الدخول بشكل قانوني إلى السوق السورية، ويمنح المستثمرين والمغتربين السوريين والعرب المقيمين في الولايات المتحدة فرصة ثمينة للعودة إلى بلادهم وضخ استثمارات ضخمة كانت مؤجلة منذ سنوات.

فرص الاستثمار: خصخصة وانفتاح اقتصادي

“القيادة السورية الجديدة تضع تصورات لإدارة الاقتصاد بالاعتماد على الخصخصة والانفتاح على اقتصاد السوق، بعيدًا عن النموذج الاشتراكي الذي قيد الاقتصاد السوري لعقود طويلة، وهذا التوجه من شأنه أن يخلق بيئة تنافسية، ويجذب رؤوس الأموال، ويعيد تنشيط القطاعات الإنتاجية”، بحسب عبد الهادي.

كما أكَّد الخبير أن هذه التحولات الاقتصادية يمكن أن تمثل انطلاقة جديدة لمشاريع إعادة الإعمار التي طال انتظارها، بما يشمل تطوير البنية التحتية، وإعادة بناء قطاع الإسكان، وتشغيل المصانع المتوقفة، وقال: “هذه المشروعات لن تعيد الحياة الاقتصادية فحسب، بل ستوفر مئات الآلاف من فرص العمل للشباب السوري”.

وأشار عبد الهادي إلى أن المستثمرين السوريين والعرب في الخارج كانوا ينتظرون هذا القرار بفارغ الصبر، مضيفًا: “نتائج رفع العقوبات ستظهر قريبًا من خلال مشاريع كبرى يتم إطلاقها فورًا، وهو ما سينعكس على معدلات النمو ويعيد الثقة في الاقتصاد السوري”.

كما لفت إلى أن عودة سوريا إلى سويفت ستسهم في استقرار سعر صرف الليرة السورية على المدى المتوسط، عبر زيادة الاحتياطي النقدي ورفع القدرة على تمويل الواردات، وأوضح أن هذا الانفتاح سيعزز ثقة الأسواق العالمية في التعامل مع سوريا مجددًا.

أبعاد إقليمية: سوريا كلاعب اقتصادي محوري

يرى عبد الهادي أنَّ هذا القرار لا ينعكس فقط على الداخل السوري، بل يحمل انعكاسات إقليمية مهمة، إذ يتيح لسوريا لعب دور اقتصادي فاعل في محيطها، وأوضح: “مع الانفتاح الجديد يمكن لسوريا أن تصبح شريكًا اقتصاديًا مهمًا لدول الجوار مثل الأردن والعراق ولبنان وتركيا، خاصة في مجالات التجارة والنقل والطاقة”. وأشار إلى أن التقارب السياسي والاقتصادي مع هذه الدول يمكن أن يفتح الباب أمام شراكات استراتيجية، تؤدي إلى خلق مشاريع إقليمية كبرى تعزز من موقع سوريا كمحور اقتصادي في المنطقة.

في المقابل، شدد عبد الهادي على أن الفرصة الاقتصادية أمام سوريا مشروطة بإدارة رشيدة، قائلاً: “إذا أحسنت الدولة استثمار هذا الانفتاح، ونجحت في خلق بيئة اقتصادية شفافة وجاذبة، فإن الاقتصاد السوري سيشهد تحولات جذرية قد تعيده إلى مكانته كلاعب إقليمي مهم”.

لكنه حذر من أن بقاء بعض القيود الأمريكية مثل قوانين مكافحة الإرهاب أو التجميد المؤقت لـ”قانون قيصر” قد يشكل عائقا أمام انسيابية الاستثمارات، ما يتطلب من دمشق مواصلة العمل على بناء الثقة الدولية عبر سياسات واضحة وشفافة.

إقرأ أيضاً : السوريون في ألمانيا.. كيف أصبحوا قوة محركة لسوق العمل والاقتصاد؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة