لم تكن الاقتصادات الإفريقية بمنأى عن تداعيات التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، إذ سرعان ما انعكست هذه الاضطرابات على أسواق الطاقة والتجارة في القارة، نظرًا لاعتمادها الكبير على المضيق لتأمين احتياجاتها الأساسية.
في هذا الخصوص، أكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن تأثير أي اضطرابات أو حصار محتمل في مضيق هرمز لا يقتصر على دول الشرق الأوسط، بل يمتد بشكل مباشر وعميق إلى الاقتصادات الإفريقية، موضحًا أن المضيق يعتبر أحد أهم الشرايين الرئيسة للتجارة العالمية، خاصة في ما يتعلق بنقل النفط والغاز.
وأشار الخبير إلى أن غالبية الدول الأفريقية تعتمد على استيراد المنتجات البترولية، وأن جزءًا كبيرًا من هذه الإمدادات يمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي خلل في الملاحة به ينعكس فورًا على تكاليف الطاقة داخل هذه الدول.
الدول الإفريقية المستفيدة والمتضررة من أزمة هرمز
بيّن عبد الهادي أنّ مصر تمثل نموذجًا واضحًا لهذه التأثيرات، حيث تعتمد في جزء من وارداتها على شحنات طاقة قادمة من دول الخليج، مثل الكويت، والتي تمر عبر مضيق هرمز، وأوضح أنه مع تصاعد التوترات قد تضطر القاهرة إلى تعديل مسارات الإمداد أو البحث عن بدائل، مثل الاستيراد من دول أخرى كليبيا، وهو ما يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين، ومن ثم ارتفاع فاتورة الطاقة.
وأشار إلى أن هذا النمط لا يقتصر على مصر فقط، بل يمتد إلى دول أخرى مثل المغرب، التي اضطرت بدورها إلى تنويع مصادر استيراد الطاقة، وهو ما يرتبط غالبًا بزيادة التكاليف وانعكاسها على الاقتصاد المحلي من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والنقل.
وفي المقابل، أوضح الدكتور محمد عبد الهادي أن بعض الدول الأفريقية قد تستفيد نسبيًا من هذه الأزمة، وعلى رأسها الدول المصدرة للطاقة مثل الجزائر ونيجيريا، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا إلى زيادة عائداتها من الصادرات، خاصة إلى الأسواق الأوروبية، لكنّه شدد على أن هذه الاستفادة تظل محدودة وغير مستقرة، مستشهدًا بحالة نيجيريا التي، رغم كونها دولة مصدرة للنفط، شهدت ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الوقود داخليًا وصل إلى نحو 65%، ما أثر بشكل مباشر على تكاليف النقل والطاقة داخل الاقتصاد المحلي.
وأرجع الخبير ذلك إلى مشكلات هيكلية، أبرزها ضعف البنية التحتية واحتياجاتها الكبيرة للاستثمارات، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية إلى زيادة تكلفة تطوير هذه البنية، ما يضع ضغوطًا إضافية على الاقتصادات المحلية حتى في الدول المنتجة.
اقرأ أيضًا: إيران تفرض رسوم عبور في مضيق هرمز.. ماذا يعني ذلك لأسعار النفط؟
تداعيات تمتد إلى التضخم والأمن الغذائي العالمي
من جانبه، أكد الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، أن أي اضطراب أو إغلاق في مضيق هرمز ينعكس بشكل مباشر وسلبي على اقتصادات دول أفريقيا، خاصة تلك التي تعتمد على استيراد الطاقة، وأوضح أن أبرز التداعيات تتمثل في ارتفاع أسعار الوقود والطاقة عمومًا، وهو ما يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع الأساسية، الأمر الذي يغذي معدلات التضخم داخل القارة.
وأشار إلى أن الأزمة تمتد إلى الأمن الغذائي؛ حيث يؤدي اضطراب سلاسل الإمداد إلى تأثر واردات الأسمدة، خاصةً أن نسبة كبيرة من تجارة اليوريا العالمية تمر عبر مضيق هرمز، وهذا الوضع يضغط على الإنتاج الزراعي في دول مثل كينيا وتنزانيا وموزمبيق، ما يهدد بتراجع المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء.
كما أوضح أن الدول الأفريقية تواجه ضغوطًا مزدوجة، تتمثل في ارتفاع تكلفة استيراد الوقود من جهة، وتراجع قيمة عملاتها أمام الدولار من جهة أخرى، ما يزيد من أعباء خدمة الديون الخارجية ويضع ضغوطًا إضافية على الموازنات العامة.
وأضاف أن الدول المصدرة للنفط مثل الجزائر ونيجيريا وأنغولا قد تحقق مكاسب مؤقتة نتيجة ارتفاع الأسعار، إلا أن هذه المكاسب قد تتآكل في حال تباطؤ الاقتصاد العالمي وتراجع الطلب على الطاقة.
هل تحل الممرات البديلة الأزمة؟
في سياق متصل، أشار الدكتور ياسر حسين إلى أن التوترات الحالية قد تدفع إلى إعادة تشكيل مسارات الإمداد والتجارة العالمية، مع تزايد الاعتماد على ممرات بديلة، خاصة عبر موانئ مصر والسعودية، في محاولة لضمان استمرارية تدفقات التجارة وتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات التقليدية.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط، الذي قد يصل في بعض السيناريوهات إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، يؤدي إلى زيادة تكاليف الكهرباء والنقل، ما يفاقم معدلات التضخم، خاصة في الدول التي تعاني من ضعف عملاتها مثل نيجيريا وكينيا وإثيوبيا، وهو ما ينعكس في تراجع القدرة الشرائية للأسر وارتفاع معدلات الفقر، وربما زيادة احتمالات الاضطرابات الاجتماعية.
اقرأ أيضًا: كيف عززت أزمة هرمز صعود النقل البري في الخليج؟
تأثير الأزمة على قطاع الأسمدة
فصّل حسين في تأثير الأزمة على قطاع الأسمدة الذي يمثل أحد أخطر التحديات، على حد تعبيره، حيث تعتمد العديد من الدول الأفريقية على واردات الأسمدة من دول الخليج بنسبة تتراوح بين 30% و40% من احتياجاتها، وقد أدى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى زيادة تكاليف إنتاج الأسمدة بنسبة تتجاوز 30% إلى 40% خلال فترة قصيرة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للإنتاج الزراعي، ويضع نحو 1.4 مليار شخص في أفريقيا تحت ضغوط غذائية متزايدة نتيجة تراجع المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الدول الهشة، مثل السودان والصومال، تعتبر الأكثر عرضة لهذه التداعيات، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الوقود والأسمدة، إلى جانب ضعف مخزونها الاستراتيجي، موضحًا أنه في حالة السودان أدى تعطل الإمدادات إلى ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية وتأخر وصولها، ما يهدد بانخفاض الإنتاج الزراعي في المواسم المقبلة، ويزيد من مخاطر تفاقم الأزمات الإنسانية.
وفي ختام تصريحاته، شدّد حسين على أنّ أزمة مضيق هرمز تكشف بوضوح عن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية واعتماد العديد من الدول الأفريقية على مسارات تقليدية لتأمين الطاقة والغذاء، متفقًا في ذلك مع عبد الهادي الذي أكّد ضرورة التحرك السريع نحو تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية، إلى جانب التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، باعتبارها خيارًا استراتيجيًا يقلل من التعرض للصدمات الخارجية، ويعزز من قدرة الاقتصادات على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية.
قد يهمّك أيضًا: كيف أعادت حرب إيران تقسيم اقتصاد العالم؟