ثبت بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الثالثة على التوالي، عند نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75%، في خطوة جاءت متوافقة مع توقعات الأسواق، وسط حالة من الترقب بشأن تأثيرات الحرب في إيران على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي. ويعكس القرار حالة من الحذر في السياسة النقدية، في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي العالمي.
وصوّتت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة على تثبيت الفائدة رغم انقسام لافت داخلها، حيث عارض أربعة أعضاء القرار، في أكبر نسبة اعتراض منذ عام 1992، ما يعكس تباينًا واضحًا في الرؤى بشأن المسار الأنسب للسياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
ويشير هذا الانقسام إلى تزايد القلق من الضغوط التضخمية المحتملة نتيجة التوترات الجيوسياسية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة، مقابل مخاوف من تباطؤ النمو. ويؤكد القرار أن الفيدرالي يفضل التريث ومراقبة التطورات قبل اتخاذ أي خطوات جديدة، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين.
وفي تعليقه على القرار، أكد محمد عبد الرحيم، الخبير الاقتصادي، أن قرار تثبيت أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يعد من أهم القرارات الاقتصادية خلال العام، نظرًا لما يعكسه من تأثيرات مباشرة للحرب الجارية على توجهات السياسة النقدية في الولايات المتحدة، والتي تمتد تداعياتها بطبيعة الحال إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
وأوضح عبد الرحيم: أن هذا القرار لا يجب النظر إليه باعتباره مجرد تثبيت تقليدي، بل ينبغي تحليله في سياق الرؤية المستقبلية للفيدرالي الأمريكي، وما إذا كان هذا التثبيت يمهد لتشديد نقدي قادم أو يعكس توجهًا نحو التريث في مواجهة الضغوط التضخمية.
دور التوترات الجيوسياسية في قرار الفيدرالي
وأشار إلى أن التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب والتصعيد العسكري في المنطقة، خاصة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، لعبت دورًا كبيرًا في تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي، حيث أسفرت عن مجموعة من التأثيرات السلبية، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم عالميًا، وزيادة تكاليف الشحن، واضطراب سلاسل الإمداد، إلى جانب القفزات الكبيرة في أسعار الطاقة والنفط.
وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى موجة تضخمية واضحة بدأت ملامحها في الظهور عبر مختلف اقتصادات العالم، وهو ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة، إذ إن القاعدة الاقتصادية الكلاسيكية تشير إلى أن ارتفاع التضخم يستدعي رفع أسعار الفائدة للحد من الضغوط السعرية.
وأكد عبد الرحيم أن أي اتجاه من قبل الفيدرالي الأمريكي نحو رفع الفائدة يتم تمريره بشكل أو بآخر إلى باقي البنوك المركزية حول العالم، نظرًا لمركزية الدولار في النظام المالي العالمي، وهو ما يجعل قرارات الفيدرالي ذات تأثير واسع النطاق.
وفيما يتعلق بسوق الذهب، أوضح أن العلاقة التقليدية بين أسعار الفائدة والذهب ما زالت قائمة، حيث يؤدي ارتفاع الفائدة عادة إلى انخفاض أسعار الذهب، نتيجة زيادة تكلفة الفرصة البديلة، بينما يؤدي خفض الفائدة إلى دعم أسعار الذهب. ولفت إلى أن قرار التثبيت قد يمنح الذهب نوعًا من الاستقرار النسبي، خاصة في ظل حالة عدم اليقين الحالية.
تأثير قرار الفيدرالي على الأموال الساخنة
وأضاف أن تثبيت أسعار الفائدة قد يحمل قدرًا من الإيجابية، حتى وإن كان محدودًا، حيث يسهم في تقليل الضغوط على الدولار الأمريكي، ويمنع ارتفاعه بشكل كبير، وهو ما قد ينعكس بدوره على تدفقات رؤوس الأموال عالميًا، خاصة في الأسواق الناشئة.
وأشار إلى أن هذا الوضع قد يخفف من حدة خروج الأموال الساخنة من تلك الأسواق، بل قد يدعم بقاءها مؤقتًا، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم التعويل على هذه النوعية من التدفقات.
وأكد عبد الرحيم أن الأموال الساخنة لا تمثل استثمارات حقيقية، بل هي أدوات مالية قصيرة الأجل تهدف إلى تحقيق أرباح سريعة من فروق أسعار الفائدة أو تحركات الأسواق، وبالتالي فهي شديدة التقلب وسريعة الخروج عند أول إشارة للمخاطر.
وأوضح أن الاعتماد على هذه الأموال في تمويل التنمية الاقتصادية يُعد خطأً استراتيجيًا، لأنها لا تسهم في بناء اقتصاد حقيقي أو خلق فرص عمل مستدامة، بل تعمل فقط كمسكنات مؤقتة قد تخفف الضغوط لفترة قصيرة دون معالجة جذور المشكلات الاقتصادية.
وشدد على أن الأولوية يجب أن تكون لجذب الاستثمارات المباشرة طويلة الأجل، التي تسهم في دعم الإنتاج وزيادة الصادرات وتعزيز النمو الاقتصادي الحقيقي، بدلاً من الاعتماد على تدفقات مالية غير مستقرة.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب قراءة دقيقة للمشهد العالمي، خاصة في ظل تداخل العوامل السياسية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن قرارات السياسة النقدية لن تكون بمعزل عن تطورات الصراع الجيوسياسي، وهو ما يفرض حالة من الحذر والترقب في الأسواق خلال الفترة المقبلة.
تصاعد الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة
ومن جهتها أكدت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن قرار تثبيت أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جاء متوقعًا إلى حد كبير في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، موضحة أن هذا القرار يعكس حالة من الترقب والحذر في إدارة السياسة النقدية، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بمعدلات التضخم والتوترات الجيوسياسية.
وأوضحت أن تثبيت أسعار الفائدة له تأثيرات متباينة على مختلف أدوات الاستثمار، مشيرة إلى أن تأثيره على الدولار الأمريكي يعد محايدًا إلى حد كبير، حيث لا يدفع العملة الأمريكية إلى ارتفاع قوي أو تراجع حاد، بل يساهم في نوع من الاستقرار النسبي، وهو ما ينعكس بدوره على تراجع جاذبية الاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية مقارنة بالفترات التي تشهد رفعًا للفائدة.
تأثير قرار الفيدرالي على أسعار الذهب
وفيما يتعلق بأسواق الذهب، أشارت إلى أن تحركاته أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالتطورات الجيوسياسية، لا سيما ما يتعلق باحتمالات التصعيد أو التهدئة في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدة أنه في حال استمرار التصعيد العسكري، فإن المستثمرين سيتجهون إلى الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الذهب، مما يدفع أسعاره إلى الارتفاع.
وأضافت أن أسعار النفط تشهد حاليًا ارتفاعات ملحوظة نتيجة المخاوف المرتبطة بنقص الإمدادات واضطراب سلاسل التوريد، لافتة إلى أن الأسعار قد تصل إلى مستويات تقارب 116 دولارًا للبرميل، وهو ما يعكس حجم التوترات في الأسواق العالمية.
وأشارت إلى أن العلاقة بين النفط والذهب عادة ما تكون عكسية، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يعكس وجود توترات جيوسياسية تؤدي بدورها إلى تراجع في أسواق المال، مقابل صعود في الذهب كملاذ آمن.
وأوضحت أن أسعار الذهب شهدت في الفترة الماضية بعض التراجعات نتيجة اتجاه عدد من البنوك المركزية، خاصة في دول مثل فرنسا وتركيا، إلى بيع جزء من احتياطياتها من الذهب لدعم عملاتها المحلية، إلا أنها أكدت أن المعدن الأصفر مرشح للعودة إلى الارتفاع مجددًا مع تصاعد التوترات العالمية.
وأكدت أن توجهات المستثمرين تلعب دورًا محوريًا في تحديد حركة الأسواق، حيث تتجه السيولة نحو الأدوات الأكثر أمانًا أو الأكثر تحقيقًا للعائد وفقًا للظروف الاقتصادية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع أو انخفاض الأصول المختلفة.
وفيما يتعلق بأسواق المال، أوضحت أن الأسواق العالمية تتأثر حاليًا بعدة عوامل رئيسية، من بينها نتائج أعمال الشركات، والاهتمام المتزايد بالاستثمار في مجالات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يدعم صعود بعض البورصات العالمية ويعزز من أداء مؤشراتها.
تأثير تثبيت أسعار الفائدة الأمريكية على أداء الأسواق
وأشارت إلى أن هناك تباينًا واضحًا بين أداء الأسواق الأمريكية ونظيراتها في أوروبا والدول العربية، حيث ترتبط الأسواق الأمريكية بشكل وثيق بقرارات الفائدة، مؤكدة أن تثبيت الفائدة من جانب الفيدرالي يدعم استمرار النمو في أسواق المال الأمريكية ويعزز من ارتفاع مؤشراتها.
وفي سياق متصل، أكدت أن أي ضغوط سياسية، بما في ذلك ما يثار حول تدخلات محتملة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قرارات الفيدرالي، لن تكون كافية لتغيير مسار السياسة النقدية، مشددة على أن اتخاذ قرار بخفض الفائدة يظل مرهونًا باستقرار الأوضاع الاقتصادية، وعلى رأسها السيطرة على معدلات التضخم التي تأثرت بارتفاع أسعار النفط عالميًا.
وأضافت أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى استخدام جزء من احتياطياتها الاستراتيجية من النفط للمساهمة في تهدئة الأسعار، بالتزامن مع متغيرات أخرى في سوق الطاقة، مثل خروج بعض الدول من تحالفات إنتاجية، وهو ما قد يسهم في إعادة التوازن للأسواق، إلا أن هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت لتحقيق نتائج ملموسة.
واختتمت حنان رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتسم بدرجة عالية من التقلبات وعدم اليقين، ما يتطلب من المستثمرين متابعة دقيقة للتطورات الاقتصادية والسياسية، واتخاذ قرارات استثمارية مرنة تتماشى مع المتغيرات المتسارعة في الأسواق العالمية.
اقرأ أيضًا: أبعاد انسحاب الإمارات من أوبك وتأثيره على أسعار النفط