تحولات في صادرات الغاز الروسي: نهاية اتفاقية العبور عبر أوكرانيا
في خطوة مفصلية في مسار العلاقات الروسية الأوروبية، أعلنت شركة “غازبروم” عن توقف صادرات الغاز الروسية إلى أوروبا عبر أوكرانيا، بعد انقضاء مدة اتفاقية العبور بين الجانبين، ويأتي هذا القرار في وقت يشهد فيه العالم تحوُّلات كبيرة في أسواق الطاقة، خاصةً مع استمرار تداعيات الحرب في أوكرانيا.
ومع التحديات الاقتصادية والسياسية التي يفرضها هذا التوقف على الأطراف المعنية، وهي روسيا وأوكرانيا والدول الأوروبية، يبقى السؤال الأهم حول كيفية تأثير هذا التحول على اقتصادات القارة العجوز وعلى موسكو نفسها، بالإضافة إلى مدى قدرة الأطراف المختلفة على التكيف مع هذا الواقع الجديد.
نهاية اتفاقية العبور: ماذا يعني توقف الغاز الروسي؟
وفقاً للإعلان، توقف تصدير الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية اعتباراً من الأول من يناير، وهو ما كان متوقعاً بعد انتهاء الاتفاقية التي استمرت لمدة خمس سنوات، والتي كانت تسهم في تدفق الغاز عبر خط الأنابيب الذي يعود تاريخه إلى الحقبة السوفيتية، والذي كان يمر عبر أوكرانيا إلى أوروبا، حيث استمرت تدفقات الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا بموجب الاتفاقية السابقة حتى نهاية العام الماضي.
كان الاتحاد الأوروبي قد قلَّص بشكل كبير اعتماده على الغاز الروسي منذ بداية الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022، حيث سعى إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة، وقد تعاونت بعض الدول الأوروبية مثل سلوفاكيا والنمسا لترتيب إمدادات بديلة؛ حيث يعتبر خط الأنابيب الذي يمر من سيبيريا عبر أوكرانيا إلى سلوفاكيا، ثم ينقسم إلى فروع إلى جمهورية التشيك والنمسا، من أبرز وسائل نقل الغاز الروسي إلى القارة الأوروبية.
اقرأ أيضًا: توقف الغاز الروسي صدمة جديدة لاقتصاد أوروبا
تأثير التوقف على أوكرانيا والاتحاد الأوروبي
تشير التوقعات إلى أنَّ هذا التحول في إمدادات الغاز لن يكون له تأثير كبير، حيث تُمثل هذه الإمدادات أقل من 5% من احتياجات أوروبا، فقد مرَّ أكثر من 14.65 مليار متر مكعب من الغاز عبر هذا الخط في العام 2023.
أما بالنسبة لأوكرانيا، فستخسر العوائد التي كانت تحصل عليها من رسوم مرور الغاز الروسي عبر أراضيها، علمًا أنّها كانت تصل إلى حوالي 700-800 مليون دولار سنوياً. ورغم اعتماد بعض الدول الأوروبية جزئيًا على هذا الغاز، فإن تأثير التوقف سيكون محدودًا، حيث شكّلت الإمدادات عبر هذا الخط 4.5% فقط من احتياجات الاتحاد الأوروبي في العام الماضي، مقارنة بـ156 مليار متر مكعب سنويًا قبل الحرب الأوكرانية، مما يعكس انخفاضًا كبيرًا في الاعتماد على الغاز الروسي.
لكن لا يُمكن القول إنّ الجانب الأوروبي لن يخسر من هذا التوقف، فقد كانت بعض الدول الأوروبية تعتمد بشكل جزئي على الغاز الروسي الذي كان يتم نقله عبر أوكرانيا، ومع انخفاض الإمدادات ستتجه هذه الدول للبحث عن مصادر بديلة، وهو ما يضيف عبئاً جديداً على اقتصاداتها.
ردود الفعل الروسية: بين الخسائر الاقتصادية والسياسية
من الناحية الروسية، يُعتبر هذا التحول في الإمدادات خطوة مؤلمة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية، حيث ستخسر روسيا إيرادات مبيعات الغاز التي كانت تبيعها إلى أوروبا، كما ستتوقف الحقول والمعدات التي كانت يتم استخدامها لاستخراج الغاز عن العمل، الأمر الذي قد يتسبب في تلف هذه المعدات بمرور الوقت إذا لم تُستخدم. أما من الناحية السياسية، فإنَّ هذا التوقف يزيد من العزلة الأوروبية لروسيا، حيث كانت هذه الإمدادات تُمثل إحدى الروابط الأخيرة بين روسيا وأوروبا.
كانت روسيا تأمل حتى اللحظة الأخيرة في تمديد الاتفاقية مع أوكرانيا، وسعت للضغط على الجانب الأوروبي من أجل السماح بتمديد الاتفاقية، لكن يبدو أنَّ هذه الآمال تلاشت، خصوصاً بعد تصريح “غازبروم” بأنَّ خسائرها قد تصل إلى 7 مليارات دولار.
اقرأ أيضًا: بوتين يشعل أسعار الغاز في أوروبا
علاقة السياسة بأسواق الطاقة
من جانبه يقول ياسين أحمد خبير أسواق النفط، مع الإعلان عن توقف صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا، تدخل العلاقات الروسية الأوروبية مرحلة جديدة من التوتر الاقتصادي والسياسي؛ إذ إنّ هذا التوقف، الذي جاء نتيجة لانتهاء اتفاقية العبور بين موسكو وكييف، يُشير إلى تحولات جذرية في أسواق الطاقة العالمية ويعكس التحديات الكبيرة التي يواجهها الجميع في هذه المعادلة.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” أنّ روسيا تبدو الأكثر تضرراً من هذا القرار، فهي تخسر جزءاً مهماً من إيرادات مبيعات الغاز التي كانت تُساهم في تعزيز اقتصادها، فضلًا عن التحديات الكبيرة التي ستُواجهها في صيانة منشآتها واستخراج الغاز، حيث قد يؤدي توقف المعدات إلى تلفها مع مرور الوقت.
لكن في ظل الوضع الحالي، يمكن القول إن الخسارة الأبرز تقع على عاتق الاقتصاد الأوروبي، الذي كان يعتمد على الغاز الروسي لتلبية جزء من احتياجاته، ورغم أن الإمدادات عبر هذا الخط كانت تمثل نسبة ضئيلة من احتياجات الاتحاد الأوروبي، فإن التوقف المفاجئ يفرض تحديات إضافية في تأمين البدائل والبحث عن مصادر طاقة جديدة.
وفقًا للخبير: “هذه الأزمة أبرزت بشكل جلي الواقع المتغير في أسواق الطاقة العالمية، حيث أظهر التوقف المفاجئ لصادرات الغاز الروسي قوة التأثير المتبادل بين السياسات الاقتصادية والطاقة”. ومع التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، يبقى السؤال الأهم: كيف ستتمكن موسكو من التعامل مع هذا الملف في ظل خسائرها المتزايدة؟”.
اقرأ المزيد في هذا التقرير: تداعيات توقف إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا