في ضربة موجعة للصين، انتخبت تايوان لاي تشينغ تي رئيسًا لها، في استحقاق انتخابي أُجري في 2024 على هذه الجزيرة التي تحتل مكانة محورية بوصفها مركزًا عالميًا لصناعة الرقائق الإلكترونية، وبؤرةً للتوترات المتصاعدة بين واشنطن وبكين.
وحقق لاي، المنتمي إلى الحزب التقدمي الديمقراطي والنائب السابق للرئيسة تساي إينغ-ون، والمعروف بمواقفه المتشددة تجاه الصين، فوزًا في أشد انتخابات رئاسية تنافسية تشهدها تايوان منذ عقود، بعد حصوله على 40.1% من الأصوات، وهي أدنى نسبة فوز منذ انتخابات عام 2000 التي شهدت هي الأخرى ثلاثة مرشحين.
وما إن أُعلن عن فوزه حتى خرج لاي بتصريح لافت، قال فيه: “تايوان ستواصل السير جنبًا إلى جنب مع الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم”، في رسالة واضحة بأنه سيُديم العلاقة الوثيقة مع واشنطن، مع تأكيده الحرص على صون السلام عبر مضيق تايوان.
جذور الصراع بين تايوان والصين
يكمن جوهر الصراع بين الصين وتايوان في أن بكين تعدّ تايوان مقاطعةً منشقة لا بد من إعادتها إلى حظيرة البر الصيني في نهاية المطاف، في حين يرفض كثير من التايوانيين هذه الرواية جملةً وتفصيلًا، معتبرين أنفسهم أمةً مستقلة قائمة بذاتها، سواء أُعلن عن استقلالها رسميًا أم لا.
وتعود جذور الوجود البشري في تايوان إلى قبائل الأوستروينيزيين، الذين يُرجَّح أنهم قدموا من مناطق جنوب الصين الحالية، وتشير أقدم الإشارات الصينية المدوّنة إلى الجزيرة إلى عام 239 ميلادية، حين أوفد أحد الأباطرة بعثةً استكشافية إليها، وهو ما دأبت بكين على توظيفه سندًا تاريخيًا لمطالباتها الإقليمية.
وفي عام 1624، آلت تايوان إلى الهولنديين مستعمرةً لفترة من الزمن، قبل أن تنتقل إدارتها إلى أسرة تشينغ الصينية التي حكمتها من عام 1683 حتى عام 1895، وخلال القرن السابع عشر بدأت موجات متتالية من المهاجرين الصينيين تتدفق إلى الجزيرة هربًا من الاضطرابات والأوضاع المعيشية القاسية، وكان أغلبهم من قبيلة الهوكلو القادمة من مقاطعة فوجيان، أو من قبيلة الهاكا المنحدرة من مقاطعة غوانغدونغ، ولا يزال أحفاد هاتين المجموعتين يشكّلان حتى اليوم الشريحة الديموغرافية الأوسع في الجزيرة.
وفي عام 1895، خرجت اليابان منتصرةً من الحرب الصينية-اليابانية الأولى، فاضطرت أسرة تشينغ إلى التنازل عن تايوان لها. ولم تُعَد الجزيرة إلى السيادة الصينية إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين استسلمت اليابان وتخلّت عن المناطق التي انتزعتها من الصين، فباتت جمهورية الصين، بوصفها من المنتصرين في تلك الحرب، تتولى إدارة تايوان بموافقة حليفيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
اقرأ أيضًا: أزمة الصين واليابان.. تايوان تشعل أخطر موجة توتر في شرق آسيا
الحرب الأهلية الصينية وتأسيس تايوان الحديثة
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، اندلعت حرب أهلية طاحنة في الصين، انتهت بانتصار قوات ماو تسي تونغ الشيوعية على جيش الزعيم تشيانغ كاي شيك الذي فرّ عام 1949 مع قيادات حزب الكومينتانغ ونحو مليون ونصف مليون شخص إلى تايوان، معلنًا إياها مقرًا لحكومته الشرعية.
فيما أسس الشيوعيون المنتصرون جمهورية الصين الشعبية على البر الرئيس، وادّعى كلا الطرفين تمثيله للصين بأسرها، وقد هيمنت هذه المجموعة الوافدة رغم أنها لا تمثل سوى 14% من سكان الجزيرة على المشهد السياسي التايواني لعقود.
وفي مرحلة لاحقة، قاد الرئيس لي تنغ هوي، الملقّب بـ”أبي الديمقراطية”، مسيرة إصلاح دستوري أفضت إلى تحوّل ديمقراطي حقيقي، توّج عام 2000 بانتخاب تشن شوي بيان أول رئيس من خارج حزب الكومينتانغ في تاريخ الجزيرة.
قضايا عالقة وتوترات متجددة
شهدت العلاقات بين الصين وتايوان انفراجًا نسبيًا في ثمانينيات القرن الماضي، حين طرحت بكين صيغة “دولة واحدة ونظامان”، واعدةً تايوان باستقلالية واسعة مقابل القبول بالوحدة. وقد طُبّقت هذه الصيغة في هونغ كونغ على أمل إغراء تايبيه، غير أن الأخيرة رفضتها، وإن خففت بعض القيود المفروضة على الزيارات والاستثمار مع البر الرئيسي.
وفي عام 1991، أعلنت تايوان رسميًا انتهاء حالة الحرب مع جمهورية الصين الشعبية، وانطلقت محادثات محدودة بين ممثلين غير رسميين للجانبين، إلا أن إصرار بكين على عدم شرعية حكومة تايبيه حال دون أي تواصل رسمي بين الحكومتين.
ما علاقة الولايات المتحدة؟
حين انتخبت تايوان تشن شوي بيان رئيسًا عام 2000، بما يحمله من مواقف داعمة صراحةً للاستقلال، ساد القلقُ في بكين، وبعد إعادة انتخابه عام 2004 ردّت الصين بإصدار قانون مناهضة الانفصال الذي يُجيز لها اللجوء إلى “الوسائل غير السلمية” إذا سعت تايوان إلى الانفصال رسميًا.
وخلفه في الرئاسة ما يينغ جيو عام 2008، الذي انتهج سياسة انفتاح اقتصادي مع بكين، قبل أن تتولى تساي إنغ ون الرئاسة عام 2016 وتعيد توجيه البوصلة نحو التمسك بهوية تايوان المستقلة، مما أشعل فتيل التوترات من جديد، لا سيما في أعقاب الاتصال الهاتفي الذي أجرته مع دونالد ترامب عقب فوزه في انتخابات عام 2016، والذي استفزّ بكين وأثار موجة من ردود الفعل الغاضبة.
وطوال عام 2018، صعّدت الصين ضغوطها على الشركات الدولية، مطالبةً إياها بتصنيف تايوان ضمن أراضيها على منصاتها الرقمية تحت طائلة الإقصاء من السوق الصينية، وعلى الرغم من ذلك أحرزت تساي فوزًا بولاية ثانية عام 2020، في سياق إقليمي متأجج شهدت فيه هونغ كونغ موجة احتجاجات واسعة رفضًا للنفوذ المتنامي لبكين، قبل أن تفرض الصين قانون الأمن القومي على المدينة، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع بوصفها مؤشرًا على تحوّل بكين نحو نهج أكثر حزمًا وتشددًا.
في المقابل، كثّفت واشنطن تواصلها مع تايبيه وأرسلت مسؤولًا رفيعًا من وزارة الخارجية في أول زيارة رسمية منذ عقود، فردّت بكين بإجراء مناورات عسكرية بالذخيرة الحية في مضيق تايوان. وقد بلغت حدة التوترات ذروتها في أغسطس 2022، حين زارت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي الجزيرة في أبرز زيارة لمسؤول أمريكي رفيع منذ عقود، فهدّدت الصين بالتدخل العسكري وأجرت مناورات موسّعة حول تايوان، مما زاد من حدة التنافس بين القوتين الاقتصاديتين الكبريين.
قد يهمّك أيضًا: تداعيات فك الارتباط بين أمريكا والصين على الاقتصاد العالمي
لماذا ترغب الصين بشدة في تايوان؟
تكتسب تايوان ثقلًا استراتيجيًا استثنائيًا يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي، إذ إنّها تمسك بيدها مفاتيح صناعة الرقائق الإلكترونية التي تُغذّي الاقتصاد الرقمي العالمي، وتتصدّر هذه المعادلة شركة TSMC، عملاق أشباه الموصلات التايوانية التي تُقدَّر قيمتها بنحو 430 مليار دولار، والتي تُزوّد كبرى شركات التكنولوجيا العالمية بما تحتاجه من رقائق متطورة.
وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، تُنتج تايوان ما يزيد على 60% من أشباه الموصلات في العالم، ونحو 90% من أكثرها تطورًا، وهي الرقائق التي تُشغّل كل شيء من الهواتف الذكية إلى السيارات والمنظومات الصناعية.
ويضع التقرير سيناريوين مقلقين في حال أقدمت الصين على أي عمل عسكري؛ فإما أن تدمّر الحرب هذه المنشآت الحيوية، وإما أن تقع تحت السيطرة الصينية مع ما يعنيه ذلك من تداعيات اقتصادية كارثية على المستوى العالمي، إذ سيمنح ذلك بكين نفوذًا غير مسبوق على شريان الاقتصاد الرقمي العالمي.
ولا تقتصر أهمية تايوان على قطاع التكنولوجيا؛ فهي سابع أكبر اقتصاد في آسيا والثاني والعشرون عالميًا من حيث تعادل القوة الشرائية، وتُصنّفها مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي ضمن الاقتصادات المتقدمة. وتُشكّل الصادرات نحو 70% من ناتجها المحلي الإجمالي، شاملةً الإلكترونيات وتقنية المعلومات والاتصالات والمعادن والبلاستيك والآلات الصناعية، فضلًا عن كونها مركزًا عالميًا للحوسبة وإدارة البيانات والاتصالات.
اقرأ أيضًا: كم تبلغ ديون الصين على دول إفريقيا؟