هل ينقذ النفط سوريا؟ دعوات لرفع العقوبات وإعادة إطلاق الإنتاج

تقرير: باسل محمود

منذ عام 2011، واجهت سوريا تحديات اقتصادية هائلة بسبب الحرب الأهلية والعقوبات الدولية التي فُرضت على الحكومة السورية بقيادة الرئيس بشار الأسد، وكان النفط من بين القطاعات الأكثر تضرراً، رغم أنّه كان يمثل مصدرًا رئيسًا للإيرادات قبل اندلاع الصراع، بحسب فايننشال تايمز.

مع ذلك، تظهر اليوم دعوات لتخفيف العقوبات الدولية، مع التأكيد على أن السماح بعودة الشركات الغربية إلى قطاع النفط قد يساهم في إعادة بناء البلاد وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

نفط سوريا قبل وبعد الحرب

قبل أن تطلق الحرب الأهلية السورية شرارتها في عام 2011، كانت صناعة النفط أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد السوري، فقد كنت سوريا تنتج نحو 400 ألف برميل يوميًا من النفط، مما جعلها أحد اللاعبين الصغار في سوق النفط العالمي.

لكن، ومع تفاقم الحرب وتدهور الأوضاع السياسية، شهدت هذه الصناعة انهيارًا هائلًا، حيث انخفض الإنتاج إلى نحو 80 ألف برميل يوميًا فقط، وفقًا لتصريحات جون بيل رئيس شركة “غلف ساندز”، الأمر الذي أضر بالاقتصاد السوري وأدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في البلاد.

اقرأ أيضًا: هل توفر خصخصة الشركات الحكومية في سوريا حلاً فعالاً للإصلاح الاقتصادي؟

النفط: العمود الفقري لإعادة الاقتصاد السوري

في حديثه الأخير، دعا جون بيل، المدير العام لشركة “غلف ساندز”، إلى تعديل العقوبات الغربية المفروضة على سوريا، مؤكدًا أن رفع العقوبات من شأنه السماح للشركات الغربية بالعودة إلى السوق، مُضيفًا أن هذا القرار قد يكون خطوة حاسمة في مساعدة سوريا على الوقوف مجددًا على قدميها.

منذ فرض العقوبات، لم تتمكن “غلف ساندز” من تلقي أي إيرادات من الإنتاج السوري، على الرغم من كونها من الشركات الغربية القليلة التي كانت تواصل العمل في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية؛ حيث استمر العمل بشكل غير قانوني في بعض الحقول النفطية، إذ كان يتم ضخ النفط بواسطة قوات سوريا الديمقراطية، ليتم بيعه بأسعار منخفضة جدًا مقارنة بأسعار السوق العالمية.

وقد أوضح بيل أنَّه في حال سُمح بتعديل الإطار القانوني للعقوبات، يمكن رفع الإنتاج إلى مستويات سابقة، الأمر الذي سيُسهم بشكل مباشر في تحسين الوضع الاقتصادي، وأضاف: “بدلاً من بيع 80 ألف برميل يوميًا بسعر منخفض، يمكننا جعل هذا الإنتاج قانونيًا، وعندها سنعود إلى 400 ألف برميل يوميًا”، مشيرًا إلى أن ذلك سيعزز الإيرادات ويساهم في إعادة بناء البنية التحتية للبلاد.

تأثير العقوبات على استثمارات الشركات الغربية في سوريا

تاريخيًا، كانت العديد من الشركات الغربية، بما في ذلك شركات نفطية كبرى مثل “شل” و”توتال”، قد استثمرت في قطاع النفط السوري، لكن مع تصاعد النزاع اضطرت هذه الشركات إلى تعليق عملياتها بسبب العقوبات الدولية والظروف السياسية المعقدة، فقد كانت لهذه الشركات حصص في مشاريع كبيرة مثل شركة “الفرات للبترول” وشركة “الطابية” للغاز.

أما اليوم، ومع وجود تغييرات محتملة في المشهد السياسي السوري، يزداد الاهتمام بعودة هذه الشركات إلى البلاد، لكن على الرغم من أن التحديات لا تزال قائمة بسبب وجود جماعات مسلحة وتراكم الألغام السياسية، إلا أن العديد من هذه الشركات تراقب من كثب أي تطورات قد تسمح بفرص دخول جديدة إلى السوق.

اقرأ أيضًا: أزمة ثلاثية الأبعاد تهدد سوريا الحديثة

كيف يدعم النفط إعادة البناء وتحقيق الإيرادات؟

النقطة الأهم التي يبرزها بيل هي أنَّ صناعة النفط هي القطاع الوحيد الذي يمكن أن يولد إيرادات كبيرة لدعم مشاريع إعادة البناء في سوريا، ولا يوجد قطاع آخر يمكنه تحقيق إيرادات بسرعة كافية لتحفيز النمو الاقتصادي، فالشركات الغربية -إذا تم السماح لها بالعودة- يمكن أن توفر التمويل والخبرات التقنية اللازمة لزيادة الإنتاج وتحقيق الأهداف الإنسانية، مثل تحسين الظروف المعيشية للمدنيين السوريين.

وعلى الرغم من الظروف الصعبة، يرى بيل أن عودة الشركات الغربية إلى قطاع النفط قد تساهم في تحسين آلية إدارة الحقول النفطية في سوريا، وهو ما سيؤدي إلى زيادة الكفاءة وتقليل المخاطر البيئية، التي تمثل تحديًا كبيرًا بسبب ممارسات استخراج النفط غير المنظمة.

قد يهمّك أيضًا: كيف سيطرت إسرائيل وتركيا على ثروات سوريا المائية؟

التحديات السياسية أمام استعادة إنتاج النفط

العودة إلى سوريا ليس بالأمر البسيط، خاصة مع التحديات السياسية التي تواجهها هذه الشركات، فلا تزال هناك العديد من القوى المتمردة التي تسيطر على مناطق نفطية في شمال شرق سوريا، وهو ما يجعل أي اتفاق مع الحكومة السورية أمرًا معقدًا، كما أنّ العديد من الحكومات الغربية تنظر إلى الجماعات المتمردة مثل “هيئة تحرير الشام” على أنها جماعات إرهابية، مما يضيف تعقيدًا إضافيًا لأي مفاوضات تتعلق بإعادة فتح الروابط التجارية.

رغم هذه التحديات، فإن بيل يظل متفائلًا بأن الأوضاع قد تتغير في المستقبل، فمع عدم وجود أي خطط رسمية حتى الآن لرفع العقوبات، إلا أن الشركات الغربية ترصد الوضع من كثب، وتنتظر ما إذا كانت الحكومة السورية ستتخذ خطوات تضمن ضمانات للمستثمرين الأجانب.

استراتيجية رفع العقوبات لتعزيز النمو الاقتصادي

قضية رفع العقوبات على سوريا تعد إحدى النقاط المحورية في الحوار حول مستقبل الاقتصاد السوري؛ حيث يشكل النفط أداة رئيسة للانتعاش باعتباره المورد الحيوي الوحيد الذي يمكن أن يسهم في تحفيز النمو الاقتصادي، وإذا تم السماح للشركات الغربية بالعودة إلى السوق، فسيكون لذلك تأثير عميق على مستوى الإنتاج والإيرادات، مما سيعزز من فرص إعادة البناء على المدى الطويل.

الظروف الراهنة تشكل فرصة حقيقية لتعديل المسار الاقتصادي في سوريا، خاصة في ظل عدم وجود بدائل سريعة لتحقيق إيرادات، وربما يكون الوقت قد حان لإعادة النظر في سياسة العقوبات، بما يضمن تحقيق التوازن بين أهداف الاستقرار السياسي واحتياجات الشعب السوري في وقتٍ بالغ الأهمية.

اقرأ أيضًا: دور تركيا في مشاريع الطاقة وإعادة إعمار سوريا: مصالح استراتيجية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة