تداعايات الحرب على إيران تصل إلى جيوب الأمريكيين

تحتاج الحروب في العصر الحديث إلى وقت قصير جداً حتى تعبر المحيطات اقتصادياً، فبعد أقل من أسبوعين على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، بدأت التداعيات تظهر بوضوح داخل الاقتصاد الأمريكي، رغم أن ساحة المعركة تقع على بعد آلاف الكيلومترات.

المؤشرات الأولى ظهرت في محطات الوقود ومتاجر الغذاء وأسعار تذاكر الطيران؛ حيث ارتفع البنزين وقفزت تكاليف الطاقة والنقل وبدأت الأسواق المالية تعكس مخاوف متزايدة من أن تتحول المواجهة إلى صراع طويل يضغط على الاقتصاد الأمريكي من عدة قنوات في وقت واحد.

المفارقة أن الولايات المتحدة -التي تقود إحدى جبهات الصراع- لا تواجه الصدمة عبر نقص الإمدادات المباشر، بل عبر آلية أكثر تعقيداً، وهي إعادة تسعير الاقتصاد العالمي للطاقة والمخاطر، ومع ارتفاع أسعار النفط وتعطل حركة الشحن في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم بدأت الكلفة تنتقل تدريجياً إلى المستهلك الأمريكي.

البنزين أول من يعلن وصول الصدمة

أسرع قناة تنتقل عبرها الأزمات الجيوسياسية إلى الاقتصاد الأمربكي هي أسعار الوقود، ففي غضون أيام قليلة ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى 3.48 دولار للغالون، وفق بيانات رابطة السيارات الأمريكية، ويمثل ذلك زيادة تقارب 17% منذ الضربات الأولى في 28 فبراير، وهذا المستوى السعري لم تشهده السوق الأمريكية منذ عام 2024.

ولم يكن البنزين هو المؤشر الوحيد، فقد ارتفعت أسعار الديزل بنسبة 24% منذ بداية الحرب لتقترب من 4.66 دولار للغالون، وهذا الرقم يحمل دلالة اقتصادية أعمق، لأن الديزل هو وقود الاقتصاد اللوجستي الأمريكي، فالشاحنات التي تنقل الغذاء والطرود والبضائع عبر آلاف الكيلومترات تعتمد عليه بشكل شبه كامل، ولذلك فإن ارتفاعه لا يرفع فقط تكلفة النقل، بل يرفع تدريجياً تكلفة كل سلعة تتحرك داخل الاقتصاد، من طرود التجارة الإلكترونية إلى المواد الغذائية في المتاجر.

اقرأ أيضًا: ارتفاع مفاجئ في أسعار الوقود مع تصاعد حرب الشرق الأوسط

النفط يقفز ثم يتراجع

القفزة في أسعار الوقود جاءت نتيجة مباشرة للتحركات العنيفة في سوق النفط العالمية، فقد ارتفع السعر المرجعي الدولي مؤقتاً إلى ما يقرب من 120 دولاراً للبرميل خلال التداولات، قبل أن يتراجع لاحقاً وينهي الجلسة دون 90 دولاراً، وهذا التذبذب الحاد يعكس حالة الترقب التي تسيطر على الأسواق، فالمستثمرون يحاولون تقييم سؤال واحد: هل الحرب قصيرة؟ أم بداية أزمة طاقة طويلة؟

التراجع السريع في الأسعار جاء بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمحت إلى احتمال أن يكون الصراع أقصر مما كان يُخشى، لكن الأسواق لا تعتمد على التصريحات فقط، فالتحليل الاقتصادي يشير إلى أن استقرار النفط عند 95 دولاراً للبرميل قد يدفع سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى ما بين 3.75 و4 دولارات للغالون خلال فترة قصيرة، أي أن المستهلك الأمريكي قد لا يكون قد رأى بعد الذروة الفعلية للأثر.

عنق الزجاجة الذي يحرك السوق

السبب الرئيسي وراء صعود أسعار الطاقة يعود إلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، هذا الممر البحري الضيق يمثل أحد أهم العقد في شبكة الطاقة العالمية ويمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، وأي تعطيل فيه يخلق فوراً حالة من التوتر في السوق، فالتجار وشركات الطاقة يعيدون تسعير المخاطر، وشركات التأمين ترفع الأقساط، والناقلات تتردد في عبور المنطقة، وهذه العوامل مجتمعة تخلق ما يشبه “ضريبة جيوسياسية” على الطاقة.

ومع تضرر بعض المصافي أو خفض عمليات المعالجة في المنطقة، تصبح المشكلة أكثر تعقيداً، فكمية أقل من النفط تتحول إلى منتجات مكررة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، وكل انخفاض في إنتاج الوقود يضغط على الأسعار في الأسواق النهائية.

اقرأ أيضًا: مضيق هرمز.. حين يصبح النفط سلاحًا

الغذاء.. الأثر غير المباشر للحرب

إذا كانت أسعار الوقود تعكس الأثر المباشر للحرب، فإن الغذاء يمثل القناة الاقتصادية الأبطأ والأكثر تعقيداً، فارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي عادة إلى زيادة تكاليف الزراعة والنقل والتخزين، لكن الأزمة الحالية تحمل بعداً إضافياً، فالخليج العربي يمثل أحد المصادر الرئيسة لمدخلات إنتاج الأسمدة عالمياً، وفي حال تعطلت حركة السفن في المنطقة لفترة طويلة، قد تواجه الأسواق نقصاً في إمدادات الأسمدة، والنتيجة قد تكون انخفاض استخدام الأسمدة في الزراعة أو ارتفاع أسعارها، وهذا يعني إنتاجاً غذائياً أقل وتكاليف أعلى.

التحذيرات بدأت بالفعل داخل القطاع الزراعي الأمريكي، فالمزارعون يستعدون لموسم الزراعة الربيعي، وهي الفترة التي تبدأ فيها زراعة المحاصيل الرئيسة في الولايات المتحدة، وأي اضطراب في إمدادات الأسمدة خلال هذه الفترة قد يترك أثراً يمتد إلى موسم الحصاد بالكامل.

القلق داخل القطاع الزراعي دفع قيادة اتحاد مكاتب المزارع الأمريكية إلى التحذير من أن نقص الأسمدة قد يتحول إلى أزمة أوسع، فإذا لم يتم إعطاء الأولوية لتأمين الإمدادات قد تواجه الولايات المتحدة نقصاً في المحاصيل الزراعية، وهذا قد يتحول إلى عامل ضغط على التضخم، ويؤثر في استقرار الأسعار عبر الاقتصاد الأمريكي بأكمله.

الطيران يدخل دائرة الكلفة

قطاع الطيران هو الآخر بدأ يشعر بضغط الحرب، فوقود الطائرات يمثل أحد أكبر عناصر التكلفة التشغيلية لشركات الطيران، وقد ارتفع سعره بنسبة 58% منذ بداية الحرب، وهذا الارتفاع يضع شركات الطيران أمام معادلة معقدة، فرفع أسعار التذاكر يعوض جزءاً من التكلفة، لكنه قد يقلل الطلب على السفر، أما إبقاء الأسعار منخفضة فيعني ضغطاً على هوامش الربح، لذلك تحاول شركات الطيران إيجاد نقطة توازن بين الأمرين.

المؤشرات الحالية تشير إلى أن العثور على تذاكر بأسعار منخفضة أصبح أكثر صعوبة. ومع استمرار ارتفاع الوقود قد يبدأ بعض الأمريكيين في إعادة التفكير في خطط السفر خلال الربيع والصيف.

الأسواق المالية تبدأ حساب الكلفة

الأسواق المالية بدأت بدورها في تسعير المخاطر الجديدة، فالقفزة في أسعار الطاقة دفعت مؤشر ستاندرد آند بورز 500 إلى التراجع، في إشارة إلى القلق المتزايد بشأن تأثير الحرب على الاقتصاد، لكن الخطر الأكبر لا يكمن في التقلبات القصيرة الأجل، بل في السيناريو الذي يستمر فيه الصراع لفترة طويلة، وفي هذه الحالة قد تتغير قرارات الشركات، فإذا تراجع الطلب بسبب ارتفاع الأسعار، قد تبدأ الشركات في تقليص التوظيف أو تأجيل التوسع، وإذا تطور الأمر إلى تسريح العمالة، فإن خطر الركود الاقتصادي يصبح أكثر واقعية.

الاقتصاد الأمريكي أمام اختبار عدم اليقين

الخطر الحقيقي للحرب يكمن في حالة عدم اليقين التي تخلقها، فالاقتصاد الأمريكي يعتمد بدرجة كبيرة على ثقة المستهلكين والشركات في المستقبل، وارتفاع أسعار الطاقة وتقلب الأسواق قد يدفع المستهلكين إلى تقليص الإنفاق، وقد يجعل الشركات أكثر حذراً في الاستثمار والتوظيف، وهذه الحلقة يمكن أن تتحول تدريجياً إلى تباطؤ اقتصادي واسع، وكلما طال أمد الصراع، زادت احتمالات هذا السيناريو.

ما يحدث اليوم يذكر بحقيقة اقتصادية، وهي أنّ الحروب الحديثة لا تبقى محلية لفترة طويلة، ففي عالم مترابط يكفي أن تتعطل عقدة واحدة في شبكة الطاقة أو التجارة حتى تبدأ الصدمة في الانتقال عبر الاقتصاد العالمي.

وإذا كان الأمريكيون بدأوا يشعرون بالكلفة بعد أقل من أسبوعين من بداية الحرب، فإن السؤال الذي يواجه الأسواق الآن ليس ما إذا كانت هذه الكلفة سترتفع، بل إلى أي مدى يمكن أن تتصاعد إذا تحول الصراع إلى مواجهة طويلة.

اقرأ أيضًا: من هرمز للمطارات.. كيف تعطلت تجارة العالم في أيام؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة