مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية تصاعدت المخاوف بشأن تداعياتها على الاقتصاد المصري، في ظل ارتباطه الوثيق بحركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة وتدفقات رؤوس الأموال، ويأتي ذلك في وقت يتجاوز فيه حجم الأموال الساخنة داخل السوق المحلية 40 مليار دولار.
ومن جهته، أكد الدكتور وليد جاب الله، خبير الاقتصاد، أنَّ الحرب الأمريكية الإيرانية ستترتب عليها آثار اقتصادية واسعة النطاق، تتحدد وفقًا لسيناريوهات تطور الأحداث من حيث الامتداد الزمني والنطاق الجغرافي للعمليات العسكرية. وأوضح أن مجرد اندلاع العمليات العسكرية كفيل بإحداث اضطراب فوري في سلاسل الإمداد العالمية، نظرًا لحساسية المنطقة في منظومة الطاقة والتجارة الدولية.
وأضاف أن الأسواق الدولية عادة ما تتفاعل بسرعة مع مثل هذه التطورات، ما يؤدي إلى اشتعال أسواق المال والطاقة والذهب والنقل، فضلًا عن أسواق السلع الغذائية، نتيجة ارتفاع تكلفة التأمين والشحن وتزايد المخاطر الجيوسياسية.
مخاطر توسع الحرب الأمريكية الإيرانية
وأشار جاب الله إلى أنَّ هذا الارتباك الأولي قد يظل في إطار يمكن احتواؤه إذا اقتصر زمن العمليات على عدة أيام وظلت المواجهة محدودة جغرافيًا، بحيث تتراجع حدة التوترات سريعًا وتستعيد الأسواق توازنها تدريجيًا، و شدَّد على أن اتساع نطاق العمليات، سواء من حيث المساحة الجغرافية أو مدة المواجهة، سيؤدي إلى تعميق الآثار السلبية لتطال مختلف القطاعات الاقتصادية دون استثناء.
كما أوضح أنّ استمرار العمليات العسكرية لفترة ممتدة سيزيد من الضغوط التضخمية عالميًا، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين والشحن، وهو ما سينعكس على أسعار السلع والخدمات في معظم دول العالم. وأضاف أن من بين التداعيات المتوقعة أيضًا تراجع معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر، في ظل حالة عدم اليقين التي تصاحب النزاعات العسكرية؛ فالشركات متعددة الجنسيات تميل في مثل هذه الظروف إلى تأجيل خطط التوسع أو إعادة توزيع استثماراتها جغرافيًا لتقليل المخاطر
وفي هذا السياق، أشار الخبير إلى أنَّ رؤوس الأموال عادة ما تتجه في أوقات الأزمات إلى الملاذات الأكثر أمانًا، سواء عبر زيادة الاستحواذ على الذهب أو المعادن النادرة أو غيرها من الأصول التحوطية، وهو ما يغير خريطة التدفقات الاستثمارية ويضغط على الأسواق الناشئة.
وأكد الدكتور وليد جاب الله أن هذه التحركات، إذا استمرت قد تعصف بمعدلات النمو العالمي، وتحد من مظاهر التعافي الاقتصادي التي كانت مأمولة بعد فترات من التباطؤ. ولفت إلى أن الاقتصاد العالمي لا يزال في مرحلة حساسة، وأي صدمة جيوسياسية كبيرة قد تعرقل مسارات الاستقرار النسبي التي بدأت بعض الاقتصادات في استعادتها، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية العالمية.
اقرأ أيضًا: الضربة الإسرائيلية على إيران.. هل تتوسع الحرب إلى مواجهة شاملة؟
مخاوف إغلاق مضيق هرمز
من جانبه، ركز الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، على السيناريو الأكثر خطورة المتمثل في احتمال تصعيد عسكري تقوده إيران في منطقة الخليج، خاصة إذا بلغ حد إغلاق مضيق هرمز، وأوضح أن المضيق يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعله نقطة ارتكاز رئيسة في منظومة الطاقة الدولية، وأي تعطّل لحركة الملاحة فيه سيؤدي إلى قفزة حادة في أسعار النفط، ويعيد موجات التضخم المستورد إلى الواجهة، فضلًا عن زيادة مستويات عدم اليقين في الأسواق الدولية.
وأشار سلامة إلى أن السيناريو الأخطر يتمثل في ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 110 أو 120 دولارًا للبرميل، وفي هذه الحالة سترتفع فاتورة الواردات البترولية لمصر بشكل ملحوظ، ما يضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، ويزيد الحاجة إلى تدبير عملة أجنبية إضافية لتغطية الفجوة التمويلية. وأضاف أن الطاقة عنصر أساسي في تكلفة النقل والإنتاج، وبالتالي فإن أي زيادة في أسعارها ستنتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، لا سيما الغذاء والمنتجات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
اقرأ أيضًا: لماذا لم يقفز النفط إلى 100 دولار للبرميل؟
تأثير الحرب على الاقتصاد المصري
أوضح سلامة أن موجة تضخمية جديدة قد تتشكل نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والنقل عالميًا، إلى جانب احتمال زيادة أسعار القمح والزيوت والحبوب إذا تأثرت سلاسل الإمداد أو ارتفعت أسعار الوقود المستخدم في الزراعة والنقل، وأكد أن التضخم في هذه الحالة لن يكون ناتجًا عن طلب محلي قوي، بل عن صدمة عرض خارجية، ما يجعل أدوات السيطرة عليه أكثر تعقيدًا، خاصة إذا طال أمد الحرب واستمرت الضغوط على الأسواق العالمية.
وفيما يتعلق بالنمو الاقتصادي المصري، أشار سلامة إلى أن الاقتصاد قد يواجه تباطؤًا نتيجة عاملين رئيسَين؛ أولهما تراجع القوة الشرائية للأسر بسبب ارتفاع الأسعار، وثانيهما احتمال لجوء السياسة النقدية إلى تشديد نسبي في حال تصاعد الضغوط التضخمية، وهو ما قد يرفع تكلفة التمويل ويؤثر على النشاط الاستثماري. كما أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي قد تدفع المستثمرين إلى تأجيل قرارات توسع جديدة في قطاعات الصناعة والعقارات والسياحة.
وأضاف أن قطاع المعادن في مصر لن يكون بمنأى عن هذه التأثيرات، إذ تعتمد صناعات الحديد والأسمنت والألومنيوم بشكل مكثف على الطاقة، وأي زيادة في أسعار الغاز أو الكهرباء ستنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج ومن ثم على أسعار مواد البناء، كما أن أسعار المعادن عالميًا تميل إلى الارتفاع في أوقات الأزمات، إما بسبب ارتفاع تكلفة الاستخراج أو باعتبار بعضها ملاذًا تحوطيًا.
هل تخرج الأموال الساخنة من مصر؟
في السياق ذاته، أكدت الدكتورة شيماء وجيه، أستاذة الاقتصاد، أن تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المصري، في ظل ارتباطه الوثيق بحركة الطاقة العالمية وتدفقات التجارة ورؤوس الأموال.
وأوضحت أن ملف الأموال الساخنة التي تتجاوز 40 مليار دولار يمثل نقطة حساسة، لكنه ليس بالضرورة مصدر قلق فوري، خاصة أن خفض أسعار الفائدة خلال الفترة الماضية قلل من جاذبية أدوات الدين المحلية، ما قد يحد نسبيًا من حدة الخروج المفاجئ لرؤوس الأموال مقارنة بأزمات سابقة.
وأضافت أن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي يمثل عنصر دعم مهمًا يعزز قدرة الدولة على مواجهة أي ضغوط محتملة على سوق الصرف أو ميزان المدفوعات. كما لفتت إلى تراجع إيرادات قناة السويس بعد أن كانت قد سجلت مستويات قياسية، نتيجة الاضطرابات الإقليمية وتأثر حركة الملاحة والتجارة العالمية، مؤكدة أن استمرار التوترات قد يضيف ضغوطًا جديدة على موارد النقد الأجنبي.
تأثير الحرب على تحويلات المصريين بالخارج
شددت وجيه على أهمية تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي تقترب من 40 مليار دولار سنويًا، باعتبارها أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، محذرة من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤثر على هذه التدفقات إذا تعطلت الأنشطة الاقتصادية في دول الخليج أو تباطأت وتيرة الأعمال.
وأضافت أن ارتفاع أسعار النفط يمثل تحديًا إضافيًا للموازنة العامة للدولة، باعتبار مصر دولة مستوردة للطاقة، ما يزيد من الأعباء التمويلية. وأكدت أهمية وجود مخزون استراتيجي كافٍ من المنتجات البترولية لتخفيف أثر تقلبات الأسعار، مشيرة إلى أن حسن إدارة هذا الملف سيكون عاملًا حاسمًا في تقليل التداعيات والحفاظ على الاستقرار المالي.
واتفق الخبراء على أن تطور الأوضاع في الخليج سيظل العامل الحاسم في تحديد حجم التأثير ومدة استمراره على الاقتصاد المصري، مؤكدين أن الاستعداد المسبق ومرونة السياسات الاقتصادية يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة الصدمات الخارجية، وأن إدارة الأزمة بكفاءة قد تحدّ من آثارها.
قد يهمّك أيضًا: 2.3 مليار دولار تمويل جديد لمصر من صندوق النقد