تداعيات رفض ترامب للرد الإيراني على أسواق الطاقة

دخلت أسواق الطاقة العالمية في نفق من عدم اليقين عقب رفض الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الرد الإيراني على المقترح المكون من صفحة واحدة لإنهاء الحرب، واصفاً إياه بأنه “لم يعجبه”. هذا الانسداد الدبلوماسي، الذي يسبق زيارة ترامب المرتقبة إلى بكين، لم يربك حسابات النفط فحسب، بل امتدت شظاياه لتطال قطاعات حيوية أخرى، على رأسها صناعة الأسمدة التي تُمثل العصب الرئيس للأمن الغذائي العالمي.

وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إنّ هذا الرفض أدخل أسواق الطاقة العالمية في مرحلة جديدة من القلق والترقب، مشيرًا إلى أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد توتر سياسي عابر، وإنما باعتبارها أزمة مفتوحة قد تمتد آثارها إلى النفط والغاز والأسمدة وسلاسل الإمداد العالمية.

ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي

أوضح الشوربجي أن خطورة ما يحدث في مضيق هرمز لا ترتبط فقط بمرور شحنات النفط والغاز، بل تمتد كذلك إلى حركة الأسمدة العالمية، وهي سلعة استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي العالمي. وأضاف أن تعطل وصول الأسمدة أو بقائها عالقة عند مستوى المضيق قد يؤثر في ملايين الأشخاص حول العالم، لأن أي اضطراب في تدفق الأسمدة ينعكس لاحقًا على الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء.

وأشار إلى أن الأزمة الحالية تكشف هشاشة الترابط بين الطاقة والغذاء والتجارة البحرية، موضحًا أن إغلاق مضيق بحجم هرمز أو تراجع الحركة فيه لا يعني فقط نقصًا في النفط، بل يعني ارتفاعا محتملًا في تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، وزيادة في الضغوط التضخمية على الدول المستوردة.

تراجع مخزونات النفط وتأثيرها على الدول الآسيوية

قال الشوربجي إن التقديرات المنقولة عن بلومبرغ ومورغان ستانلي بشأن تراجع مخزونات النفط العالمية بنحو 4.8 مليون برميل يوميًا خلال الفترة من 1 مارس إلى 25 أبريل، وهو مستوى قريب من أدنى المستويات منذ عام 2018، تمثل مؤشرًا شديد الخطورة على ضيق الإمدادات العالمية.

وأكد أن الدول الآسيوية تبدو من أكثر الأطراف تأثرًا، وفي مقدمتها اليابان والهند، حيث أشارت التقديرات إلى تأثر مخزونات النفط في اليابان بنحو 50%، وفي الهند بنحو 10%، وهو ما يعكس حجم اعتماد الاقتصادات الكبرى في آسيا على الإمدادات العابرة من هذه المنطقة الحيوية.

وتابع الشوربجي أن حركة الملاحة في مضيق هرمز أصبحت شبه معدومة مقارنة بالمعدلات الطبيعية، حيث لم يتم رصد سوى عدد محدود جدًا من الناقلات، من بينها خمس سفن عبرت المضيق في أحد الأيام، وهي: “سيمولودي” ، و”ستيلا” ، و”أمدي توفان” ، و”كيارا” ، و”آجيوس فانكوريوس” ، إضافة إلى ناقلة أخرى دخلت باتجاه المضيق، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو ست سفن فقط بين يومين.

وشدد على أن بقاء معدل العبور عند أقل من عشر سفن يوميًا منذ بدء الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية يؤكد أن الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت أزمة تشغيلية ولوجستية تضغط على حركة الطاقة العالمية.

اقرأ أيضًا: رفض ترامب للرد الإيراني.. هل يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة؟

ممر ملقا كبديل استراتيجي وتأثيره على تكلفة الشحن

لفت الشوربجي إلى أن مضيق ملقا ظهر كأحد المستفيدين من أزمة هرمز، حيث ارتفعت إيراداته بنحو 15%، كما زاد معدل العبور فيه بنحو 20%، وهو ما يعكس انتقال جزء من حركة التجارة والطاقة إلى مسارات بديلة، وهذا يثبت أن اضطراب ممر بحري استراتيجي قد يخلق مكاسب لممرات أخرى، لكنه في الوقت نفسه يزيد تكلفة التجارة العالمية ويطيل زمن النقل ويرفع كلفة التأمين.

وأضاف أن أسواق النفط تتفاعل حاليًا مع كل تصريح سياسي وكل تطور ميداني، موضحًا أن أسعار النفط ارتفعت بنحو 2% بعد أن كانت قد صعدت سابقًا بنحو 4% عقب رفض الرد الإيراني، قبل أن تتراجع في الأسبوع السابق بنحو 6% بفعل آمال التوصل إلى تسوية وفتح مضيق هرمز تدريجيًا.

وأكد الشوربجي أن الأسواق لا تخشى فقط الوضع الحالي، بل تخشى السيناريو الممتد، خاصة أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يعني خسارة الأسواق نحو 10 ملايين برميل يوميًا، أي ما يقارب 100 مليون برميل أسبوعيًا من النفط، وهو رقم كفيل بإحداث اضطراب واسع في الأسعار وسلاسل الإمداد وتكاليف الشحن.

وأشار إلى أن أسعار النفط لم تصل بعد إلى مستويات الحرب الروسية الأوكرانية لسببين رئيسين؛ أولهما محاولة الولايات المتحدة ضخ المزيد من الإنتاج في الأسواق، وثانيهما تراجع الواردات الصينية من النفط بنحو 20%، ومن الغاز بنحو 13%، الأمر الذي خفف جزئيًا من حدة صدمة الأسعار.

واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار الأزمة سيعيد تشكيل خريطة الرابحين والخاسرين في قطاع الطاقة العالمي، موضحًا أن الشركات والدول التي تمتلك بدائل توريد وتأمين وشحن ستكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمة، بينما ستكون الشركات والدول المعتمدة على مسارات محدودة أو مناطق توتر أكثر عرضة للخسائر.

تباين الأداء المالي لشركات الطاقة العالمية

من جانبه، قال الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، إن أزمة مضيق هرمز كشفت بوضوح أن شركات الطاقة العالمية لا تتأثر بالأزمات الجيوسياسية بالطريقة نفسها، مشيرًا إلى أن نتائج الربع الأول أظهرت مفارقة لافتة بين تراجع أرباح الشركات الأمريكية وارتفاع أرباح الشركات الأوروبية والصينية.

وأوضح يوسف أن ارتفاع أسعار النفط عادة ما يمثل ضغطًا على الاقتصاد العالمي والأسر والشركات بسبب زيادة تكاليف النقل والإنتاج والتأمين، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام أرباح كبيرة لشركات النفط والطاقة التي تعتمد على الإنتاج والبيع والتداول.

تراجع أرباح الشركات الأمريكية

أشار يوسف إلى أن الشركات الأمريكية الكبرى لم تستفد بالقدر المتوقع من ارتفاع الأسعار خلال الربع الأول، حيث تراجعت أرباح إكسون موبيل رغم تحقيقها أكثر من 4 مليارات دولار، بانخفاض بلغ نحو 35%، كما تراجعت أرباح شيفرون بنحو 21%، بينما سجلت كونوكو فيليبس تراجعًا بلغ نحو 57%.

وبيّن أن هذا التراجع لا يعني ضعفًا مطلقًا في قطاع الطاقة الأمريكي، وإنما يرجع إلى عوامل محاسبية وتشغيلية، منها أن عوائد النفط المباع تستغرق وقتًا حتى تدخل في النتائج المالية، إضافة إلى أن كثيرًا من الشركات الأمريكية كان قد اعتمد أسعارًا مرجعية ثابتة في بداية العام ضمن سياسات التحوط، ولذلك لم تستفد بالكامل من الارتفاع اللاحق في الأسعار.

وتابع الدكتور عمرو يوسف أن الشركات الأمريكية تأثرت كذلك بارتفاع تكاليف التشغيل والخدمات النفطية والأجور، وهي عوامل حدت من قدرتها على تحويل صعود أسعار النفط إلى أرباح صافية كبيرة. وذكر أن شيفرون حققت في إحدى الفترات نحو 3.5 مليار دولار، ثم تراجع أداؤها إلى حدود 2.2 مليار دولار، في ظل ضغوط مرتبطة بتكاليف التشغيل وبعض أعمالها الخارجية.

قفزة في أرباح الشركات الأوروبية

أوضح يوسف أن الوضع كان مختلفًا تمامًا لدى الشركات الأوروبية، حيث قفزت أرباح شل بنحو 100% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وارتفعت أرباح بي بي بنحو 113%، كما صعدت أرباح توتال إنرجيز الفرنسية بنحو 40%.

وقال إن التباين بين أداء الشركات الأمريكية والأوروبية يعود إلى اختلاف نموذج الأعمال؛ فالشركات الأمريكية مثل إكسون موبيل وشيفرون تركز بصورة أكبر على إنتاج خام غرب تكساس والنفط الصخري، بينما ركزت الشركات الأوروبية بعد الأزمة الروسية الأوكرانية على الغاز الطبيعي المسال، وتجارة الطاقة، وإدارة سلاسل الإمداد العالمية.

وأضاف أن الشركات الأوروبية استفادت من فروقات الأسعار بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، ومن دورها كمورد ووسيط في حركة الغاز والطاقة، فضلًا عن امتلاكها شبكات إمداد عالمية ومخزونات تساعدها على التعامل مع الأزمات. كما أوضح أن التوترات الجيوسياسية ترفع أسعار الغاز في كثير من الأحيان بمعدلات أكبر من النفط، وهو ما يمنح الشركات الأوروبية ميزة إضافية في أوقات الأزمات.

وفي الوقت نفسه، أكد الدكتور عمرو يوسف أن أرباح الشركات الأمريكية قد تتحسن في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول، خاصة أن ارتفاع أسعار الأسهم خلال الفترة الماضية كان مبنيًا بدرجة كبيرة على توقعات نمو مستقبلية. ولفت إلى أن عددًا من هذه الشركات اتجه إلى إعادة شراء الأسهم وتوزيع الأرباح النقدية للحفاظ على ثقة المستثمرين ودعم جاذبية أسهمها.

وأشار إلى أن استمرار الأزمة قد يدفع أوروبا وآسيا إلى زيادة الاعتماد على الإمدادات الأمريكية من النفط والغاز، وهو ما قد يعزز أرباح شركات الطاقة الأمريكية خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد أن أصبحت الولايات المتحدة واحدة من أكبر مصدري النفط والغاز في العالم.

اقرأ أيضًا: النفط بين توترات مضيق هرمز ونزيف المخزونات العالمية

صمود أرباح شركات النفط الصينية

فيما يتعلق بالشركات الصينية، قال يوسف إن أداءها القوي يرتبط بدرجة كبيرة بالدعم الحكومي والتحولات الداخلية في السوق الصينية، موضحًا أن الصين تضررت من أزمة المضيق لأنها كانت تعتمد على واردات كبيرة من الطاقة عبر هرمز، تصل وفق التقديرات إلى نحو 40% إلى 50% من احتياجاتها المرتبطة بمصادر الطاقة.

وأضاف أن الدعم الحكومي الصيني ساعد الشركات على تحقيق نتائج إيجابية، حيث ارتفعت أرباح أهم شركتي نفط في الصين بنحو 55%، مسجلة أكثر من 7 مليارات دولار، كما حققت سينوبك قفزة كبيرة في الأرباح بلغت نحو 832%، مدفوعة بتحسن قطاع البتروكيماويات والتحول الداخلي في الصين نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.

الشركات العاملة في مناطق التوتر

شدد الدكتور عمرو يوسف على أن الهياكل المالية لشركات الطاقة الكبرى قادرة على استيعاب الصدمة بدرجات متفاوتة، لكن الأمر يتوقف على مدى تنوع مصادر الدخل، وحجم المخزونات، ومرونة سلاسل التوريد، وتوافر التغطية التأمينية، والقدرة على تغيير مسارات الشحن.

وأوضح أن بعض الشركات ستستفيد من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على البدائل، بينما ستعاني شركات أخرى من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وصعوبة التصدير، خصوصًا الشركات العاملة في مناطق التوتر أو التي لا تمتلك بدائل تشغيلية واستراتيجية كافية.

واختتم الدكتور عمرو يوسف تصريحاته بالتأكيد على أن أزمة مضيق هرمز أصبحت اختبارًا لقدرة شركات الطاقة والدول الكبرى على إدارة المخاطر الجيوسياسية، وأضاف أن المرحلة المقبلة ستكشف بوضوح من يمتلك المرونة المالية والتشغيلية، ومن سيظل رهينة للممرات البحرية المهددة وسلاسل الإمداد الهشة.

اقرأ أيضًا: ترامب وبينغ ومضيق هرمز.. مثلث الضغط الذي ينهي حرب إيران

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة