تداول أذون الخزانة في البورصة المصرية يشعل الجدل

أثار قرار إتاحة تداول أذون وسندات الخزانة الحكومية في البورصة المصرية جدلًا واسعًا بين الخبراء، بين من يراه نقلة مهمة لتعميق السوق وزيادة السيولة، ومن يدعو إلى دراسة آثاره الاقتصادية بعناية لضمان الحفاظ على الاستقرار المالي.

من جانبها، أكدت حنان رمسيس خبيرة أسواق المال أن تطبيق نظام G‑FIT لتداول أذون وسندات الخزانة الحكومية يمثل تحولًا مهمًا في هيكل سوق المال المصري، ويُعد هذا النظام منصة إلكترونية تتيح للمستثمرين الأفراد والمؤسسات تداول أدوات الدين الحكومية مباشرة عبر البورصة المصرية، بنفس سهولة تداول الأسهم، ما يوفر شفافية أكبر ويسهّل عمليات البيع والشراء.

وأضافت رمسيس أن إتاحة هذه الأدوات للجمهور تعتبر خطوة طال انتظارها من قبل المتعاملين في السوق وشركات تداول الأوراق المالية، لما لها من تأثير مباشر على زيادة السيولة وتعميق السوق المالي.

بدء تداول أذون وسندات الخزانة في البورصة

قالت رمسيس إن  مطالب إتاحة تداول أذون وسندات الخزانة عبر شركات السمسرة كانت مطروحة منذ سنوات طويلة، نظرًا لكون هذه الأدوات كانت مقتصرة في السابق على البنوك والمؤسسات المالية الكبرى وبعض المستثمرين ذوي الملاءة المالية المرتفعة، وهو ما حدّ من استفادة المستثمر الفرد منها رغم كونها من أهم أدوات الاستثمار منخفضة المخاطر.

وأضافت أن بدء التداول الفعلي اعتبارًا  من أمس الأحد يمثل أحد أبرز القرارات التي شهدها سوق المال خلال الفترة الأخيرة، خاصة أن حجم أذون الخزانة في مصر كبير للغاية، وكان التداول عليها يتم بصورة أساسية داخل السوق الأولية عبر البنوك، بينما يفتح النظام الجديد المجال أمام التداول في السوق الثانوية داخل البورصة، بما يسمح بانتقال ملكية الأذون بسهولة بين المستثمرين.

وأوضحت خبيرة أسواق المال أن أهمية هذه الخطوة تتضاعف في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وارتفاع معدلات التضخم، حيث يبحث المستثمرون عن أدوات تحقق عائدًا أعلى من الودائع البنكية التقليدية، مشيرة إلى وجود فارق واضح بين العائد الذي يحصل عليه الأفراد من الودائع البنكية والعائد المتحقق من الاستثمار المباشر في أذون الخزانة.

وأشارت إلى أن البنوك، عند توظيف أموال المودعين، تلتزم بتوجيه نحو 18% من الأموال كاحتياطي إلزامي لدى البنك المركزي دون عائد، ما يعني أن البنك يستثمر فعليًا نحو 82% فقط من الأموال، ومع إضافة هامش التشغيل والربحية يصبح العائد النهائي الذي يصل إلى المستثمر أقل من العائد الكامل، بينما في أذون الخزانة يحصل المستثمر على العائد الناتج عن استثمار كامل قيمة أمواله، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية قوية.

اقرأ أيضًا: البورصة المصرية تبدأ تداول العقود الآجلة على المشتقات المالية

مزايا تداول أذون الخزانة للأفراد

أكدت رمسيس أن إتاحة التداول للأفراد تساهم في توسيع قاعدة المستثمرين داخل سوق المال المصري، بحيث لا يظل الاستثمار مقتصرًا على الأسهم فقط، بل يشمل أيضًا السندات وأذون الخزانة، الأمر الذي يعزز تنوع الأدوات الاستثمارية ويزيد من عمق السوق وكفاءته.

وأضافت أن إحدى أبرز المشكلات سابقًا كانت صعوبة دخول المستثمرين الأفراد إلى سوق أذون الخزانة بسبب تعقيدات الإجراءات داخل السوق الأولية، حيث كان المستثمر مضطرًا للتعامل المباشر مع البنوك، وهو ما لم يكن مناسبًا لصغار المستثمرين، أما الآن فقد أصبح بإمكان المستثمر تنفيذ عمليات الشراء والبيع بسهولة عبر تطبيقات شركات تداول الأوراق المالية، بنفس آلية تداول الأسهم داخل البورصة.

وأوضحت أن النظام الجديد يمنح المستثمرين مرونة كبيرة، إذ يمكنهم الدخول والخروج من الاستثمار بسهولة، وبيع الأذون قبل موعد الاستحقاق، والاستفادة من تحركات الأسعار، إضافة إلى تحقيق عائد أفضل مقارنة ببعض الأدوات الادخارية التقليدية.

وأكدت خبيرة أسواق المال أن الدولة أيضًا ستكون من أكبر المستفيدين من هذه الخطوة، حيث يساهم هذا النظام في تنويع مصادر التمويل الحكومية وزيادة قاعدة المستثمرين في أدوات الدين، وهو ما قد يساعد على خفض تكلفة الاقتراض مع زيادة الطلب على الإصدارات الحكومية.

تأثير القرار على القطاع المصرفي

فيما يتعلق بتأثير القرار على القطاع المصرفي، أوضحت رمسيس أن الأمر لا يمثل ضررًا مباشرًا للبنوك، لكنه يخلق حالة من المنافسة الصحية، خاصة في جذب مدخرات الأفراد، مشيرة إلى أن الاستثمار قصير الأجل كان لفترة طويلة شبه مقتصر على البنوك، بينما أصبحت أذون الخزانة الآن منافسًا حقيقيًا للودائع.

وأضافت أن هذه المنافسة تصب في مصلحة المستثمر، لأنها تدفع المؤسسات المالية إلى تحسين العوائد وتطوير المنتجات الادخارية وتقديم خدمات أكثر كفاءة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى رفع جودة الخدمات المالية داخل الاقتصاد.

وشددت على أهمية تطوير المنظومة مستقبلًا بحيث لا يقتصر التداول على السوق الثانوية فقط، بل يتم إتاحة المشاركة في السوق الأولية مثل مزادات أذون الخزانة التي تعقد بشكل دوري من خلال نفس الآلية بعد استقرار النظام، بما يعزز الشفافية ويزيد من سهولة وصول المستثمرين للأدوات الحكومية.

وفيما يخص تأثير النظام الجديد على الودائع البنكية، توقعت رمسيس أن يكون التأثير ملحوظًا إذا تم تطبيق الآلية بسهولة واستمرت إجراءات التداول في التطور، حيث قد تتجه شريحة من أموال المستثمرين الأفراد نحو أذون الخزانة بحثًا عن عائد أعلى ومرونة أكبر في إدارة السيولة.

قد يهمّك أيضًا: مصر تطلق خدمة Soft POS لقبول المدفوعات اللاتلامسية عبر الهاتف

منافسة قوية بين الودائع البنكية وأذون الخزانة

أشارت إلى أن الفترة المقبلة قد تشهد منافسة قوية بين الودائع البنكية وأذون الخزانة، خاصة مع اقتراب استحقاقات شهادات ادخار بقيمة تقترب من 1.3 تريليون جنيه، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة توجيه جزء من هذه السيولة نحو أدوات الدين الحكومية.

وأضافت أن عملاء الودائع عادة يفضلون أدوات الدخل الثابت، ولا يتجهون بسهولة إلى استثمارات مرتفعة المخاطر مثل الذهب أو الأسهم، إلا أن النظام الجديد قد يغير هذا السلوك تدريجيًا مع زيادة وعي المستثمرين بمزاياه، خاصة بعد تجربة التداول وسهولة استخدام المنصات الرقمية.

وأوضحت أن المرونة الزمنية التي توفرها أذون الخزانة تمثل عامل جذب مهمًا، إذ يمكن الاستثمار لفترات قصيرة للغاية قد تصل إلى أيام قليلة، مقارنة بالمدد الثابتة للودائع البنكية التي تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة، وهو ما يمنح المستثمر قدرة أكبر على إدارة أمواله وفق احتياجاته.

واختتمت حنان رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن تطبيق نظام G-FIT يمثل خطوة قوية نحو تعميق سوق المال المصري، وزيادة مشاركة الأفراد في أدوات الدين الحكومية، وتعزيز كفاءة الاستثمار، متوقعة أن يشهد السوق خلال الفترة المقبلة نشاطًا ملحوظًا وزيادة في أعداد المستثمرين، خاصة من فئة صغار المستثمرين، مع استمرار تطوير السوقين الأولية والثانوية ضمن المنظومة الجديدة.

مطالب بوقف التداول مؤقتًا

في المقابل، لفت الدكتور سيد الصيفي، أستاذ الاقتصاد، إلى ضرورة إعادة النظر في القرار، مطالبًا بوقف التداول مؤقتًا لحين دراسة التداعيات الاقتصادية والشرعية المحتملة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة قد تحمل آثارًا تتجاوز مجرد تطوير أدوات السوق المالية، وتمتد إلى الاستقرار النقدي والمالي للدولة.

وأوضح أستاذ الاقتصاد أن تداول أذون الخزانة التي يصدرها البنك المركزي داخل البورصة المصرية، خطوة تعني عمليًا أن المستثمر الذي يقوم بشراء أذون الخزانة من الحكومة لم يعد ملزمًا بالاحتفاظ بها حتى نهاية مدتها للحصول على قيمتها من الدولة، بل أصبح بإمكانه بيعها في السوق لمستثمر آخر بسعر أعلى من السعر الذي اشتراها به.

وأضاف أن الآلية الجديدة تسمح بانتقال ملكية أذون الخزانة بين المتعاملين في السوق، بحيث يصبح المشتري الجديد هو الطرف الذي يطالب الحكومة بقيمة الأذون عند انتهاء مدة التعاقد، وهو ما يحول أذون الخزانة من أداة ادخار قصيرة الأجل إلى أداة قابلة للتداول والمضاربة داخل السوق المالية.

وأشار الصيفي إلى أن هذه الخطوة تستدعي نقاشًا واسعًا، موضحًا أن أذون الخزانة في جوهرها تمثل دينًا على الدولة، وأن من يقوم بشرائها يعتبر دائنًا للحكومة، وبالتالي فإن بيع هذا الدين لطرف آخر يثير إشكاليات شرعية واقتصادية تستوجب الدراسة المتعمقة.

وأكد أن هناك آراء فقهية ترى أن تداول الدين بالبيع قد يندرج ضمن معاملات غير جائزة شرعًا، وهو ما يستدعي توضيحًا رسميًا من الجهات المختصة لضمان توافق الأدوات المالية مع الضوابط الشرعية، خاصة في مجتمع يولي أهمية كبيرة لهذا الجانب.

اقرأ أيضًا: الفرق بين السندات والصكوك.. للباحثين عن التعاملات المالية الإسلامية

تحذيرات من تداعيات التداول المفتوح

في سياق متصل، حذر أستاذ الاقتصاد من التداعيات الاقتصادية المحتملة لتداول أذون الخزانة بشكل واسع داخل الأسواق الثانوية، مستشهدًا بتجارب دولية سابقة، موضحًا أن الصين عندما أرادت ممارسة ضغوط اقتصادية على الولايات المتحدة قامت ببيع جزء من أذون وسندات الخزانة الأمريكية التي كانت تمتلكها، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة في الإصدارات الجديدة من أدوات الدين الأمريكية، وأسهم في حدوث تقلبات في قيمة الدولار وزيادة الضغوط على أسعار الفائدة.

وأضاف أن مثل هذه التحركات تؤكد أن أدوات الدين السيادي يمكن أن تتحول إلى وسيلة ضغط اقتصادي بين الدول، وهو ما دفع الولايات المتحدة لاحقًا إلى اتخاذ مواقف حازمة تجاه بعض شركائها، حيث مارست ضغوطًا على دول أوروبية للحد من بيع السندات الأمريكية، كما توصلت إلى تفاهمات مع اليابان لضمان عدم بيع حيازاتها بشكل مفاجئ، بما يحافظ على استقرار سوق الدين الأمريكي.

وأوضح الصيفي أن السيناريو ذاته قد يصبح ممكن الحدوث في حالة مصر إذا تم تداول أذون الخزانة دون ضوابط كافية، خاصة إذا لجأ بعض المستثمرين أو الدول إلى بيع الأذون المصرية بكميات كبيرة أو بأسعار أقل من قيمتها، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الثقة في أدوات الدين المحلية.

وأشار إلى أن مثل هذا الوضع قد يضع البنك المركزي أمام تحدٍ صعب، إذ قد يضطر إلى إصدار أذون خزانة جديدة بعوائد مرتفعة لجذب المستثمرين مرة أخرى، وربما بعوائد مرتفعة جدًا، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة الدين العام وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصاد ككل.

تأثير ارتفاع الفائدة على سعر صرف الجنيه

من ناحية أخرى، أشار الصيفي إلى أنّ ارتفاع الفائدة بهذه الصورة سينعكس بصورة مباشرة على سعر صرف الجنيه، حيث قد يؤدي إلى تراجع قيمته مرة أخرى نتيجة الضغوط المالية، الأمر الذي قد يدخل الاقتصاد في دائرة جديدة من عدم الاستقرار النقدي والمالي، وهو ما وصفه بأنه سيناريو قد يحدث “بفعل فاعل” نتيجة المضاربات أو التحركات المفاجئة في سوق أدوات الدين.

وشدد أستاذ الاقتصاد على أن الهدف من هذه التحذيرات ليس رفض تطوير الأسواق المالية، وإنما التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين تحديث الأدوات الاستثمارية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، داعيًا إلى دراسة التجارب الدولية بعناية ووضع ضوابط رقابية صارمة تضمن عدم استخدام أذون الخزانة كأداة للمضاربة أو الضغط على الاقتصاد الوطني.

واختتم الدكتور سيد الصيفي تصريحاته بالتأكيد على أهمية إدارة الدين العام بحذر شديد في المرحلة الحالية، في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وتقلبات الأسواق المالية، معربًا عن أمله في أن تسهم السياسات الاقتصادية المتوازنة في تخفيف أعباء الدين وتحقيق الاستقرار المالي، داعيًا الله أن يوفق البلاد في سداد ديونها ودعم استقرارها الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

قد يهمّك أيضًا: مصر على جدول اجتماعات صندوق النقد الدولي.. تمويل 2.3 مليار دولار

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة