تراجع الأسعار يعمق أزمة اقتصاد الصين

تقرير: باسل محمود
رغم الجهود المتواصلة لتحفيز الطلب وتعزيز النشاط الاقتصادي، يبدو أنَّ الاقتصاد الصيني لا يزال عالقًا في دائرة انكماشية تنذر بتداعيات أوسع؛ حيث كشفت بيانات شهر مايو عن استمرار الضغوط الانكماشية على الأسعار، مع تراجع مزدوج في مؤشري أسعار المستهلكين والمنتجين، ما يُفاقم التحديات أمام صانعي السياسات في بكين، ويُلقي بظلال ثقيلة على آفاق النمو في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بحسب “فايننشال تايمز”.

إشارات مقلقة رغم التحفيز

أظهر تقرير صادر عن المكتب الوطني للإحصاء في الصين، يوم الاثنين، أنَّ مؤشر أسعار المستهلكين انخفض 0.1% على أساس سنوي في شهر مايو، مواصلًا البقاء في نطاق الانكماش للشهر الرابع على التوالي.

لكن ما لفت الأنظار أكثر كان تراجع مؤشر أسعار المنتجين 3.3%، وهي أسرع وتيرة هبوط منذ يوليو 2023، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الشركات الصينية في ظل ضعف الطلب وتراجع هوامش الربحية.

هذه الأرقام -رغم تواضعها في ظاهرها- إلا أنها تشكل ناقوس خطر على قدرة الاقتصاد الصيني، في الحفاظ على استقراره الهيكلي، وسط محاولات مضنية لتحفيز الإنفاق المحلي وكبح تباطؤ النمو الصناعي.

اقرأ أيضًا: أمريكا تُدير ظهرها للسلع الصينية.. فأين ستذهب هذه الصادرات؟

العقارات والتجارة.. أزمتان تتغذيان على بعضهما

يأتي هذا التراجع في الأسعار في وقت يُعاني فيه الاقتصاد الصيني من تباطؤ ممتد في قطاع العقارات، الذي يعد تقليديًا محركًا رئيسيًا للنمو، وقد أثّر ركود السوق العقارية سلبًا على الطلب على المواد الخام والصناعات المرتبطة بالبناء، وأسهم في كبح التوسع الاستهلاكي.

بالتوازي، تصاعدت التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، ما زاد من هشاشة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. وتشير التقديرات إلى أنَّ محادثات تجارية بين بكين وواشنطن ستُعقد في لندن بعد أيام من مكالمة هاتفية جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ، في محاولة لاحتواء الانفجار المحتمل في مسار التصعيد التجاري.

هذه التطورات ضاعفت الضغوط على صناع القرار في بكين، وأعادت إلى السطح تساؤلات قديمة حول جدوى النموذج الصيني الحالي، وما إذا كانت أدوات السياسة النقدية والسياسة المالية كافية للسيطرة على الأزمة.

التيسير النقدي تحت المجهر

في محاولة للاستجابة للضغوط، أعلن بنك الشعب الصيني الشهر الماضي عن خفض أسعار الفائدة الرئيسية، في خطوة تهدف إلى ضخ مزيد من السيولة في الأسواق وتحفيز الاقتراض، خاصة في قطاع الإسكان الذي يُعد في صلب الأزمة الهيكلية الحالية.

وشمل المسار التيسيري أيضًا تخفيض معدلات الفائدة على القروض العقارية، في محاولة لإحياء الطلب المتراجع على المساكن، لكن لا تزال مؤشرات السوق العقارية تُظهر حالة من التباطؤ الحاد، ما يشير إلى أن التأثير الفوري لقرارات البنك المركزي قد يكون محدودا على المدى القصير.

قد يهمّك أيضًا: خطة “صنع في الصين” تُربك ميزان القوى الصناعي العالمي

صناعة السيارات تحت الضغط

التحدِّيات لا تقتصر على العقارات وحدها، بل تمتد إلى القطاعات الصناعية، وعلى رأسها قطاع السيارات، حيث تواجه الشركات الصينية منافسة محتدمة تدفعها إلى تخفيض واسع في الأسعار للحفاظ على حصتها السوقية.

وفي ظل التباطؤ الاقتصادي، دخلت كبرى شركات السيارات في البرِّ الرئيسي صراعًا على الحصة السوقية أدى إلى تآكل هوامش الأرباح وتزايد فائض الطاقة الإنتاجية، وقد انعكس ذلك على مؤشر أسعار المنتجين الذي سجل أحد أسوأ مستوياته منذ عامين.

هذه الحرب السعرية -وإن بدت من الخارج دليلًا على ديناميكية السوق- إلا أنها تخفي خلفها معركة شرسة للبقاء، مع اعتماد الشركات على هوامش منخفضة وتوقعات غير مؤكدة حول تعافي الطلب المحلي.

ارتفاع التضخم الأساسي.. مؤشر إيجابي محدود

وسط كل هذه الأرقام المقلقة، برز تطور لافت هو ارتفاع التضخم الأساسي الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة بنسبة 0.6%، وهو أعلى مستوى له منذ قرابة عام، لكن وفقًا للخبير الاقتصادي تشيشون هوانغ من مؤسسة كابيتال إيكونوميكس، فإنَّ هذه الإشارة الإيجابية يجب قراءتها بحذر.

الاقتصاد الصيني -كما يوضح الخبير الصيني- لا يزال يُعاني من الطاقة الإنتاجية الفائضة، ما سيُبقي على الأرجح على حالة الانكماش خلال العام الجاري والعام المقبل، ما لم تتخذ بكين إجراءات هيكلية أكثر جرأة.

اقرأ أيضًا: رسوم ترامب الجمركية تشعل مواجهة تجارية جديدة مع الصين وأوروبا

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة