تراجع تمويل الصين لإفريقيا.. نهاية عصر المليارات
لم يكن تراجع تمويل الصين لإفريقيا في عام 2024 حدثًا ماليًا عابرًا يمكن وضعه في خانة الأرقام فحسب، إذ إن هبوط التمويل إلى 2.1 مليار دولار، أي أقل بنحو النصف مقارنة بعام واحد فقط، يعكس تحولًا استراتيجيًا في علاقة امتدت قرابة عقدين بين بكين والقارة السمراء، ففي هذا الرقم الصغير قياسًا بسنوات المليارات تختبئ قصة أكبر مفادها أن الصين لا تنسحب من إفريقيا، بل تعيد تعريف وجودها هناك وتغيّر قواعد اللعبة التي شكّلت ذات يوم عنوانًا لنفوذها العالمي.
من تمويل ضخم إلى انتقاء مدروس
لأكثر من عقد، اعتادت إفريقيا أن تنظر إلى بكين بوصفها الممول السخي الذي لا يكثر من الأسئلة حول المخاطر أو استدامة الدين، فمنذ عام 2006 دخل الإقراض الصيني مسارًا تصاعديًا بلغ ذروته بين 2012 و2018 مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق، حيث تجاوز التمويل عشرة مليارات دولار سنويًا، وفي عام 2016 وصلت القروض إلى 28.8 مليار دولار، وهو رقم شكّل في حينه حجر الزاوية في بناء طرق وسكك حديد وموانئ وسدود امتدت عبر القارة.
لكن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيًا، فابتداءً من عام 2020 لم يتجاوز إجمالي الإقراض خمسة مليارات دولار سنويًا، إلى أن هبط في عام 2024 إلى أدنى مستوى له منذ ما قبل طفرة الحزام والطريق، وهذه الأرقام لا تعبّر عن تراجع في القدرة المالية الصينية بقدر ما تكشف عن مراجعة عميقة لدروس العقد الماضي، حين تحولت بعض القروض إلى عبء مالي وسياسي مع تعثر السداد في عدد من الدول، فضلًا عن تصاعد اتهامات “فخ الديون” التي أدت إلى إعادة تقييم التكلفة الجيوسياسية لهذا الانخراط الواسع.
اقرأ أيضًا: الصين وإفريقيا .. شراكة تثير قلق الغرب
إعادة معايرة استراتيجية بدلًا من الانسحاب
ما تسميه بكين إعادة معايرة هو في الواقع انتقال من فلسفة الكم إلى فلسفة النوع، والباحثون الذين أعدوا التقرير الصادر عن مركز سياسات التنمية العالمية في جامعة بوسطن كانوا واضحين: الصين لم تدِر ظهرها لإفريقيا، لكنها باتت تتجنب القروض السيادية الضخمة، وتفضّل مشروعات أصغر وأكثر استراتيجية، وذات جدوى تجارية واضحة.
هذا التحول يغيّر طبيعة العلاقة، فبدلًا من تمويل مشاريع بنية تحتية هائلة تستغرق سنوات طويلة قبل أن تولد عائدًا، تتجه الصين إلى قطاعات مثل التكنولوجيا وبعض الخدمات والبنية الأساسية الانتقائية، والرسالة الضمنية هنا أن التمويل لن يكون بعد اليوم أداة سياسية صرفة، بل استثمارًا محسوبًا بعناية.
اليوان يتقدم على حساب الدولار
أحد أكثر أبعاد التحول عمقا هو التحول من الدولار الأميركي إلى اليوان. في كينيا، كانت جميع قروض البنية التحتية الصينية خلال 2024 مقومة بالرينمينبي. وفي خطوة لافتة، جرى تحويل ديون قائمة لمشروع سكك حديد كينيا القياسية إلى العملة الصينية، ما يُتوقع أن يخفض تكاليف خدمة الدين السنوية بنحو 215 مليون دولار.
اقتصاديا، يبدو هذا التحول مغريا للدول الإفريقية التي عانت من تقلبات الدولار وارتفاع الفائدة الأميركية، وتقليل التعرض للعملة الخضراء قد يعني استقرارا أكبر في خدمة الدين، وربما شروطا تمويلية أقل قسوة، ولكن المخاطر لا تختفي، بل تتبدل، فالدول ذات الاحتياطيات المحدودة من اليوان تجد نفسها أمام نوع جديد من مخاطر العملة، مرتبطا بميزان التجارة مع الصين نفسها، ومن زاوية بكين، هذا التحول يخدم هدفين في آن واحد: تدويل اليوان وتعميق حضوره في التجارة والتمويل الدوليين، وتقليل اعتمادها على نظام مالي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
الطاقة الخضراء.. وعود بلا زخم
رغم الخطاب الصيني المتكرر حول التحول الأخضر، لا تزال القروض السيادية لمشروعات الطاقة النظيفة في إفريقيا محدودة، والدعم الصيني قد يتجه في المرحلة المقبلة إلى تمويل الدراسات التمهيدية وتحديد المشروعات، بدلا من تمويل التنفيذ الكامل.
هذا التوجه يحمل دلالتين. الأولى أن الصين لم تعد راغبة في تحمل كامل مخاطر المشروعات الخضراء في بيئات عالية المخاطر. والثانية أنها تسعى إلى لعب دور المحفّز، الذي يفتح الطريق أمام الاستثمار الخاص، بدلا من أن تكون الممول الوحيد، وبالنسبة لإفريقيا، يعني ذلك أن التحول إلى الطاقة النظيفة سيعتمد أكثر على قدرة الحكومات على جذب شركاء آخرين، وليس فقط على القروض الصينية.
تركيز التمويل الصيني في دول محدودة
حتى في عام التراجع الحاد، بقي توزيع القروض الصينية داخل إفريقيا غير متكافئ، إذ استحوذت ست دول فقط على النصيب الأكبر وهي أنغولا وإثيوبيا وكينيا وزامبيا ونيجيريا ومصر، وكانت أنغولا وحدها قد حصلت منذ عام 2000 على أكثر من ربع إجمالي الإقراض بما يقارب 49 مليار دولار، وهو رقم يعكس عمق العلاقة النفطية بين البلدين.
وفي عام 2024 واصلت أنغولا تصدر المشهد بحصولها على نحو 1.45 مليار دولار معظمها جرى توجيهه إلى مشروعات كهرباء وبنية تحتية قرب لواندا، ما يوضح أن الصين لا تزال تفضّل الاقتصادات التي تمتلك موارد استراتيجية أو تاريخًا طويلًا من العلاقات معها، في حين تتراجع حظوظ دول أخرى كانت تعتمد على التمويل الصيني بوصفه رافعة تنموية أساسية.
ربما كان المؤشر الأوضح على نهاية عصر المليارات هو عدد المشروعات نفسها، إذ موّلت الصين في عام 2024 ستة مشروعات فقط عبر القارة، ولم يتجاوز أي قرض منفرد حاجز المليار دولار، وهو تقلّص عددي يعكس انتقالًا من انتشار واسع إلى تركيز حاد.
من منظور الأسواق، هذا يعني أن الوصول إلى التمويل الصيني سيصبح أكثر صعوبة وتنافسية وخاضعًا بدرجة أعلى لمعايير الجدوى والعائد، بينما يفرض هذا الواقع على الحكومات الإفريقية إعادة التفكير في نماذج التنمية التي تأسست خلال العقد الماضي على وفرة التمويل الخارجي منخفض التكلفة.
اقرأ أيضًا: كم تبلغ ديون الصين على دول إفريقيا؟
ما الذي يعنيه هذا التحول لإفريقيا؟
تُغلق الصين صنبور المليارات في لحظة تعاني فيها العديد من الدول الإفريقية من ضغوط دين مرتفعة وصعوبة في الوصول إلى أسواق المال الدولية، وهو ما يضع الحكومات أمام خيارات معقدة تتمثل إما في تحسين الجدارة الائتمانية لجذب الاستثمارات الخاصة، أو البحث عن ممولين بديلين بشروط قد تكون أكثر صرامة.
وعلى المستوى السياسي يقلص هذا التحول النفوذ الصيني الذي كان يستند إلى الإقراض السخي، لكنه لا يلغي وجوده، بل يعيد تشكيله من الكم إلى النوع، ومن مشروعات الطرق والسكك الحديدية إلى الدائرة الأكثر استراتيجية المتمثلة في العملة والتكنولوجيا وسلاسل القيمة.
دروس العقد الماضي تعيد تشكيل تمويل الصين لإفريقيا
الدروس التي استخلصتها بكين من العقد الماضي حاضرة في كل رقم، فاستدامة الدين وإدارة المخاطر لم تعد شعارات أكاديمية، بل اعتبارات حاسمة في صنع القرار المالي، والقروض التي تحولت إلى عبء سياسي داخل إفريقيا، أو إلى مادة نقدية في الغرب، دفعت الصين إلى تبني نهج أكثر تحفظًا يقلل من احتمالات التعثر، لكنه يحد أيضًا من التأثير السريع الذي كانت تحققه مبادرات البنية التحتية العملاقة، وبكين تبدو مستعدة للتنازل عن الزخم مقابل الاستقرار.
التحول الصيني يضع القارة أمام لحظة مفصلية، فالاعتماد المفرط على ممول واحد أثبت هشاشته، ومع انحسار الإقراض الصيني تصبح الحاجة ملحّة إلى تنويع مصادر التمويل، وتعزيز الشفافية، وربط المشروعات بعوائد اقتصادية واضحة. وفي المقابل، قد يمنح هذا التحول بعض الدول مساحة أكبر لإعادة التفاوض على أولوياتها التنموية، بعيدًا عن مشاريع ضخمة لا تخدم دائما الاقتصاد المحلي.
اقرأ أيضًا: صراع اقتصادي جديد.. اليابان تنافس الصين في إفريقيا