تراجع الدولار في مصر.. هل يعيش الجنيه فوق قيمته الحقيقية؟

شهد سعر الدولار في مصر خلال الأسابيع الأخيرة تراجعًا ملحوظًا ومفاجئًا، عقب إعلان البنك المركزي ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية ليتجاوز حاجز 50 مليار دولار للمرة الأولى، بعدما زاد بنحو 538 مليون دولار ليصل إلى 50.071 مليار دولار بنهاية أكتوبر الماضي، مقابل 49.533 مليار دولار في سبتمبر.

ورغم أن هذا التطور يعكس تحسنًا نسبيًا في قدرات الدولة على توفير العملة الصعبة، فإن البيانات الرسمية الأخرى تسير في اتجاه مغاير تمامًا، حيث تتسارع وتيرة الاقتراض المحلي والخارجي بشكل غير مسبوق، وتتزايد معها التزامات ضخمة تستحق السداد خلال سنوات قليلة قادمة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول منطقية تراجع الدولار في ظل هذه الضغوط.

قفزة حادة في مستويات الاقتراض المحلي والخارجي

في قراءة تحليلية لهذا المشهد، قدم الخبير الاقتصادي هاني توفيق رؤية واضحة وصريحة بشأن مستويات الاقتراض الأخيرة، مؤكدًا أنها تستدعي القلق سواء على مستوى الدين المحلي أو الخارجي، وأوضح أن الحكومة اقترضت خلال ثلاثة أشهر فقط نحو 2520 مليار جنيه، وهو رقم هائل يعكس حجم الضغوط التمويلية التي تواجه الموازنة العامة، سواء بسبب فجوة الإنفاق والإيرادات، أو لتغطية احتياجات الدولة من برامج الحماية الاجتماعية وخدمة الدين ومتطلبات الاستثمار الحكومي.

ولا يتوقف الأمر عند حد الاقتراض المحلي، إذ أشار توفيق إلى أن الدين الخارجي بلغ نحو 161 مليار دولار، وهو رقم يعكس اعتمادًا متزايدًا على التمويل الخارجي، في وقت تستعد فيه مصر لسداد ما يقرب من 30 مليار دولار كخدمة دين خارجي في عام 2026، بين أقساط وفوائد مستحقة.

ويرى الخبير أن هذه الالتزامات تمثل ضغطًا ثقيلًا على موارد الدولة من العملة الصعبة، والتي تعتمد بشكل أساسي على السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج والصادرات، وهي مصادر لا تزال تواجه تحديات في تحقيق قفزة نوعية في حجم تدفقاتها.

تراجع الدولار في مصر رغم ارتفاع مستويات الدين

انتقد توفيق ما وصفه بعدم اتساق هذه المؤشرات مع اتجاه سعر الدولار الحالي، لافتًا إلى أن المنطق الاقتصادي يفترض أن يؤدي ارتفاع مستويات الدين وضعف قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي إلى ارتفاع سعر الدولار أو على الأقل استقراره عند مستويات مرتفعة، والاتجاه المتواصل لخفض سعر الدولار، من وجهة نظره، لا يعكس الواقع، ولا يتناسب مع حجم الالتزامات المالية ولا مع طبيعة الهيكل الاقتصادي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.

وحذر الخبير من أن التقييم المبالغ فيه لقيمة الجنيه قد يترك آثارًا سلبية مباشرة على الميزان التجاري، إذ يؤدي إلى تراجع تنافسية الصادرات المصرية وارتفاع تكلفة إنتاجها بالنسبة للأسواق الخارجية، في الوقت الذي تسهّل فيه قوة الجنيه الافتراضية زيادة الواردات، مما يفاقم العجز التجاري بدلًا من تحسينه، ويرى توفيق أن قوة الجنيه غير الواقعية تعطي انطباعًا زائفًا بالاستقرار، بينما الحقيقة أن هذا الاستقرار لا يستند إلى قاعدة اقتصادية صلبة.

اقرأ أيضًا: التضخم في مصر يضغط على الاقتصاد وينذر بركود وشيك

القيمة الحقيقية للجنيه المصري

أكد الخبير أنَّ معالجة هذا الوضع تتطلب قدرًا أكبر من الواقعية والشفافية في تحديد قيمة الجنيه، بحيث يعكس سعر الصرف قيمته الفعلية المرتبطة بالإنتاج الحقيقي وحجم الصادرات والموارد الثابتة من النقد الأجنبي، لا بناء على تدفقات مالية مؤقتة، مشددًا على أن الخروج من دائرة الاعتماد المتكرر على الاقتراض يستوجب استراتيجية إنتاجية واضحة تعزز التصنيع المحلي، وتزيد القيمة المضافة، وتفتح الأسواق أمام الصادرات المصرية، مع تقليص الاعتماد على الواردات التي تستنزف الاحتياطي النقدي.

كما حذّر من الاعتماد المفرط على ما يُعرف بـ “الأموال الساخنة”، وهي الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل التي تدخل البلاد للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة ثم تغادر سريعًا عند أول اضطراب، ويرى توفيق أن هذه التدفقات -رغم أنها قد توفر دعمًا مؤقتًا لسعر العملة- فإنها تشكل خطرًا كبيرًا عند خروجها المفاجئ، لأنها لا تمثل استثمارًا حقيقيًا ولا تخلق وظائف أو طاقة إنتاجية، بل قد تزيد من هشاشة السوق وتفاقم أزمات سعر الصرف.

مطالب بسياسات نقدية منضبطة

شدَّد الخبير على أن مصر في حاجة ملحّة إلى ترشيد التعامل مع هذه التدفقات قصيرة الأجل، والتركيز بدلًا من ذلك على جذب استثمارات مباشرة طويلة الأجل في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة وغيرها من القطاعات القادرة على خلق قيمة اقتصادية مستقرة، ورفع القدرة على توليد موارد دائمة من النقد الأجنبي.

وفي ختام تصريحاته، دعا هاني توفيق إلى تبني سياسة نقدية أكثر انضباطًا تستند إلى قراءة دقيقة للبيانات الاقتصادية وتعكس تقييمًا موضوعيًا لقيمة الجنيه دون مبالغة أو تجميل، فهو يرى أن استقرار الاقتصاد يتطلب وجود سعر صرف عادل يعبر عن قوته الحقيقية، ويتيح امتصاص الصدمات الخارجية وتحسين الميزان التجاري وتقليل الحاجة إلى الاقتراض، مؤكدًا أن النجاح في ذلك لا يتحقق إلا من خلال إصلاح هيكلي شامل يعزز الإنتاج والتصدير ويقلل الاعتماد على الديون، ليصبح الاقتصاد قادرًا على دعم عملته دون مساندة استثنائية أو تدفقات مؤقتة.

اقرأ أيضًا: هل يقود إعفاء السلع المصرية من الجمارك طفرة في الصادرات إلى الصين؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة