تراجع الدولار في مصر وسط تحذيرات من تحركات الأموال الساخنة

تراجع سعر الدولار في مصر مقابل الجنيه في عدد من البنوك، ليُسجّل نحو 47 جنيهًا للشراء، غير أن هذا الانخفاض يأتي وسط تحذيرات من هبوط غير منضبط قد يُتيح للأموال الساخنة الخروج وإعادة شراء الدولار عند مستويات أدنى، رغم دخولها سابقًا بأسعار مرتفعة وبفوائد تقارب 30%، بما يشكل خسارة مزدوجة للاقتصاد.

وكان بنك ستاندرد تشارترد قد عدّل توقعاته لسعر الدولار إلى 47.5 جنيه خلال الربع الأول من 2026 بدلًا من 49 جنيهًا، ويرتبط التراجع بتحسّن تدفقات النقد الأجنبي المدفوعة بارتفاع عوائد السياحة وتحويلات العاملين بالخارج والاستثمارات، إلى جانب استقرار نسبي في سوق الصرف.

أسباب تراجع الدولار في مصر

قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن تراجع سعر الدولار الأمريكي في مصر واقترابه من مستوى 47 جنيهًا للدولار لا يعتبر مفاجأة، بل يأتي متسقًا مع المسار الذي رسمته تقارير المؤسسات الدولية وتوقعات المحللين الاقتصاديين، وفي مقدمتها تقديرات Fitch Ratings، التي رجّحت في أحدث تقاريرها انخفاض متوسط سعر صرف الدولار مقابل الجنيه خلال عام 2025 إلى نحو 48.91 جنيه، على أن يواصل التراجع خلال عام 2026 ليقترب من 47.5 جنيه، قبل أن يشهد تحركات محدودة لاحقًا، ثم يعاود الارتفاع على المدى الطويل ليصل إلى 55.65 جنيهًا للدولار بحلول عام 2034.

وأوضح الجرم أن هذه التوقعات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتوجهات السياسة النقدية، حيث أشارت فيتش إلى تراجع سعر الفائدة إلى نحو 21% بنهاية 2025، ثم استمرار الانخفاض ليصل إلى 11.25% خلال عام 2026، وهو ما يعكس توقعات واضحة بمرحلة تيسير نقدي تدعم النشاط الاقتصادي وتعيد تشكيل خريطة التدفقات الاستثمارية نحو السوق المصرية.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن خفض الفائدة، بالتوازي مع تحسن مؤشرات الاستقرار المالي، يعزز فرص تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بوتيرة أكبر خلال الفترة المقبلة، بما ينعكس مباشرة على زيادة موارد النقد الأجنبي، ويدعم قدرة البنك المركزي المصري على تعزيز الاحتياطيات الدولية لتقترب من مستوى 55 مليار دولار، مدفوعة بنمو ملحوظ في الصادرات غير النفطية، وارتفاع إيرادات قطاع السياحة، إلى جانب القفزة غير المسبوقة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي من المتوقع أن تقترب من 40 مليار دولار.

اقرأ أيضًا: الاقتصاد المصري 2026 بين فرص حقيقية وضغوط مستمرة

مخاطر محتملة لتراجع سعر الدولار في مصر

في المقابل، حذّر الدكتور رمزي الجرم من قراءة المشهد بنظرة وردية كاملة، مشيرًا إلى أن انخفاض سعر صرف الدولار والعملات الأجنبية الأخرى أمام الجنيه، رغم كونه إيجابيًا للاقتصاد الحقيقي، يحمل مخاطر محتملة تتعلق بالاستثمارات الأجنبية غير المباشرة في أدوات الدين الحكومية، أو ما يعرف بـ”الأموال الساخنة” .

وأوضح أن تراجع أسعار الفائدة بنحو 725 نقطة أساس خلال عام 2025، مع توقعات بخفض إضافي يقارب 600 نقطة أساس بنهاية 2026، قد يضعف جاذبية العائد داخل السوق المصرية بالنسبة لهذا النوع من الاستثمارات قصيرة الأجل.

وأشار إلى أن هذا الوضع قد يدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى إعادة تحويل استثماراتهم من الجنيه إلى الدولار أو العملات الأجنبية الأخرى، مستفيدين من انخفاض سعر الصرف، بما يسمح لهم بالحصول على كميات أكبر من العملات الأجنبية مقارنة بما دفعوه عند دخولهم السوق، وهو سيناريو يستدعي الحذر والمتابعة الدقيقة.

وأكد الجرم في ختام تصريحاته أن حدة هذا الخطر تظل محدودة نسبيًا في ظل الاتجاه العالمي العام نحو خفض أسعار الفائدة من جانب عدد كبير من البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث موجة نزوح حادة للاستثمارات، شبيهة بتلك التي شهدتها الأسواق الناشئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2022، مشددًا على أن الفارق هذه المرة يكمن في تحسن الأساسيات الاقتصادية وتنوع مصادر النقد الأجنبي داخل الاقتصاد المصري.

اقرأ أيضًا: “باول” أمام تحقيق جنائي وسط ضغوط “ترامب” لخفض الفائدة

الأموال الساخنة.. كيف تربح في كل الأحوال؟

من جانبه، قال الدكتور السيد الصيفي، أستاذ الاقتصاد الكلي، إن تراجع سعر الدولار في السوق المصرية يُعد تطورًا إيجابيًا على مستوى المؤشرات الظاهرية، لكنه في الوقت نفسه يستوجب قدرًا كبيرًا من الحذر في قراءة أسبابه وتداعياته، خاصة فيما يتعلق بدور ما يعرف بـ”الأموال الساخنة” في هذا التحرك.

وأوضح الصيفي أن جزءًا مهمًا من التدفقات الأجنبية التي دخلت السوق خلال الفترات الماضية جاء عند مستويات مرتفعة لسعر الصرف، اقتربت من 50 جنيهًا للدولار، واستفادت في الوقت ذاته من أسعار فائدة مرتفعة تلامس 30%، وهو ما منح هذه الاستثمارات عائدًا مزدوجًا، سواء من فروق الفائدة أو من تقلبات سعر الصرف.

وأضاف أن الخطورة الحقيقية تكمن في السماح لهذه الأموال بالخروج من السوق وإعادة شراء الدولار عند مستويات أقل، مثل 47 جنيهًا، معتبرًا أن ذلك يعني عمليًا تحقيق مكاسب مضاعفة على حساب الاقتصاد المحلي، وهو ما وصفه بأنه “خلل واضح في إدارة حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل” .

وشدد على أن القاعدة الاقتصادية السليمة تقتضي أن من دخل السوق عند سعر صرف معين، يجب أن يخرج عند مستوى قريب منه، وليس الاستفادة من فروق سعرية إضافية تمثل عبئًا غير مباشر على الاحتياطي النقدي واستقرار السوق.

وأكد أستاذ الاقتصاد الكلي أن التعامل غير المنضبط مع الأموال الساخنة قد يمنح صورة مؤقتة عن تحسن سعر الصرف، لكنه في الواقع يراكم مخاطر مستقبلية، إذ أن هذه التدفقات لا ترتبط باستثمارات إنتاجية حقيقية، ولا تضيف طاقات تصديرية أو فرص عمل، بل تتحرك وفق اعتبارات الربح السريع، وتخرج عند أول إشارة اضطراب.

تحذيرات من موجة خروج مفاجئة للأموال الساخنة

أشار الصيفي إلى أن المطلوب في هذه المرحلة هو إدارة أكثر حسمًا لتوقيتات دخول وخروج هذه الأموال، وربطها باعتبارات الاستقرار النقدي طويل الأجل، وليس الأهداف قصيرة الأجل المتعلقة بخفض سعر الدولار بصورة سريعة، كما دعا إلى عدم الخلط بين التحسن المدفوع بتدفقات مؤقتة، والتحسن القائم على أسس اقتصادية حقيقية مثل زيادة الصادرات، وتحسن الميزان التجاري، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن انخفاض الدولار يصبح إنجازًا حقيقيًا فقط عندما يكون نابعًا من قوة الاقتصاد وقدرته على توليد عملة صعبة مستدامة، وليس نتيجة تحركات انتهازية لرؤوس أموال قصيرة الأجل، محذرًا من أن تجاهل هذه الفروق قد يفقد السوق مكاسبها سريعًا عند أول موجة خروج مفاجئة لتلك الأموال.

اقرأ أيضًا: خفض الدين العام في مصر.. ما هي خطة الحكومة وما فرص نجاحها؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة