سجّلت عملة البيتكوين، أكبر العملات المشفّرة في العالم من حيث القيمة السوقية، رقمًا قياسيًا جديدًا صباح اليوم الأحد، بعد أن تجاوزت حاجز 125 ألف دولار أمريكي للمرة الأولى في تاريخها، في صعودٍ وصفه خبراء الاقتصاد بأنه ليس مجرد ارتفاعٍ مضاربي مؤقت، بل مؤشر على تحول عميق في النظام المالي العالمي واتجاهات الاستثمار المؤسسي.
وقال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن هذا الارتفاع التاريخي الذي شهدته البيتكوين يعكس تحولًا جوهريًا في المزاج الاستثماري العالمي، وتراجعًا تدريجيًا في الثقة بالعملات التقليدية وعلى رأسها الدولار الأمريكي، وأضاف أن تجاوز العملة لحاجز 125,245 دولارًا في تعاملات اليوم، بزيادة بلغت 2.7% خلال يوم واحد، هو تأكيد على عودة الزخم إلى سوق الأصول الرقمية بعد فترة من الهدوء النسبي.
وأشار إلى أن هذا المستوى الجديد كسر الرقم القياسي السابق المسجل في أغسطس الماضي عند 124,480 دولارًا، مما يدل على تجدد ثقة المستثمرين في العملات المشفرة كأدوات تحوط فعالة ضد التقلبات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم، خاصة في ظل اضطراب الأسواق المالية وتزايد الضغوط على العملات الورقية.
السياسات الأمريكية تمهد الطريق للصعود
أوضح عبد الهادي أن هذا الارتفاع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تغير النهج الأمريكي الرسمي تجاه الأصول الرقمية، إذ تبنت إدارة الرئيس دونالد ترامب خلال الأشهر الأخيرة سياسة أكثر مرونة في التعامل مع العملات المشفرة، هذه السياسة الجديدة خففت القيود التنظيمية وأعطت مؤسسات كبرى الضوء الأخضر لدخول السوق بشكل قانوني ومنظّم.
وأوضح أن هذه البيئة التنظيمية المشجعة أسهمت في جذب المؤسسات المالية الكبرى وصناديق الاستثمار العالمية، التي ضخت مليارات الدولارات في السوق عبر صناديق البيتكوين المتداولة في البورصة (ETFs)، وهي أدوات مالية أصبحت من أبرز محركات الطلب خلال العام الجاري، حيث وفرت للمستثمرين المؤسسيين طريقة آمنة ومنظمة للتعامل مع الأصول الرقمية.
وأضاف عبد الهادي أن هذه الموجة من السيولة تزامنت مع ارتفاع أسواق الأسهم الأمريكية، ما عزز شهية المخاطرة لدى المستثمرين، لكنها أيضًا ارتبطت بحالة عدم اليقين في واشنطن نتيجة الإغلاق الحكومي وتأخر صدور بيانات اقتصادية حيوية مثل تقارير الوظائف والنمو، ما دفع المؤسسات إلى تنويع محافظها بعيدًا عن النظام المالي التقليدي.
تراجع الدولار الأمريكي وصعود البيتكوين
أكد عبد الهادي أن أحد أهم العوامل الدافعة وراء هذا الصعود القوي هو تراجع قيمة الدولار الأمريكي أمام سلة العملات الرئيسية، نتيجة التوترات السياسية والمالية الداخلية في الولايات المتحدة. وأشار إلى أن هذا التراجع يعكس فقدان الأسواق العالمية جزءًا من ثقتها في السياسة النقدية الأمريكية، لا سيما في ظل تزايد العجز المالي والجدل المستمر حول سقف الدين العام.
وأوضح أن حالة عدم اليقين دفعت المستثمرين نحو الأصول الآمنة وغير التقليدية مثل الذهب والبيتكوين، حيث باتت العملات المشفرة تُنظر إليها اليوم كوسيلة للتحوط ضد التضخم وفقدان القوة الشرائية. وقال عبد الهادي بوضوح: “البيتكوين اليوم لا ترتفع بفعل الطلب فقط، بل لأنها أصبحت ملاذًا عندما تهتز الثقة في الدولار، فكلما ضعفت العملات التقليدية ازداد بريق الأصول اللامركزية”.
المؤسسات تدخل السوق
لفت عبد الهادي إلى أن الصعود الحالي للبيتكوين يختلف جذريًا عن موجات الارتفاع السابقة في 2017 و2021، حيث كانت المضاربات الفردية هي المسيطرة آنذاك، أما اليوم فالقوة الدافعة الأساسية وراء السوق هي رؤوس الأموال المؤسسية القادمة من البنوك الاستثمارية وصناديق التقاعد وصناديق التحوط الكبرى.
وأوضح أن دخول هذه المؤسسات أدى إلى زيادة الاستقرار النسبي في الأسعار وتقليل التذبذبات الحادة، مما يعكس نضج السوق الرقمي وتحوله إلى ساحة استثمارية أكثر اتزانًا، وأكد أن هذا التحول يعزز ثقة المستثمرين الكبار في الأصول الرقمية كخيار استراتيجي طويل الأمد وليس مضاربة قصيرة المدى.
مقاومة عند 130 ألف دولار وتصحيح محتمل
أوضح عبد الهادي أن المستويات الحالية تمثل حاجزًا نفسيًا قويًا في الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن اختراق مستوى 130 ألف دولار خلال الأسابيع المقبلة ممكن في حال استمرار تدفق رؤوس الأموال المؤسسية واستقرار الاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، حذر الخبير من احتمال حدوث تصحيح سعري طبيعي يتراوح بين 10 و15% في حال صدور قرارات تنظيمية مشددة من السلطات الأمريكية أو الأوروبية، مؤكدًا أن مثل هذه التصحيحات لا تعني انهيار السوق، بل تُعد “صحية وضرورية” في دورة الصعود الطويلة.
وتابع الخبير الاقتصادي قائلاً إن “ما يحدث في سوق البيتكوين لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى في النظام المالي العالمي، فقد بدأت العديد من الأسواق الدولية والحكومات تنظر إلى الدولار الأمريكي بوصفه عملة مهيمنة لكنها لم تعد مطلقة السيطرة، في ظل تنامي استخدام العملات البديلة والأصول الرقمية في المعاملات الدولية”.
وأشار إلى أن هذا الاتجاه يعكس رغبة متزايدة لدى الدول والمستثمرين في تنويع الاحتياطيات النقدية وتقليل الاعتماد على الدولار، خاصة في ظل السياسات النقدية المتقلبة للبنوك المركزية الكبرى، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي.
البيتكوين في قلب التوازن النقدي متعدد الأقطاب
قال عبد الهادي: “نحن أمام مشهد اقتصادي جديد متعدد الأقطاب، حيث لم تعد الهيمنة المالية الأمريكية مطلقة كما كانت في السابق، وأصبحت البيتكوين رمزًا لهذا التوازن الجديد في القوى النقدية”. وأوضح أنَّ المرحلة الراهنة تمثل نقطة تحول في مسار البيتكوين، إذ انتقلت من كونها أصلًا عالي المخاطر يعتمد على التوقعات والمضاربات إلى أصلٍ يحظى باعتراف مؤسسي واسع.
وأشار إلى أنَّ تطور البنية التنظيمية وتزايد منتجات الاستثمار الرقمي، مثل الصناديق المتداولة والسندات المشفرة، عزز من مصداقية العملات الرقمية كفئة أصول قائمة بذاتها. وأضاف أن الأسواق باتت تنظر إلى البيتكوين كأداة لتحفظ القيمة على المدى الطويل، وليس كأصلٍ مضاربيّ، خاصة في ظل التراجع المتواصل في الثقة بالعملات الورقية وتزايد المخاوف من التضخم.
واختتم الدكتور محمد عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن صعود البيتكوين إلى هذا المستوى القياسي يمثل لحظة فارقة في تاريخ النظام المالي الحديث، مشيرًا إلى أن استمرار الزخم الحالي قد يدفع بالعملة إلى مستويات جديدة خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع تزايد اهتمام المستثمرين المؤسسيين والقطاع الخاص بالأصول الرقمية.
وقال في ختام حديثه: “البيتكوين لم تعد مجرد ظاهرة رقمية، بل أصبحت عنوانًا لثورة مالية حقيقية. نحن نشهد انتقالًا تدريجيًا نحو عالم نقدي متعدد الأقطاب، تكون فيه الأصول الرقمية جزءًا أصيلًا من المنظومة الاقتصادية العالمية، لا مجرد استثناء عابر”.
قد يهمّك أيضًا: الذهب يتفوق على سندات الخزانة في احتياطيات البنوك المركزية