تراجع حاد في سوق العملات المشفرة.. بيتكوين وإيثريوم يقودان الخسائر

شهدت سوق العملات المشفرة أداءً سلبيًا في مجمله، حيث جاءت تحركات غالبية العملات الكبرى ضمن النطاق الهابط، وكانت بيتكوين وإيثريوم هما من قادتا موجة التراجع؛ حيث تراجع سعر بيتكوين بنحو 1.7% ليصل إلى نحو 87,820 دولارًا، بعدما بدأ تعاملات اليوم، الخميس، 29 يناير 2026، قرب مستوى 90,315 دولارًا، قبل أن ينحدر تدريجيًا أسفل حاجز 90 ألف دولار، مسجلًا قاعًا يوميًا قرب 87,653 دولارًا.

وفي الوقت نفسه، انخفضت إيثريوم بنسبة 2.5% لتتداول قرب 2,942 دولارًا، بعد أن لامست في وقت مبكر مستوى 3,036 دولارًا، قبل أن تتراجع دون حاجز 3,000 دولار، في إشارة إلى اتساع نطاق الضغوط البيعية على العملات الكبرى.

وضمن أكبر عشر عملات من حيث القيمة السوقية، سجلت دوجكوين أكبر خسارة بنحو 4.5% لتتراجع إلى مستوى 0.1214 دولار، تلتها سولانا بانخفاض قدره 3.4% لتتداول قرب 122 دولارًا، وفي المقابل برزت ترون كاستثناء داخل القائمة، محققة مكسبًا محدودًا بلغ نحو 0.8%.

ورغم تراجع الأسعار، بلغ إجمالي حجم التداول في سوق الأصول الرقمية نحو 124 مليار دولار، وهو مستوى يعكس نشاطا مرتفعا نسبيا، وغالبًا ما يرتبط بزيادة عمليات التحوط وجني الأرباح، إلى جانب إعادة تمركز المحافظ الاستثمارية خلال فترات التذبذب الحاد.

أسباب هبوط العملات المشفرة

تزامن التراجع في سوق العملات المشفرة مع مناخ كلي يتسم بالحذر، عقب قرار الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة عند نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%، وسط قراءات السوق الذي توقع أن خفض الفائدة قد لا يكون وشيكًا، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تباطؤ اقتصادي حاد في البيانات الأمريكية.

في المقابل، أسهم ضعف تدفقات رؤوس الأموال الجديدة، إلى جانب استمرار التوترات الجيوسياسية، في زيادة الضغوط على شهية المخاطرة لدى المستثمرين، ما دفع شريحة واسعة منهم إلى تبني استراتيجيات دفاعية والتمسك بالمراكز القائمة، بدلًا من المجازفة والرهان على اختراقات سعرية قوية في أسواق الأصول عالية المخاطر، التي باتت أكثر حساسية لأي تغيرات مفاجئة في المعطيات الاقتصادية أو السياسية.

ومن المتوقع أن يواصل بيتكوين التحرك ضمن نطاق عرضي يتراوح بين 88 ألفًا و91 ألف دولار، مع احتمالات لمحاولات صعود باتجاه المستوى النفسي البالغ 95 ألف دولار، شريطة تحسن المعنويات وظهور محفزات سيولة أكثر قوة.
في المقابل، يحذر متعاملون من أن استمرار التشدد الكمي عند مستوياته الحالية قد يفرض سقفًا مؤقتًا على أداء أصول المخاطرة، بما في ذلك العملات المشفرة.

على صعيد المعنويات، سجل مؤشر الخوف والطمع تحسنًا طفيفًا، مرتفعًا إلى 38 نقطة مقابل 34 نقطة في الجلسة السابقة، ليظل داخل نطاق “الخوف” مع اقترابه تدريجيًا من المنطقة المحايدة، ما يعكس أن الثقة لا تزال هشة وتحتاج إلى موجة صعود أوسع للتحول إلى اتجاه مستدام.

وأظهرت بيانات التدفقات أن صناديق بيتكوين الفورية في الولايات المتحدة سجلت صافي خروج أموال بنحو 19.64 مليون دولار خلال جلسة 28 يناير، في حين حققت صناديق إيثريوم الفورية تدفقات داخلة بلغت نحو 28.1 مليون دولار، في دلالة واضحة على تباين سلوك المستثمرين بين الأصلين خلال موجة التذبذب الأخيرة.

اقرأ أيضًا: مستقبل العملات المشفرة 2026.. لماذا تراهن “سيتي”

إعادة تسعير حقيقية للمخاطر

قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن التراجعات الحادة التي تشهدها سوق العملات المشفرة خلال الفترة الحالية لا يمكن فصلها عن تحولات هيكلية عميقة تضرب هذا السوق من جذوره، مؤكدًا أن ما يحدث لا يعد تصحيحًا عابرًا، بل إعادة تسعير حقيقية للمخاطر.

وأوضح معطي أن القيمة السوقية الإجمالية للعملات المشفرة كانت قد تجاوزت في وقت سابق حاجز 3 تريليونات دولار، قبل أن تتراجع بشكل ملحوظ، بالتوازي مع هبوط أسعار الأصول الكبرى، وعلى رأسها بيتكوين التي تراجعت من مستويات تاريخية قرب 124 ألف دولار إلى حدود 84 ألف دولار، وهو ما انعكس في خسائر واسعة لقطاع اعتاد على التقلبات، لكنه لم يكن مهيأً لحجم التحول التنظيمي الجاري.

قانون جينيوس يأسر حرية سوق الكريبتو

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع يتمثل في التحرك الأمريكي الحاسم لتنظيم سوق العملات المشفرة، عبر إقرار ما يُعرف بـ”قانون جينيوس”، والذي يلزم شركات العملات المستقرة بالحصول على تراخيص رسمية للعمل داخل الولايات المتحدة، مع اشتراط الاحتفاظ بسندات خزانة أمريكية كغطاء، بما يعني إدخال العملات المستقرة، ومن خلفها سوق العملات المشفرة ككل، تحت المظلة التنظيمية المباشرة للدولة الأمريكية.

وأضاف معطي أن جزءًا كبيرًا من جاذبية العملات المشفرة تاريخيًا كان قائمًا على فكرة أنها أصول غير منظمة، خارج سيطرة الحكومات والبنوك المركزية، كما أنّها توفر درجة عالية من الخصوصية وعدم التتبع، إلا أن هذا التصور تلقى ضربة مباشرة بعد أن باتت وزارة الخزانة الأمريكية قادرة على تتبع التحويلات الرقمية، ومراقبة حركة الأموال، بل ومصادرة الأصول المشفرة المرتبطة بأنشطة غير قانونية.

وأكد أن الولايات المتحدة نجحت بالفعل في مصادرة كميات كبيرة من العملات المشفرة من جماعات مصنفة إرهابية ومنظمات خاضعة للعقوبات، لدرجة أنها أصبحت تمتلك ما يشبه احتياطيًا استراتيجيًا من بيتكوين مصدره هذه المصادرات، وهو ما ينسف فكرة “التحرر الكامل” التي لطالما جرى التسويق لها داخل هذا السوق.

وتابع معطي: أن تشديد الرقابة على التحويلات المشفرة أضعف بشكل واضح استخدام هذه العملات في عمليات غسل الأموال والالتفاف على العقوبات الدولية، وهو ما قلّص حجم الطلب الحقيقي عليها، ودفع شريحة من المستثمرين إلى إعادة تقييم جدوى الاحتفاظ بها كأداة للتحوط أو كبديل للنظام المالي التقليدي.

اقرأ المزيد: وزارة الخزانة الأمريكية تحكم قبضتها على سوق التشفير

كيف أثر صعود الذهب على سوق العملات المشفرة؟

في سياق متصل، أشار معطي إلى أن الصعود القوي للذهب شكّل عامل ضغط إضافيًا على سوق العملات المشفرة، لافتًا إلى أن المعدن النفيس سجل ارتفاعات قياسية تجاوزت 64% خلال العام الماضي، إلى جانب مكاسب تقارب 18% منذ بداية يناير، ما أعاد توجيه السيولة نحو الأصول التقليدية الآمنة.

وأوضح أن المقارنة التي طالما تم الترويج لها بين بيتكوين بوصفه “الذهب الرقمي” والذهب الحقيقي باتت تميل بوضوح لصالح المعدن النفيس، خاصة في فترات عدم اليقين، وهو ما دفع كثيرًا من المستثمرين، لا سيما أصحاب الرهانات قصيرة الأجل، إلى الخروج من سوق العملات المشفرة والتوجه نحو الذهب.

قد يهمّك أيضًا: زلزال المعادن النفيسة.. الذهب يكسر حاجز 5000 دولار والفضة تقفز 60%

العملات المشفرة.. وسيلة الالتفاف على العقوبات

أكد الخبير الاقتصادي أن طبيعة مستثمري العملات المشفرة، الذين يسعون في الغالب إلى تحقيق أرباح سريعة، لم تساعد على الصمود أمام فترات التماسك الطويلة والتراجع التدريجي، وهو ما أدى إلى موجات تصفية واسعة للمراكز الاستثمارية، معتبرًا أن ما يشهده السوق حاليًا هو نتيجة طبيعية لتصادم سوق عالي المخاطر مع واقع تنظيمي ومالي أكثر صرامة.

وأضاف معطي أن العملات المشفرة أصبحت خلال السنوات الأخيرة أداة فاعلة في قلب التوترات الجيوسياسية العالمية، بعدما جرى استخدامها من قبل دول خاضعة لعقوبات اقتصادية مشددة، مثل فنزويلا وإيران وروسيا وكوريا الشمالية، كوسيلة للالتفاف على القيود المفروضة على أنظمتها المالية والتجارية.

وأوضح أن هذا الاستخدام المكثف من جانب دول عالية المخاطر دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى التعامل مع هذا الملف باعتباره تهديدًا مباشرًا للنظام المالي العالمي، وليس مجرد سوق استثماري عالي التذبذب، مشيرًا إلى أن ذلك كان أحد المحركات الرئيسة لتسريع وتيرة التنظيم والرقابة.

واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن هذا التحول التنظيمي لم يكن خيارًا، بل ضرورة فرضتها تطورات الواقع الجيوسياسي، لافتًا إلى أن إدخال العملات المشفرة تحت المظلة القانونية جاء كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة ضبط الأسواق عالية المخاطر وتقليص دورها في تأجيج الأزمات الدولية.

اقرأ أيضًا: العملات المشفرة في 2025.. صعود يبتلعه التقلب

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة