تراجع سيادة القانون يربك مستقبل الاقتصاد الأمريكي
منذ منتصف القرن العشرين، بُنِيَ التفوق الأمريكي على معادلة بسيطة لكنها شديدة القوة: ديمقراطية مستقرة، ومؤسسات مستقلة، واقتصاد حر قادر على الابتكار والانضباط في آن واحد، ولكن اليوم تبدو هذه المعادلة في خطر، ليس بسبب أزمة مالية أو ركود اقتصادي كما حدث في 2008، بل بسبب تصدع مؤسسي داخلي، تحذر منه واحدة من أهم الشخصيات الاقتصادية في تاريخ الولايات المتحدة، جانيت يلين.
تقول جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية في إدارة الرئيس جو بايدن، إن الولايات المتحدة “تقوض بنفسها أسس نجاحها الاقتصادي”، وإن الهجمات على سيادة القانون واستقلال الاحتياطي الفيدرالي والجامعات تعيد تشكيل المناخ السياسي والاقتصادي بصورة قد تدفع الولايات المتحدة إلى مسار مشابه للدول التي تفقد قواعد اللعبة الديموقراطية وتتآكل مؤسساتها ببطء، بحسب بلومبرغ.
ورغم أن المؤشرات الاقتصادية الحالية تبدو قوية نسبيًا، إلا أنَّ القصة الحقيقية -من وجهة نظر يلين- تكمن في تآكل البنية العميقة التي جعلت الاقتصاد الأمريكي قادرًا على قيادة العالم لعقود.
رسالة غير مسبوقة إلى الداخل الأمريكي
في مايو 2024، وقبل أشهر من مغادرتها وزارة الخزانة، ألقت يلين خطابًا لافتًا في ولاية أريزونا خلال فعالية لتكريم السيناتور الراحل جون ماكين، وكان الخطاب غير معتاد من مسؤولة اقتصادية، إذ قالت إن “الانصراف عن روح الديمقراطية” سيكون خطأً مدمرًا يهدد “أساس النجاح الأمريكي”. هذا النوع من الرسائل غالبًا ما كان الأمريكيون يسمعونه عبر دبلوماسييهم في الخارج، في إطار النصائح الموجهة للدول الناشئة: “طبقوا الديمقراطية، يزدهر اقتصادكم”.
لكن المفارقة أن يلين وجهت الرسالة هذه المرة إلى الأمريكيين أنفسهم، في إشارة واضحة إلى أن الديمقراطية لم تعد قاعدة مستقرة كما كانت، وبعد مرور عام ونصف على ذلك الخطاب، تعود يلين اليوم لتقول إن المخاطر التي نبهت إليها أصبحت “أكثر مدعاة للقلق”، وإن الديمقراطية الأمريكية “تبدو في خطر مميت”، مضيفة أن الأمريكيين إذا لم يفهموا عمق ما يحدث، فسيدفعون ثمنًا باهظًا “ليس سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا واجتماعيًا”.
اقرأ المزيد: تصدع النموذج الأمريكي.. هل يقترب نموذج جمهورية الموز؟
خبرة فريدة ورؤية مبنية على التجربة والبحث العلمي
لا تأتي كلمات يلين من موقع المراقب بل من موقع الفاعل وصاحب الخبرة، فهي الشخصية الوحيدة في التاريخ الأمريكي التي شغلت المناصب الاقتصادية الثلاثة الأهم؛ وهم رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، ووزارة الخزانة، ورئاسة مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، وقليلون هم من يمتلكون هذا المستوى من الإحاطة، وبالتالي فإن تحذيراتها تُقرأ على أنها مؤشر خطير على تراجع التماسك المؤسسي الأمريكي.
تستند يلين في رؤيتها إلى أبحاث راسخة في علم الاقتصاد السياسي، أبرزها أعمال دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون، اللذين فازا بجائزة نوبل بعدما أثبتا أن الدول التي تعاني من تراجع سيادة القانون تفشل في تحقيق نمو مستدام، وأن الديمقراطية -بمفهومها المؤسسي- ليست مجرد قيمة مثالية، بل شرط اقتصادي لخلق بيئة استثمارية منتجة، ويبدو أن يلين ترى أن الولايات المتحدة تنزلق تدريجيًا نحو وضع يقوض هذه القاعدة.
تراجع سيادة القانون
توضح يلين أنَّ الرأسمالية، كما يعرفها العالم الحديث، لا يمكن أن تعمل دون قانون مستقر وعادل يُطبق على الجميع، فالشركات تحتاج إلى الثقة بأن القرارات الحكومية ليست سياسية، وأن المنافسة شفافة، وأن النظام القضائي مستقل، وهي ترى أنّ الأحداث التي تشهدها الولايات المتحدة منذ سنوات تهدد هذا الأساس.
وتشير إلى أن القرارات الاقتصادية، في عام 2025، أصبحت تُتَّخَذ أحيانًا بدوافع شخصية أو رغبة في المعاقبة، وليس وفق المعايير المهنية المعتادة، وهو ما يجعل الشركات -المحلية والأجنبية- تتردد في الاستثمار والتوسع، وتقول: “يحتاج المستثمر إلى قواعد لعبة واضحة، لكننا نرى اليوم تدخلات وقرارات يصعب التنبؤ بها لأنها ترتبط بالأهواء وليس بالمعايير”.
تستشهد يلين بعدد من الأمثلة التي تراها تعكس “تسييس الاقتصاد”؛ منها محاولات وقف مشاريع طاقة الرياح البحرية بحجج بيئية غير مؤكدة، وقرار رفع الرسوم الجمركية على البرازيل بعد إدانة بولسونارو، وكذلك التصعيد ضد الجامعات بدعوى “التحيز الليبرالي”، وتقول إن مجتمع الأعمال يعيش حالة شلل غير معلنة؛ فالشركات تخشى التعبير عن موقف أو انتقاد لأن تجاوز “الخطوط الحمراء” قد يجعلها هدفًا للعقاب، وهذا النوع من المناخ -كما تقول- هو ما يجعل الاقتصاد هشًّا، لأنه يعيد إنتاج بيئة شبيهة بالدول التي تختلط فيها السياسات الشخصية بالقرارات الاقتصادية.
الخطر الأكبر.. استقلال الاحتياطي الفيدرالي
بالنسبة إلى يلين، لا شيء يهدد الاقتصاد الأمريكي، أكثر من المساس باستقلالية البنك المركزي، فالتدخل المستمر في قرارات المجلس، والضغط من أجل خفض الفائدة، والتلويح بإقالة جيروم باول أو ليزا كوك، كلها “تجاوزات كان يمكن أن تؤدي إلى انهيار عملة أي دولة ناشئة”.
وتحذر من أن نجاح الإدارة في إقالة أعضاء مجلس المحافظين لأسباب سياسية، سيعني نهاية استقلال الاحتياطي الفيدرالي بالكامل، ومن ثم انهيار الثقة الدولية بالاقتصاد الأمريكي، وترى أن هذا السيناريو لن يضرب الدولار وحده، بل سيهز الأسواق العالمية أيضًا، لأن الفيدرالي هو العمود الفقري للنظام المالي العالمي.
ورغم التحذيرات، يبدو الاقتصاد الأمريكي في حالة جيدة على السطح؛ فالاستهلاك قوي وسوق العمل لم ينهَر، ومؤشر S&P 500 ارتفع بشكل كبير مدفوعًا بالتفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي، لكن يلين تصف هذه الصورة بأنها “قشرة مزوّقة” تُخفي تشوهات خطيرة، من هشاشة السياسات، وتراجع الثقة بالقرارات الحكومية، إلى الاعتماد المفرط على طفرة تقنية قد لا تستمر بالزخم نفسه.
وترى أن النمو الحالي لا يعكس صحة النظام المؤسسي، بل يعكس موجة ابتكار استثنائية، وهذه المفارقة في رأيها تشبه حالات اقتصادية شهدت نموًا على المدى القصير رغم تآكل القواعد، لكنها اصطدمت لاحقًا بتراجع حاد حين ظهرت تكلفة الانحراف المؤسسي.
ضغوط على الجامعات
تلعب الجامعات الأمريكية دورًا جوهريًا في قيادة الابتكار العالمي، إذ إنّها تُنتج الأبحاث الأساسية التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا الكبرى، لكن يلين تقول إن هذه الجامعات تتعرض اليوم لضغوط سياسية تهدد قدرتها على الإبداع، بدءًا من التهديد بحجب التمويل الفيدرالي، ووصولا إلى سياسات هجرة “هجومية” تقلل من عدد الطلاب والباحثين الأجانب.
وتوضح أن خسارة الباحثين والعقول الشابة ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل ضربة مباشرة لقدرة أمريكا على الحفاظ على ريادتها التكنولوجية والاقتصادية، وتضيف: “جزء كبير من نمونا يعتمد على الابتكار، وإذا ضربنا الجامعات فإننا نضرب مستقبل اقتصادنا”.
الدولار والتضخم.. أول اهتزازات الثقة
تبين يلين، أن الأسواق العالمية بدأت تلتقط إشارات مقلقة؛ فمؤشر الدولار تراجع بنسبة ملحوظة منذ الإعلان عن الرسوم الجمركية، فيما تتزايد عمليات التحوط ضد الأصول المقوّمة بالدولار، وهي ترى أن هذه التطورات تدل على أن الدولار بدأ يفقد جزءًا من هالته التقليدية كملاذ آمن -حتى لو لم يكن الانخفاض كبيرًا- وهو أمر يجب أن يدفع واشنطن إلى القلق.
ورغم أنّ يلين تقر بأن التضخم في عهد بايدن كان سببًا رئيسيًا في خسارة الديمقراطيين للانتخابات، لكنها ترى أن الناخبين اليوم يحملون مسؤولية تاريخية في تحديد مسار البلاد، وتقول إن نتائج التدهور المؤسسي لن تظهر في الأسعار فورًا، لكنها ستظهر على المدى الطويل، مؤكدة أن “الخروج عن قواعد اللعبة لا يمكن أن يستمر دون ثمن”.
وفي نهاية تحليلها، تؤكد يلين أن الولايات المتحدة، لا تواجه أزمة اقتصادية آنية، بل أزمة مؤسسية ستتحول تدريجيًا إلى أزمة اقتصادية إن لم تُصحح المسارات، وتقول إن الولايات المتحدة -للمرة الأولى منذ عقود- تسير نحو أزمة من صنع يديها، بسبب تآكل استقلال المؤسسات، وتسييس السياسات النقدية، والضغوط على الجامعات، وعدم احترام قواعد اللعبة التي بنت “القرن الأمريكي”.
اقرأ أيضًا: الكونغرس ينهي أطول إغلاق حكومي في التاريخ