تراجع عالمي في أسعار الغذاء.. والحبوب وحدها تكسر الاتجاه

شهدت الأسواق العالمية للغذاء خلال شهر نوفمبر استمرارًا واضحًا في مسار الهبوط السعري الذي بدأ قبل ثلاثة أشهر، وفق ما أكدته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” في تقريرها الشهري الصادر الجمعة.

ويشير هذا التراجع المتواصل في أسعار الغذاء إلى عودة تدريجية نحو الاستقرار النسبي بعد فترة طويلة من الضغوط القوية على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن، خصوصًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية التي أربكت الأسواق العالمية ورفعت فاتورة الغذاء إلى مستويات تاريخية.

بحسب التقرير، هبط متوسط مؤشر الفاو لأسعار الغذاء إلى 125.1 نقطة خلال نوفمبر، مقارنة بـ126.6 نقطة في أكتوبر بعد التعديل، ليصل بذلك إلى أدنى مستوى له منذ مطلع العام، مما يعكس تحوّلًا حقيقيًا في الاتجاه العام للأسعار، إذ تراجع المؤشر بنسبة 2.1 ٪ عن مستواه قبل عام، وانخفض بما يقارب 22٪ مقارنة بالذروة غير المسبوقة التي قام بتسجيلها في مارس 2022 خلال ذروة الأزمة الأوكرانية، والتي كانت نتاجًا مباشرًا لارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الإنتاج العالمي، وفرض قيود على الصادرات الزراعية من بعض الدول، ما أدى إلى موجة تضخمية غذائية اجتاحت كل أسواق العالم.

عودة التوازن لأسواق الغذاء العالمية

أكد الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، أن الأرقام الصادرة عن الفاو تعكس حالة من إعادة التوازن بعد عامين من الاضطرابات المتلاحقة، وقال إنَّ الأسواق الدولية بدأت تستعيد جزءًا من قدرتها على امتصاص الصدمات، وإنَّ تراجع المؤشر لثلاثة أشهر متتالية يمثل تحولًا مهمًا، حتى وإن كان لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة الغذاء العالمية، لأن عوامل الخطر لا تزال قائمة.

أسعار السكر

أشار العسيلي إلى أن أبرز مظاهر التراجع ظهرت في مؤشر أسعار السكر الذي هبط بنسبة 5.9٪ مقارنة بأكتوبر، مسجلًا أدنى مستوى له منذ ديسمبر 2020، وربط هذا الانخفاض بتوقعات بزيادة كبيرة في المعروض العالمي، نتيجة توسّع الإنتاج في دول رئيسة مثل البرازيل وتايلاند والهند. هذا التحسن في المعروض كفيل بكبح الأسعار في المدى القصير، لكنه يظل مرتبطًا بتغيرات الطقس والمخاطر المناخية التي يمكن أن تعيد السوق سريعًا إلى حالة الاضطراب.

أسعار منتجات الألبان

تطرق العسيلي إلى الانخفاض المتواصل في أسعار منتجات الألبان للشهر الخامس على التوالي بنسبة 3.1٪، موضحًا أن هذا التراجع يعكس زيادة واضحة في إنتاج الحليب وتنامي المعروض المعدّ للتصدير من قِبل عدد من الدول الأوروبية والأوقيانية، وهو ما أسهم في احتواء مستويات الأسعار رغم ارتفاع تكاليف النقل والطاقة في بعض الأسواق. لكنّه أشار إلى أن الفجوة بين العرض والطلب في قطاع الألبان لا تزال تميل نحو الوفرة، مما يضمن استقرارًا نسبيًا في الأسعار خلال الأشهر المقبلة ما لم تحدث موجات مناخية حادة تؤثر على الإنتاج.

أسعار الزيوت النباتية

تناول العسيلي كذلك التراجع الذي سجله مؤشر أسعار الزيوت النباتية بنسبة 2.6 ٪، وهو أدنى مستوى خلال خمسة أشهر، مبينًا أن انخفاض أسعار زيت النخيل كان العامل الأكثر تأثيرًا، بعدما طغى هبوطه على الزيادة المسجلة في أسعار زيت الصويا.

ورغم هذا الانخفاض، حذر العسيلي من أن سوق الزيوت سيظل حساسًا جدًا للمتغيرات المناخية في آسيا وأمريكا الجنوبية، حيث تتأثر أشجار النخيل وفول الصويا بشكل مباشر بالتقلبات المناخية وظروف الأمطار.

أسعار اللحوم

أكد العسيلي أنَّ انخفاض أسعار اللحوم بنسبة 0.8٪ جاء نتيجة تراجع أسعار الدواجن والخنزير، بينما استقرت أسعار لحوم الأبقار بفعل قرار الولايات المتحدة بإلغاء الرسوم الجمركية على واردات لحوم البقر، وهو ما حدّ من ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة. واعتبر العسيلي ذلك مثالًا واضحًا على تأثير السياسات التجارية في ضبط الأسواق، إذ يساهم تخفيف القيود الجمركية في خلق توازن بين العرض والطلب، ويمنع حدوث ارتفاعات غير مبررة.

الحبوب تخالف الاتجاه العام لأسعار الغذاء

رغم الاتجاه العالمي العام في أسعار الغذاء نحو التراجع، فقد لفت العسيلي إلى أنَّ أسعار الحبوب تمثل الاستثناء الأبرز، وذلك بعد أن سجلت ارتفاعًا بنسبة 1.8٪ خلال نوفمبر، وأرجع هذا الارتفاع إلى ثلاثة عوامل رئيسة؛ الأول هو زيادة الطلب الصيني المتوقع على القمح، وهو ما يشير عادة إلى تحوّل في السياسات الاستهلاكية أو التخزينية داخل الصين، والثاني هو التوترات المستمرة في منطقة البحر الأسود والتي تؤثر على حركة شحن القمح والذرة من أوكرانيا وروسيا، وهما من أكبر موردي الحبوب عالميًا، أما الثالث فهو الطقس السيئ في دول أمريكا الجنوبية الذي رفع المخاوف بشأن تراجع إنتاج الذرة.

وأوضح العسيلي أن هذه العوامل تؤكد أن سوق الحبوب سيبقى الأكثر حساسية وتقلبًا خلال الفترة القادمة، وهو ما يستدعي من الدول المستوردة مثل مصر تعزيز سياسات التخزين وتنويع مصادر الاستيراد.

وفي جانب العرض العالمي، ركز العسيلي على رفع الفاو توقعاتها لإنتاج الحبوب في 2025 إلى رقم قياسي جديد بلغ 3.003 مليار طن، بزيادة واضحة عن توقعات الشهر الماضي، موضحًا أن هذه القفزة في التوقعات تعود بالأساس إلى تحسّن التقديرات الخاصة بإنتاج القمح في كل من الصين والهند ودول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس تعافيًا في قدرات الإنتاج بعد سنوات من الاضطرابات المناخية وتصاعد تكاليف الإنتاج.

كما أشار إلى أنَّ ارتفاع المخزونات العالمية إلى مستوى قياسي بلغ 925.5 مليون طن يمنح الأسواق قدرًا أكبر من المرونة في مواجهة الصدمات، لكنه يمكن أن يتحول إلى عامل ضغط على الأسعار إذا دفع بعض الدول إلى خفض الإنتاج مستقبلًا.

كيف تستفيد الدول النامية من تراجع أسعار الغذاء؟

وفيما يتعلق بتأثير هذه التطورات على الدول النامية، قال العسيلي إن الهبوط العام في أسعار السلع الغذائية باستثناء الحبوب يمثل فرصة حقيقية لتخفيف الضغوط التضخمية، خصوصًا في دول تعتمد بشكل كبير على الواردات مثل مصر.

وأوضح أن تراجع أسعار السكر والزيوت والألبان يمكن أن يساعد في خفض تكلفة الواردات وتخفيف الأعباء على الموازنة العامة، لكنَّه أكد في الوقت نفسه أن ارتفاع أسعار القمح والذرة يظل تحديًا هيكليًا للدول التي تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الحبوب، وهو ما يستدعي تنويع مصادر الاستيراد وتطوير سياسات زراعية أكثر مرونة.

وفي ختام تصريحاته، أشار الدكتور حسين العسيلي إلى أن تراجع أسعار الغذاء عالميًا لا يدل على انتهاء الأزمة، بل يُعد مرحلة تهدئة مؤقتة في دورة اقتصادية لا تزال معرضة للتقلبات المناخية والسياسية.

ودعا الخبير الدول إلى استغلال هذه المرحلة في تعزيز مخزونها الاستراتيجي، وتنويع سلاسل الإمداد، ودعم الإنتاج المحلي، لتجنب الوقوع تحت ضغوط مفاجئة إذا ما عادت الأسعار للارتفاع، خصوصًا في القطاعات الأكثر حساسية مثل الحبوب والزيوت.

اطّلع على التقرير السابق، 13 نوفمبر: ارتفاع أسعار البن والكاكاو والشاي والتوابل رغم الانخفاض العام

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة