أصدرت محكمة الاستئناف الفيدرالية في واشنطن حكمًا بأغلبية 7 قضاة مقابل 4 ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرة أن معظم الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها غير قانونية، لأنه تجاوز صلاحياته باستخدام “قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية” (IEEPA) كأداة تجارية.
القرار لم يُلغِ الرسوم فورًا، بل أبقاها حتى 14 أكتوبر لإعطاء الإدارة فرصة للطعن أمام المحكمة العليا، ورغم هذا التأجيل يرى مراقبون أن الحكم يمثل صفعة استراتيجية لترامب، لأنه يقوض أحد أهم أسلحته في السياسة الاقتصادية والانتخابية على السواء، بحسب بلومبرغ.
من “يوم التحرير” إلى الصدام مع العالم
في أبريل الماضي، أعلن ترامب ما سمّاه “يوم التحرير”، فارضًا تعريفات أساسية بنسبة 10% على كل الدول تقريبًا، ورسوم متبادلة تصل إلى 50% على الدول التي تسجل معها الولايات المتحدة عجزًا تجاريًا.
هذه السياسة شملت الصين والمكسيك وكندا، بدعوى مواجهة أزمة الهجرة وتدفق المخدرات، وامتدت إلى دول أبعد مثل لاوس (40%) والجزائر (30%)، أما الدول التي رضخت للتفاوض كالمملكة المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي فحصلت على صفقات استثنائية مع واشنطن، وصُنّفت تلك الاتفاقات بأنها “غير متوازنة” هدفها الوحيد تفادي عقوبات أكبر.
قانوني الطوارئ والتجارة مع العدو
الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس سلطة فرض الضرائب والرسوم الجمركية، لكن عبر العقود فوّض المشرّعون الرؤساء سلطات متزايدة في هذا المجال، خاصة خلال الحربين العالميتين والحرب الباردة، وترامب استخدم هذه الثغرة إلى أقصى مدى معلنًا أن العجز التجاري “حالة طوارئ وطنية”، استنادًا إلى قانون الطوارئ الاقتصادية لعام 1977 الذي يمنح الرئيس سلطات استثنائية لتجميد أصول أو فرض عقوبات مالية، لكنه لم يُصمم كأداة لفرض تعريفات جمركية عامة.
كما دافعت إدارة ترامب عن موقفها بالاستشهاد بسابقة ريتشارد نيكسون عام 1971، حين استخدم “قانون التجارة مع العدو لعام 1917” لفرض رسوم بعد فك ارتباط الدولار بالذهب، لكن المحكمة رأت أن الظروف مختلفة وأن القانون الحالي لا يسمح بتكرار هذا السيناريو، وبمعنى آخر فإنّ ترامب لم يكن يملك التفويض التشريعي المباشر الذي يتيح له فرض رسوم شاملة بهذا الحجم، ما جعل سياساته عرضة للطعن.
التداعيات الاقتصادية.. مليارات على المحك
وزارة الخزانة جمعت 159 مليار دولار من الرسوم الجمركية حتى يوليو الماضي، أي أكثر من ضعف العام السابق، وإلغاء الرسوم يعني إعادة مليارات للشركات المستوردة، وهو ما وصفته وزارة العدل بأنه قد يؤدي إلى “خراب مالي” في المدى القصير.
لكن على المدى الطويل، يرى اقتصاديون أن الرسوم رفعت التكاليف على الشركات والمستهلكين الأمريكيين، وأسهمت في تسارع التضخم، فمثلا قطاع السيارات واجه زيادات في أسعار المكونات المستوردة، فيما تضررت شركات التكنولوجيا من تكاليف أعلى للرقائق والمكونات القادمة من آسيا.
أما على صعيد الأسواق فقد كانت ردود الفعل مختلطة، حيث رأى بعض المستثمرين في الحكم فرصة لتخفيف ضغوط التضخم المستورد، خاصة مع احتمال تراجع أسعار السلع، في حين حذّر آخرون من أن غياب الوضوح القانوني سيزيد من تقلبات الأسواق، خاصة أن المعركة لم تُحسم بعد وقد تنتهي في المحكمة العليا.
وفي الوقت الذي رحّبت فيه شركات التجزئة بالقرار، فقد أبدت اتحادات صناعية قلقها من أن يؤدي إلغاء الرسوم إلى موجة إغراق جديدة بالسلع الرخيصة من الصين.
هل تفقد واشنطن ورقة الضغط؟
الرسوم لم تكن مجرد أداة اقتصادية، بل ورقة ضغط دبلوماسية، والاتحاد الأوروبي واليابان قبلتا اتفاقيات غير متوازنة خوفًا من تعريفات أشد، بينما تلقت دول أخرى ضربات مباشرة، لكن الحكم القضائي يهدد هذا التوازن.
خبراء مثل آشلي أكيرز، المستشار القانوني السابق في وزارة العدل، يرون أن “الحكومات الأجنبية قد تصبح أقل استجابة لمطالب واشنطن بعد الحكم، وربما تسعى لإعادة التفاوض على صفقات سابقة”.
انعكاسات على السياسة الداخلية
انقسم الكونغرس في الداخل؛ حيث رحّب الديمقراطيون بالحكم كـ”انتصار للدستور”، فيما رأى الجمهوريون أنه “يُضعف موقف أمريكا في مواجهة الصين”، كما دعا بعض المعتدلين في الحزبين إلى إعادة صياغة القوانين التجارية، وإعادة التوازن بين الكونغرس والبيت الأبيض.
سياسيًا، يأتي الحكم في توقيت حساس لترامب، إذ كان يروّج لسياساته الجمركية باعتبارها “سلاحًا لإعادة أمريكا عظيمة”، وأي إلغاء للرسوم قد يُنظر إليه كخسارة انتخابية.
البدائل القانونية.. أدوات أضعف وأبطأ
حتى إذا خسر ترامب في المحكمة العليا لا يزال لديه أدوات قانونية أخرى، فالمادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962 تسمح بفرض رسوم إذا اعتُبرت الواردات تهديدًا للأمن القومي، لكنها تتطلب تحقيقات مطوّلة من وزارة التجارة.
ومن ناحية أخرى، يُتيح قانون التجارة لعام 1974 فرض رسوم لمواجهة العجز التجاري، لكنه يقيّدها بنسبة 15% ولمدة 150 يوما فقط، وهذه الأدوات تبقي على قدرة الإدارة في فرض رسوم جزئية أو مؤقتة، لكنها لا تمنح القوة والسرعة التي كان يوفرها قانون “IEEPA”.
كيف ينظر العالم إلى القضية؟
في بكين، المفاوضون التجاريون اعتبروا الحكم “دليلًا على أن النظام القضائي الأمريكي قادر على كبح السياسات الأحادية”، كما رحب الاتحاد الأوروبي بالقرار بحذر خشية أن يُنقض لاحقًا في المحكمة العليا.
أما الدول النامية، فقد رأت في الحكم فرصة لتخفيف الضغوط التي تعرضت لها نتيجة السياسات الأمريكية، لكن الجميع يترقب كلمة الفصل من المحكمة العليا، لأنها وحدها ستحدد إن كان ترامب سيظل يحتفظ بسلاحه الجمركي أم لا.
اقرأ أيضًا: كيف حوّل ترامب الرسوم الجمركية إلى سلاح سياسي؟
السيناريوهات المحتملة
إذا أيّدت المحكمة الحكم ستُسقط الرسوم، ويُحرم الرئيس من استخدام قانون “IEEPA” كسلاح تجاري، وهذا سيجبر واشنطن على إعادة صياغة استراتيجيتها الاقتصادية بأدوات أقل قوة، لكن إذا نقضت الحكم ستُكرّس سابقة تمنح الرؤساء سلطة شبه مطلقة في فرض الرسوم، ما قد يغير قواعد التجارة العالمية لعقود مقبلة. أما الحل الوسط، فقد يكون في أن تحد المحكمة من نطاق استخدام القانون، فتُبقي على بعض الرسوم وتُلغي أخرى، وهو سيناريو يزيد من الضبابية القانونية.
القرار لا يمس واشنطن وحدها، فالرسوم أثرت على تريليونات الدولارات من التجارة العالمية، وإلغاؤها قد ينعش بعض الاقتصادات الناشئة، ويعيد تشكيل سلاسل التوريد، لكنه أيضا قد يخلق فوضى مؤقتة في الأسواق مع إعادة ترتيب الاتفاقيات، والمحللون يرون أن هذه القضية تمثل اختبارًا لمدى قدرة النظام التجاري العالمي على مقاومة النزعات الحمائية التي قادها ترامب.
القضية المسجلة باسم “V.O.S. Selections v. Trump” ليست مجرد نزاع قانوني تقني، بل محطة فاصلة في تاريخ العلاقة بين السلطة التنفيذية والتجارة الدولية، وحتى 14 أكتوبر ستظل الرسوم قائمة مؤقتًا، لكن ما بعد ذلك سيعتمد على قرار المحكمة العليا، الذي سيحدد إن كان سلاح ترامب الجمركي قد وصل إلى نهايته أم أنه سيعود أكثر قوة وشرعية.
اقرأ المزيد: كيف يهدد الحكم الفيدرالي استراتيجية ترامب في فرض الرسوم الجمركية