ترامب يصعّد المواجهة مع الفيدرالي: هل تهتز استقلالية السياسة النقدية الأمريكية؟

تقرير: باسل محمود

في واشنطن، حيث تُرسم السياسات النقدية الأكبر في العالم، تدور خلف الأبواب المغلقة معركة غير مسبوقة بين البيت الأبيض والبنك المركزي، حيث بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لا يخفي امتعاضه من أداء مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بالتلميح علنًا إلى خطوة قد تُزلزل المؤسسة الأهم في النظام المالي الأمريكي، وهي إقالة جيروم باول من رئاسة الفيدرالي، بحسب بلومبرج.

ورغم أن احتمالات تنفيذ هذه الخطوة تبقى محل جدل قانوني ودستوري، فإن مجرد التلويح بها في هذا التوقيت الحرج، خاصة في ظل تباطؤ اقتصادي، يعكس حجم الضغط السياسي المتزايد الذي يُمارسه ترامب على السياسات النقدية، ويُثير تساؤلات عميقة حول استقلالية الفيدرالي، ومستقبل أسعار الفائدة، ومخاطر تسييس أدوات السياسة المالية.

هجوم ترامب العلني.. باول في مرمى النار

في تصريحات لاذعة خلال لقائه برئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، قال ترامب للصحفيين: “أنا غير راضٍ عنه، وأبلغته بذلك، وإذا أردت إبعاده فسوف يُقال فورًا، صدقوني”. بهذه الكلمات، فتح ترامب جبهة جديدة ضد باول، مشيرًا إلى إمكانية عزله من منصبه إذا لم يُسرّع خفض أسعار الفائدة.

تصريحات ترامب لم تكن مفاجئة للمراقبين، لكنها كانت أوضح مؤشر حتى الآن على استعداد الرئيس للذهاب بعيدًا في معركته مع المؤسسة النقدية المستقلة، خاصة أنّها جاءت بعد يوم واحد فقط من هجوم ترامب على سياسة الفيدرالي، واتهامه بمحاباة الديمقراطيين من خلال رفع الفائدة في فترته الرئاسية الأولى، وخفضها الآن لصالح إدارة جو بايدن.

اقرأ أيضًا: هل سيحافظ الفيدرالي الأمريكي على استقلاليته مع رئاسة ترامب الجديدة؟

البيت الأبيض يُمهّد للمعركة القانونية

لم تكن تهديدات ترامب مجرد انفعالات عابرة، فقد أكد كبير مستشاريه الاقتصاديين، كيفن هاسيت، أن الرئيس وفريقه “يُواصلون دراسة” خيار إقالة باول، وقال هاسيت في تصريحات صحفية: “الرئيس وفريقه يواصلون دراسة هذا الخيار”.

وعلى الرغم من إدراك الإدارة لصعوبة تنفيذ هذا الإجراء قانونيًا، فإنَّ طرحه علنًا يُعد بمثابة ورقة ضغط تكتيكية لإجبار باول على تعديل مساره في السياسة النقدية، خاصة مع ارتفاع الأصوات داخل الحزب الجمهوري المطالبة بخفض أسعار الفائدة لمواجهة تباطؤ النمو وتعويض آثار الرسوم الجمركية.

حتى أنّ هاسيت ذهب أبعد من ذلك باتهام الفيدرالي، بقيادة باول، باتخاذ قرارات “سياسية” تستهدف دعم الديمقراطيين، وقال: “لقد كانت سياسة هذا الاحتياطي الفيدرالي هي رفع أسعار الفائدة فور انتخاب الرئيس ترامب، بدعوى أن التخفيضات الضريبية القائمة على جانب العرض ستؤدي إلى تضخم، لكنهم لم يظهروا على شاشات التلفاز أو في اجتماعات صندوق النقد الدولي للتحذير من التضخم الناتج عن الإنفاق المفرط والواضح لإدارة بايدن، رغم أنه كان تضخمًا تقليديًا بحسب كتب الاقتصاد”.

هذه التصريحات تعكس بوضوح محاولات ترامب لرسم صورة للفيدرالي باعتباره أداة سياسية، تُحرّكها مصالح حزبية أكثر من كونها هيئة مستقلة تُراعي التوازنات الاقتصادية.

هل يمكن عزل رئيس الاحتياطي الفيدرالي؟

من الناحية القانونية، يُعيَّن رئيس الاحتياطي الفيدرالي لفترة محددة مدتها أربع سنوات بموجب قانون “الاحتياطي الفيدرالي لعام 1913″، ولا يمكن عزله إلا بسبب الإخلال الجسيم بالمهام أو سوء السلوك، ولم يسبق لأي رئيس أمريكي أن أقال رئيس البنك المركزي، رغم تعرض بعضهم لخلافات حادة معه.

الحديث عن عزل باول يُعيد للأذهان جدلًا قانونيًا طويلًا حول حدود صلاحيات الرئيس في التأثير على السياسات النقدية، ويخشى الخبراء من أنَّ أية محاولة فعلية لعزل باول قد تُفجّر أزمة دستورية، وتُهدّد استقرار الأسواق، وتُقوّض مصداقية الدولار كعملة احتياطية عالمية.

اقرأ أيضًا: هل تهدد ديون الفيدرالي الاستقرار الاقتصادي الأمريكي والعالمي؟

أسعار الفائدة تحت الضغط

ترامب لا يُخفي رغبته في خفض سريع للفائدة، ويعتبر أن السياسة الحالية للفيدرالي تُعيق النمو وتُكبّل أسواق المال؛ حيث يُريد البيت الأبيض تحفيز الاقتصاد بأي وسيلة، بما في ذلك تليين السياسة النقدية، خاصة مع تصاعد التوترات التجارية وارتفاع الرسوم الجمركية،

لكن الفيدرالي، بقيادة باول، يتبع نهجًا أكثر تحفظًا، ويركز على موازنة التضخم مع النمو، وقد رفض البنك في اجتماعاته الأخيرة الإذعان للضغوط السياسية مُبقيًا على الفائدة دون تغيير، مع تلميحات إلى خطوات تدريجية مستقبلية. هذا التباين في الرؤية يضع المؤسستين في مسارين متوازيين، ما يُنذر بمزيد من التصادم.

الأسواق تراقب.. والبنوك المركزية قلقة

تُتابع الأسواق العالمية هذه التطورات بقلق بالغ، إذ إن إقالة رئيس الفيدرالي، أو حتى مجرد التلويح بها، يُعد سابقة خطيرة تهدد استقلالية البنوك المركزية.

وقد عبّر مسؤولون سابقون عن خشيتهم من أن تُحوّل إدارة ترامب السياسة النقدية إلى أداة سياسية بحتة، لا سيّما أن أي تدخل مباشر في قرارات الفيدرالي سيُضعف ثقة المستثمرين الدوليين في التزام واشنطن بسيادة القانون واستقلال المؤسسات.

سواء مضى ترامب في تهديداته أم لا، فإن الرسالة وصلت: معركة السيطرة على السياسة النقدية باتت على الطاولة، والاحتياطي الفيدرالي لم يَعُد بمنأى عن التجاذبات السياسية.

في الأشهر المقبلة، ستكون قرارات الفيدرالي، ورد فعل الأسواق، ومواقف الحلفاء الدوليين، بمثابة اختبار صعب لقدرة واشنطن على موازنة السياسة بالاقتصاد.

قد يهمّك أيضًا: انخفاض مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي يثير مخاوف اقتصادية جديدة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة