أدت التصريحات المتكررة والمتباينة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول السيطرة على مضيق هرمز، إلى زيادة حالة التذبذب في أسعار النفط، حيث تتفاعل الأسواق سريعًا مع هذه التصريحات، ثم تعود لإعادة تقييمها في ظل غياب الوضوح بشأن آليات التنفيذ، ما يفاقم حالة عدم اليقين.
ودعا ترامب الدول التي لم تشارك في الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي تواجه حاليًا صعوبات في الحصول على وقود الطائرات، إلى التوجه لشراء النفط من الولايات المتحدة، والتعامل بشكل مباشر مع أزمة مضيق هرمز عبر التحرك للسيطرة عليه.
ووجه ترامب حديثه بشكل خاص إلى كل من بريطانيا وفرنسا، منتقدًا عدم تعاونهما في الحرب المستمرة منذ شهر، والتي تسببت في اضطرابات واسعة بالأسواق العالمية، ودفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع في وقت أدى فيه إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز إلى تعطيل حركة ناقلات النفط.
وفي منشور له عبر منصة “تروث سوشال”، قال ترامب: “الدول التي لا تستطيع الحصول على وقود الطائرات بسبب مضيق هرمز، مثل بريطانيا التي رفضت المشاركة في إسقاط النظام الإيراني، لديها خياران: الأول هو شراء الوقود من الولايات المتحدة التي تمتلك فائضًا كبيرًا، والثاني هو التحلي ببعض الشجاعة والتوجه إلى المضيق للسيطرة عليه”، وذلك وفقًا لما نقلته وكالة “رويترز”.
وأضاف: “سيتعين عليكم تعلم كيفية الدفاع عن أنفسكم، لأن الولايات المتحدة لن تكون موجودة لمساعدتكم بعد الآن، كما لم تقفوا معنا”، متابعًا: “لقد أنجزنا الجزء الأصعب، وعليكم الآن الذهاب والحصول على نفطكم بأنفسكم”. كما انتقد ترامب فرنسا بشكل مباشر، بسبب رفضها السماح للطائرات التي تنقل إمدادات عسكرية إلى إسرائيل بالمرور عبر أجوائها.
الضبابية تسيطر على الأسواق
من جانبه، أكد الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، أن العالم يمر حاليًا بأزمة معقدة تجمع بين أبعاد الحرب والطاقة، مشيرًا إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يمثل أحد أخطر التطورات التي تؤثر على سوق النفط العالمي، في ظل حالة غير مسبوقة من عدم اليقين.
وأوضح الشوربجي أن تصريحات ترامب الأخيرة، والتي تضمنت دعوة الدول المستفيدة لتحمل مسؤولية إعادة فتح المضيق، تعكس حالة من عدم الاستقرار والتباين في المواقف السياسية، لافتًا إلى أن هذه التصريحات قد تتغير خلال ساعات أو أيام، ما يزيد من الضبابية في الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن هذا التناقض في التصريحات انعكس بشكل مباشر على أسواق النفط والعملات، التي شهدت تقلبات ملحوظة نتيجة غياب رؤية واضحة لمسار الأحداث.
وأضاف أنه في حال تنفيذ هذا التوجه وترك مسؤولية فتح المضيق للدول المستفيدة، فقد يؤدي ذلك إلى تداعيات أكثر خطورة، خاصة إذا لم تكن هناك جاهزية لدى القوى الكبرى مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو الاتحاد الأوروبي للدخول في مواجهة مباشرة، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة.
اقرأ أيضًا: اقتصاديات الخطر.. كيف تعيد إيران تسعير العبور في هرمز؟
أوبك بلس في قلب العاصفة
توقع الخبير أن تشهد أسعار النفط مزيدًا من الارتفاع خلال الفترة المقبلة، مرجحًا وصولها إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، مع إمكانية تجاوز هذا المستوى تبعًا لتطورات الأوضاع العسكرية والجيوسياسية في المنطقة.
وفيما يتعلق بدور تحالف “أوبك بلس”، أوضح أن قدرة الدول الأعضاء على الالتزام بحصص الإنتاج أو تنفيذ تخفيضات طوعية أصبحت أكثر تعقيدًا، في ظل التفاوت في القدرات الإنتاجية والتصديرية بين الدول.
وأشار إلى أن بعض الدول، مثل المملكة العربية السعودية، تمتلك بدائل لنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، من خلال خط أنابيب ينبع عبر البحر الأحمر، حيث تمكنت من رفع إنتاجها من أقل من مليون برميل يوميًا إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًا، ما يمنحها قدرًا من المرونة في التعامل مع الأزمة.
في المقابل، أوضح الخبير أن دولًا أخرى مثل الكويت وسلطنة عمان وقطر والبحرين لا تمتلك بدائل مماثلة، ما يجعلها أكثر تأثرًا بإغلاق المضيق، بينما تمتلك الإمارات بدائل جزئية لكنها أقل كفاءة مقارنة بالسعودية.
وأضاف أن دولًا مثل فنزويلا لا تزال تعاني من تحديات كبيرة في الإنتاج، ما يحد من قدرتها على التأثير في السوق، في حين تظل الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا، مع توقعات بزيادة صادراتها النفطية خلال الفترة المقبلة.
وأشار كذلك إلى أن إيران خرجت فعليًا من معادلة التأثير المباشر على الإمدادات، خاصة مع تأثر صادراتها بإغلاق مضيق هرمز، مؤكدًا أن المشهد الحالي يتسم بتداخل كبير بين العوامل الجيوسياسية والاقتصادية، ما يجعل التنبؤ باتجاهات السوق أكثر صعوبة.
الصين.. أكثر الدول تأثرًا بالأزمة
أوضح الشوربجي أن الصين كانت من أكثر الدول تأثرًا بالأزمة، لاعتمادها على مضيق هرمز في ما بين 30% و40% من وارداتها النفطية، إلا أنها نجحت خلال السنوات الماضية في بناء مخزون استراتيجي كبير من النفط.
وأشار إلى أن هذا المخزون يوفر للصين قدرة مؤقتة على امتصاص الصدمة، لكنه لا يمثل حلًا طويل الأمد في حال استمرار الأزمة، لافتًا إلى أن بكين اتبعت نهجًا مشابهًا في سوق الذهب من خلال تعزيز احتياطياتها خلال الفترات السابقة.
كما أوضح أن روسيا تلعب دورًا داعمًا للصين عبر زيادة إمدادات النفط، خاصة في ظل التغيرات الأخيرة في السياسة الأمريكية المتعلقة بالعقوبات، وهو ما قد يسهم في تخفيف جزء من الضغوط على السوق الصينية.
واختتم الخبير تصريحاته بالتأكيد على أن الأسواق العالمية تمر بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية بشكل غير مسبوق، محذرًا من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤدي إلى تداعيات صعبة خلال الفترة المقبلة، خصوصًا فيما يتعلق بأسعار الطاقة واستقرار الأسواق العالمية.
قد يهمّك أيضًا: كيف يهدد غلق مضيق باب المندب التجارة العالمية؟