ترامب يعرض على أوكرانيا الحماية مقابل نصف ثرواتها من المعادن
تقرير: باسل محمود
على مدار سنوات، كانت أوكرانيا ساحة لصراعات لا تقتصر على السياسة والحرب فقط، بل تمتد إلى أعماق الأرض، حيث تكمن كنوز تكنولوجية تُغيّر معادلات القوة الاقتصادية العالمية، لكن هذه المرة جاء الصراع في شكل صفقة معروضة من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي حاولت الاستحواذ على نصف احتياطيات أوكرانيا من المعادن النادرة، مقابل مساعدات عسكرية قدمتها واشنطن في الماضي، وفق فايننشيال تايمز.
ترامب يريد “حصة الأسد”.. وكييف ترفض
في اجتماع جرى الأسبوع الماضي في العاصمة الأوكرانية كييف، قدَّم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، عرضًا رسميًا للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتضمن استحواذ الولايات المتحدة على 50% من حقوق المعادن النادرة في أوكرانيا، والتي تُقدَّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات.
لكن كييف رفضت العرض فورًا، إذ اعتبره زيلينسكي غير منصف، مشددًا على ضرورة ربط أيّ اتفاق اقتصادي بضمانات أمنية طويلة الأمد من قبل الولايات المتحدة وأوروبا. وقال زيلينسكي في مؤتمر ميونيخ للأمن: “نحن لا نزال نتباحث، لكن لا يمكننا قبول صفقة لا تخدم مصالحنا السيادية”.
أحد المسؤولين الأوكرانيين، الذي تحدث لصحيفة فاينانشال تايمز، أوضح أنَّ بلاده تسعى إلى إعادة التفاوض للحصول على “اتفاق أفضل”، يتجاوز فكرة “المقايضة غير المتكافئة” التي طرحها ترامب.
واشنطن تضغط وأوكرانيا تصمد
وفقًا لمصادر مطلعة، فإنَّ إدارة ترامب حاولت دفع زيلينسكي نحو توقيع الاتفاقية سريعًا، فقد وصل بيسنت إلى كييف حاملًا وثيقة كانت جاهزة للتوقيع، وكان من المفترض أن يُعيدها موقعةً إلى واشنطن في اليوم نفسه، لكنَّ الرئيس الأوكراني أصرّ على مراجعة تفاصيلها، مما أدى إلى تأجيل اتخاذ أي قرار حاسم.
الوثيقة التي عرضها الجانب الأمريكي لم تتضمن أي التزام بتقديم مساعدات مستقبلية، بل اكتفت بالإشارة إلى “المساعدة العسكرية السابقة” كشرط يمنح واشنطن نصف احتياطيات المعادن.
كما أشارت إلى أنَّ النزاعات القانونية حول الصفقة ستُحل في ولاية نيويورك، وهو ما أثار استياء المسؤولين الأوكرانيين الذين رأوا في ذلك انتقاصًا من السيادة الوطنية.
المعادن النادرة.. كنز أوكرانيا الثمين
تتمتع أوكرانيا باحتياطات ضخمة من المعادن النادرة، التي تُعد حجر الأساس في الصناعات التكنولوجية الحديثة، بدءًا من البطاريات المتقدمة، مرورًا بصناعة أشباه الموصلات، وصولًا إلى التطبيقات العسكرية.
من بين أبرز المعادن التي تمتلكها أوكرانيا: الليثيوم الذي يُستخدم في تصنيع البطاريات القابلة لإعادة الشحن، والتيتانيوم الذي يستخدم كمعدن خفيف وقوي، ويدخل في الصناعات الفضائية والعسكرية، بالإضافة إلى الجرافيت الذي يُستخدم في صناعة المكونات الإلكترونية المتطورة.
وتُقدَّر قيمة هذه الموارد بتريليونات الدولارات، إلا أنّ المشكلة الكبرى تكمن في أنَّ العديد منها يقع في مناطق يحتلها الجيش الروسي أو قريبة من خطوط المواجهة.
اقرأ أيضًا: هل ينهي ترامب الحرب الروسية الأوكرانية؟
هل تحاول واشنطن السيطرة على مستقبل التكنولوجيا؟
يرى بعض المحللين أنَّ هذه الصفقة ليست مجرد اتفاق اقتصادي، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى ضمان سيطرة الولايات المتحدة على سلاسل التوريد العالمية للمعادن النادرة، خاصة في ظل التوتر المتزايد مع الصين التي تهيمن حاليًا على إنتاج وتكرير هذه المعادن.
ويقول مسؤول أوروبي مُطلع على المفاوضات: “واشنطن تدرك أنَّ من يمتلك هذه المعادن يملك مفاتيح التكنولوجيا الحديثة، لذلك فإنّه ليس من المستغرب أن يحاول ترامب وضع يده عليها، مستغلًا الوضع السياسي الحرج الذي تمر به أوكرانيا”.
لكن كييف، رغم احتياجها للدعم العسكري والاقتصادي، تدرك خطورة تقديم ثرواتها الإستراتيجية على طبق من ذهب دون الحصول على مقابل مناسب.
الضمانات الأمنية.. خط أحمر لأوكرانيا
يُصِرُّ زيلينسكي على أنَّ أيَّ اتفاق حول الموارد الطبيعية يجب أن يكون جزءًا من شراكة طويلة الأمد، تشمل التزامات أمنية صريحة من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
وبحسب مصادر قريبة من المفاوضات، فإنَّ كييف تريد أن يشمل الاتفاق التزامًا أمريكيًا واضحًا بالدفاع عن أوكرانيا في المستقبل، بدلًا من مجرَّد الحديث عن وجود عسكري أمريكي “لردع روسيا“، وإشراك الدول الأوروبية في استغلال الموارد، بحيث لا تكون أوكرانيا تحت رحمة دولة واحدة، واتفاقًا دوليًا رسميًا وملزمًا بدلًا من مذكرة تفاهم فضفاضة.
ومع ذلك، لم تُظهر الولايات المتحدة، حتى الآن، استعدادًا لتقديم هذه التنازلات، مما يجعل المفاوضات معقدة ومفتوحة على جميع الاحتمالات.
مصير الصفقة.. إلى أين تتجه المفاوضات؟
في الوقت الذي يواصل فيه زيلينسكي دراسة العرض الأمريكي، تتزايد الضغوط عليه من الداخل والخارج، فهناك من يرى أنَّ أوكرانيا بحاجة ماسة إلى أيّ دعم يمكن أن يُساعدها في التصدي للهجوم الروسي، بينما يرى آخرون أنَّ تقديم هذه الثروة الوطنية دون ضمانات أمنية سيكون خطأً استراتيجيًا.
وبحسب مصادر قريبة من مكتب الرئيس الأوكراني، فإنَّ كييف قد تُقدّم عرضًا مضادًا يتضمن شراكة متعددة الأطراف لاستغلال الموارد، بدلًا من منح الولايات المتحدة حصة الأسد، أو التفاوض على ضمانات أمنية ملموسة قبل اتخاذ أيّ قرار نهائي.
في ظل تواصل الحرب وتزايد أهمية المعادن النادرة في الاقتصاد العالمي، تبقى هذه الصفقة واحدة من الملفات الأكثر حساسية في المشهد الأوكراني-الأمريكية، فهل تنجح كييف في فرض شروطها، أم أن الضغوط الأمريكية ستدفعها إلى القبول بشروط ترامب؟
اطّلع على ميزانية أوكرانيا 2025: تخصيص 61% للدفاع وسط عجز مالي