ترامب يفرض رسومًا جديدة على عشرات الدول وسط تحذيرات دولية
في خطوة وُصفت بأنها تصعيد جديد في سياسات الحماية التجارية، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا بفرض رسوم جمركية على قائمة واسعة من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، ما يعيد خلط أوراق الاقتصاد العالمي ويختبر متانة التحالفات الدولية التي تشكلت عبر عقود من التعاون التجاري والدبلوماسي.
وبحسب ما أعلنته الإدارة الأمريكية، فإنَّ الأوامر الجمركية الجديدة ستدخل حيز التنفيذ خلال سبعة أيام من توقيعها، على أن تطبّق الرسوم الجمركية وفق جدول زمني مرن يراعي التنسيق مع شركاء واشنطن.
قرارات متسارعة قبل الموعد النهائي
جاء القرار قبل ساعات من انقضاء المهلة النهائية التي حددها ترامب سابقًا، والمقررة في الأول من أغسطس، وسط حراك دبلوماسي مكثف شهدته الأيام الأخيرة، تمثل في محادثات واتفاقيات طارئة مع عدد من الدول والتكتلات الاقتصادية الكبرى، في محاولة لتفادي الأسوأ.
وتشمل الحزمة الجديدة فرض رسوم جمركية متفاوتة على واردات 68 دولة، إضافة إلى أعضاء الاتحاد الأوروبي البالغ عددهم 27، مع فرض معدل أساسي بنسبة 10% على الدول غير المدرجة تفصيلًا في القرار. ووفقًا للمصدر نفسه، فقد استندت الإدارة الأمريكية في تحديد نسب الرسوم إلى ما وصفته بـ”الاختلالات التجارية الإقليمية” مع كل دولة.
وقد كانت البرازيل مهددة بفرض رسوم تصل إلى 50%، لكن النسبة خُفضت إلى 10% فقط، فيما تم تمرير الـ40% المتبقية ضمن حزمة منفصلة أُقرت يوم الأربعاء. وبالنسبة إلى ليسوتو، التي كانت تواجه أيضًا تهديدًا برسوم بنسبة 50%، فستخضع وارداتها لرسوم تبلغ 15%.
أما تايوان، فستُفرض على سلعها المستوردة رسوم بنسبة 20%، مقابل 19% على واردات باكستان، كما ستُطبق رسوم بنسبة 15% على السلع القادمة من إسرائيل، وأيسلندا، وفيجي، وغانا، وغيانا، والإكوادور.
من أبرم اتفاقًا مع أمريكا قبل مهلة ترامب ومن ينتظر؟ اطّلع على قائمة الناجين والمهددين!
المكسيك.. مهلة تفاوض بدل التصعيد
في تطور لافت، أجرى ترامب اتصالًا مع الرئيسة المكسيكية الجديدة، كلاوديا شينباوم، صباح الخميس لمناقشة المسائل التجارية الثنائية وأسفر الاتصال عن اتفاق يمنح الجانبين فترة تفاوض مدتها 90 يومًا بدلاً من فرض رسوم فورية، مع الإبقاء مؤقتًا على الرسوم الحالية عند 25%، بعد أن كانت مهددة بالارتفاع إلى 30%.
وفي منشور لها على منصة “إكس” وصفت شينباوم المحادثة بأنها “ناجحة للغاية”، مؤكدة أنها أفضت إلى تجنب زيادة الرسوم والحصول على مهلة زمنية مناسبة لبناء اتفاق دائم عبر الحوار.
مواقف الدول الأخرى.. تفاوض وتحفّظ
أشار ترامب إلى أن رئيس وزراء كندا، مارك كارني، حاول التواصل قبيل فرض رسوم بنسبة 35% على صادرات بلاده، لكنه أكَّد أنّه لم يُجرِ معه اتصالًا مباشرًا خلال ذلك اليوم، أما عن الدول التي تم التوصل إلى اتفاقيات معها فقد اكتفى ترامب بالقول: “أبرمنا صفقات ممتازة اليوم”، دون الإفصاح عن تفاصيل تلك الاتفاقات أو هوية الأطراف.
وكان ترامب قد حدَّد سابقًا يوم الأول من أغسطس كموعد نهائي، بعد أن تسببت الرسوم السابقة التي أعلن عنها في أبريل –والتي عرفت إعلاميًا بـ”يوم التحرير الجمركي”– في اضطراب شديد بالأسواق، وأثارت مخاوف من دخول الاقتصاد العالمي في دوامة ركود.
ورغم فشل الإدارة الأمريكية في إنجاز عدد كافٍ من الاتفاقات خلال المهلة السابقة، فقد قرر ترامب تمديد الجدول الزمني، مصحوبًا برسائل رسمية لقادة العالم تتضمن تفاصيل معدلات الرسوم التي تعتزم واشنطن تطبيقها، الأمر الذي دفع العديد من الدول للدخول في مفاوضات متسارعة تجنبًا للعقوبات الاقتصادية.
تأثير الرسوم الجمركية على الأسواق والتحالفات التجارية
يأتي القرار الأمريكي وسط مؤشرات على تراجع الثقة في النظام التجاري العالمي، حيث يُخشى أن تؤدي هذه الخطوة إلى تفاقم التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها، وتقويض نظام التجارة الحرة، مع احتمالات بحدوث ردود فعل انتقامية.
ويرى مراقبون أنَّ هذه الخطوة تعكس عودة صريحة إلى سياسات “أمريكا أولًا”، وهي الاستراتيجية التي تبناها ترامب، والتي يسعى من خلالها إلى تقليص العجز التجاري من خلال فرض رسوم على السلع المستوردة، حتى لو جاء ذلك على حساب العلاقات الدولية.
ومع دخول القرارات حيز التنفيذ خلال أيام، يُتوقع أن تشهد الأسواق العالمية تقلبات حادة، فيما ستتجه الأنظار إلى مدى قدرة الدول المتضررة على الرد، سواء عبر إجراءات مماثلة أو من خلال اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية.
الاقتصاد الأمريكي بين الانغلاق وحماية السوق المحلية
في تعليقه على الخبر، قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن توقيع الرئيس الأمريكي أمرًا تنفيذيًا بفرض رسوم جمركية على عشرات الدول، يمثل نقطة تحول حادة في مسار النظام التجاري العالمي، ويعيد إلى الواجهة سياسات الحماية والانغلاق الاقتصادي بعد سنوات من التوجه نحو تحرير الأسواق وتعزيز التكتلات التجارية.
وأضاف الجرم: “هذه الخطوة لن تمر دون انعكاسات سلبية على حركة التجارة الدولية، إذ ستؤدي حتمًا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في الدول المستهدفة، وتراجع تنافسية صادراتها، مما قد يربك سلاسل التوريد العالمية ويؤثر سلبًا على معدلات النمو في الأسواق الناشئة والدول النامية“.
مخاوف من الرسوم الجمركية المضادة
حذَّر الجرم من أن هذا القرار قد يفتح الباب أمام ردود فعل انتقامية من جانب الدول المتضررة، مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي، والصين، وبعض الاقتصادات الآسيوية قد تلجأ إلى إجراءات مضادة، مما يهدد بنشوب حرب تجارية عالمية جديدة تشبه ما حدث في 2018.
وأضاف: “ما يقلق المجتمع الدولي اليوم هو تسارع السياسات الفردية التي تتخذها الولايات المتحدة دون الرجوع إلى آليات منظمة التجارة العالمية، مما يضعف شرعية النظام التجاري متعدد الأطراف، ويدفع الدول إلى تبني مصالحها القومية على حساب التعاون الجماعي”.
الدول الناشئة الأكثر تضررًا
أوضح الجرم أن فرض رسوم جمركية على سلع استراتيجية مثل الحديد والصلب والإلكترونيات وبعض السلع الغذائية، سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار عالميًا، خصوصًا في ظل استمرار اختناقات سلاسل الإمداد، وهو ما قد يغذي موجة تضخمية جديدة، تؤثر على القوة الشرائية للمستهلكين في الدول المستوردة.
وأشار إلى أن الاقتصادات الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على الصادرات إلى السوق الأمريكي، مثل باكستان، والبرازيل، وبعض الدول الإفريقية، قد تكون الأكثر تضررًا، نظرًا لاعتماد ميزانياتها على عائدات التصدير، الأمر الذي ينعكس على الاستقرار المالي والنقدي في هذه الدول.
وتابع الجرم: “من المرجح أن تؤدي تلك الاضطرابات إلى ضغوط إضافية على البنوك المركزية حول العالم، التي قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في سياساتها النقدية، إما لكبح التضخم أو لدعم العملة الوطنية أمام الدولار الأمريكي الذي يشهد موجة ارتفاعات بسبب تلك السياسات”.
البحث عن بدائل للسوق الأمريكي
أكَّد الجرم أن هذه الأوضاع قد تعزز من الاتجاه نحو التجارة البينية والإقليمية، خاصة في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، كمحاولة لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكي، لكنه شدد على أن الاقتصاد العالمي سيبقى هشًا لفترة طويلة إذا استمر النهج التصادمي في العلاقات التجارية الدولية.
وختم رمزي الجرم تصريحاته بالقول: “المستثمرون حول العالم يراقبون الموقف بحذر بالغ، فكل تصعيد جديد في ملف الرسوم يقلل من جاذبية الأسواق الناشئة ويزيد من تقلبات البورصات وأسواق العملات“.
قد يهمّك أيضًا: تفاصيل الاتفاق التجاري بين أمريكا والصين وتأثيره على الاقتصاد العالمي