ترامب يشعل حربًا تجارية بفرض رسوم جمركية جديدة
تقرير: باسل محمود
في الأول من فبراير الجاري، تجد الأسواق العالمية نفسها أمام لحظة فارقة قد تُعيد رسم خارطة التجارة الدولية، بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه فرض رسوم جمركية جديدة على واردات الصين والمكسيك وكندا، وفق بلومبرج.
لم يكن هذا الإعلان مفاجئًا تمامًا، فلطالما لوّح ترامب باستخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط خلال ولايته الأولى، لكنه في هذه المرة يبدو أكثر إصرارًا على تنفيذ تهديداته.
وبينما يرى البعض أنَّ هذه الخطوة جزء من استراتيجيته التفاوضية المعتادة، يُحَذِّر آخرون من أنَّ تطبيقها قد يشعل فتيل حرب تجارية جديدة ستلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي بأكمله. فهل نحن أمام جولة أخرى من التصعيد، أم أنَّ ترامب يستخدم هذه التهديدات لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية؟
ترامب يصعّد المواجهة.. لا مجال للتراجع
خلال مؤتمر صحفي عُقد في البيت الأبيض، قطعت المتحدثة باسم الإدارة الأمريكية، كارولين ليفيت، الشك باليقين، مؤكدةً أنَّ تقارير تأجيل تنفيذ الرسوم “غير صحيحة تمامًا”، وأنَّ الموعد المحدد في الأول من فبراير “لا يزال قائمًا”.
تصريحات ليفيت جاءت بعد ساعات من اجتماعها مع الرئيس ترامب في المكتب البيضاوي، حيث أكدت أنّ الرسوم ستُطبق كما هو مقرر: 25% على واردات المكسيك وكندا، و10% على الواردات الصينية.
ورغم أنّ هذه النسب أقل من تلك التي فرضتها إدارة ترامب على الصين خلال الحرب التجارية بين البلدين في 2018-2019، إلَّا أنَّها قد تُشعل موجةً جديدةً من التوترات، لا سيَّما أنَّ هذه الرسوم تتزامن مع مفاوضات متعثرة بشأن اتفاقات التجارة بين الولايات المتحدة وشركائها.
الرسوم الجمركية.. ورقة ضغط دولية
تسعى إدارة ترامب إلى تقديم الرسوم الجمركية على أنَّها خطوة ضرورية لحماية الاقتصاد الأمريكي، لكن يبدو أنّ هناك أبعادًا أخرى لهذه القرارات؛ حيث يرى ترامب أنَّ فرض رسوم جمركية مرتفعة على الجارتين الشماليتين قد يُجبر حكومتيهما على تقديم تنازلات في ملف الهجرة غير الشرعية؛ إذ لطالما اتهم المكسيك بالتقاعس عن ضبط حدودها ومنع تدفق المهاجرين غير الشرعيين والمخدرات إلى الولايات المتحدة.
كما أنّ العلاقة التجارية بين واشنطن وبكين تخللتها توترات متكررة خلال السنوات الأخيرة، ويبدو أنَّ ترامب يسعى إلى إعادة التفاوض على شروط التجارة مع الصين من موقع قوة، مستخدمًا هذه الرسوم كأداة للضغط على الحكومة الصينية.
موضوع ذو صلة: “ترامب” يهدد “بريكس” برسوم جمركية لحماية الدولار
ردود الفعل.. الأسواق في حالة ترقب
قرار فرض الرسوم الجمركية لم يمر مرور الكرام، فقد أثار قلق المحللين الاقتصاديين الذين يحاولون فك شيفرة نوايا ترامب الحقيقية، حيث يعتقد بعض الخبراء أنَّ الرئيس الأمريكي ربما يستخدم هذه التهديدات كورقة ضغط فقط، كما فعل في السابق عند التفاوض على الاتفاقيات التجارية، فقد سبق أن هدَّد بفرض رسوم جمركية على أوروبا لكنه لم يُنفّذ تهديده بعدما حصل على بعض التنازلات في المفاوضات.
كما لم تكن الأسواق المالية بعيدة عن هذا التوتر، إذ شهدت مؤشرات الأسهم في وول ستريت تراجعًا بعد الإعلان عن الرسوم، وسط مخاوف من ردود فعل انتقامية قد تتخذها الدول المستهدفة، مما قد يُشعل حربًا تجارية جديدة.
المكسيك وكندا تبحثان عن حلول وسط
لم تقف كندا والمكسيك مكتوفتي الأيدي، إذ تحاول كلتا الدولتين إيجاد حلول دبلوماسية لتفادي تطبيق هذه الرسوم الجمركية. وقد كشف توم هومان، المسؤول الأمريكي عن ملف الحدود، أنَّ اجتماعًا رفيع المستوى، سيُعقد مع مسؤولين كنديين لبحث تداعيات القرار الأمريكي، في خطوة تهدف إلى إيجاد حلول وسط قد تساعد في احتواء الأزمة.
وفي حال مضى ترامب في تنفيذ تهديداته، فإنَّ كندا والمكسيك قد تلجآن إلى فرض رسوم مضادة على المنتجات الأمريكية، مما سيُؤدي إلى تصعيد قد يضرّ بالصادرات الأمريكية ويزيد من التوترات الاقتصادية.
الرد المحتمل من الصين
تأتي الرسوم الأمريكية الجديدة في وقت حساس، حيث تسعى بكين لتعزيز استقرار اقتصادها وسط تباطؤ النمو العالمي. ورغم أنّ الصين لم تعلن بعد عن ردّ رسمي على تهديدات ترامب، إلا أنّ التجارب السابقة تُشير إلى أنَّها لن تبقى مكتوفة الأيدي، وقد تفرض بدورها رسومًا جمركية على المنتجات الأمريكية، خاصة في القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا والزراعة.
وفي حال تصاعد الموقف، فقد نشهد موجة جديدة من الحرب التجارية بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم، وهو سيناريو قد يضر بالأسواق العالمية ويعيد للأذهان تبعات المواجهة التجارية التي اندلعت بين البلدين في 2018.
اقرأ المزيد في هذا التقرير: تأثير رسوم ترامب الجمركية على المكسيك والصين وكندا
المستهلك الأمريكي.. أكبر المتضررين؟
من المحتمل أن تؤثر الرسوم الجمركية الجديدة على الشركات الأمريكية، خاصة تلك التي تعتمد على الواردات من الصين والمكسيك وكندا، مثل قطاع السيارات، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار على المستهلكين الأمريكيين.
كما أنّ المنتجات المستوردة من الصين والمكسيك وكندا تشمل العديد من السلع الاستهلاكية اليومية، مثل الإلكترونيات وقطع الغيار، وهذا يعني أنّ رفع الرسوم الجمركية سيؤدي إلى ارتفاع التكاليف في مختلف القطاعات.
وفي خضم هذا الصراع، قد يكون المواطن الأمريكي هو الضحية الأكبر، إذ إنّ أيّ رسوم جديدة تعني ارتفاع أسعار السلع المستوردة، مما قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وتقليل القوة الشرائية للمستهلكين.
في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال الأهم: هل هذه الرسوم مجرد أداة ضغط تفاوضية، أم أنّنا أمام مواجهة تجارية جديدة؟ التجارب السابقة مع ترامب تُشير إلى أنَّه لا يتردد في استخدام التهديدات للحصول على مكاسب، لكنه أيضًا لا يخاطر بخسائر كبيرة قد تؤثر على الاقتصاد الأمريكي.
مع ذلك، فإن الشركاء التجاريين للولايات المتحدة قد لا يكونون مستعدين لتقديم تنازلات بسهولة، مما يجعل المواجهة خيارًا مطروحًا.
اطلع على تأثير رسوم ترامب الجمركية في السوق العالمي في هذا التقرير الشامل!