تقرير: باسل محمود
في منعطف جديد للصراع الروسي الأوكراني، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفًا تصعيديًا غير تقليدي، حين هدد بفرض رسوم جمركية ثانوية تصل إلى 50% على كل من يشتري النفط الروسي، ما لم تتوصل موسكو لاتفاق يضع حدًا للحرب في أوكرانيا.
التهديد -الذي أطلقه ترامب خلال مقابلة مع شبكة NBC News- يُعَدُّ من أشدِّ الخطوات الاقتصادية المطروحة منذ اندلاع الحرب، ويضع شركاء روسيا التجاريين، لا سيما الصين والهند، أمام معضلة استراتيجية معقدة.
النفط سلاح للتفاوض
قال ترامب إنَّه “غاضب جدًا” من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على خلفية تصريحات للأخير شكَّك فيها بقدرة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على قيادة بلاده، حيث يرى ترامب أنَّ هذه التصريحات تعطل مساعيه السياسية الرامية لوقف الحرب.
وفي لهجة حازمة، قال الرئيس الأمريكي: “إذا لم نتوصل إلى اتِّفاق مع روسيا، وإذا اعتقدت أنها هي السبب، فسأفرض رسوما ثانوية على كل برميل نفط روسي يُباع، قد تصل إلى 50%”. وأضاف: “من يشتري النفط من روسيا لن يسمح له بممارسة الأعمال في الولايات المتحدة”، مشيرًا إلى أنَّ الإجراءات قد تُطَبَّق خلال شهر واحد فقط.
رسائل ضمنية للصين والهند
يبدو أنَّ ترامب يخطط لتطبيق سياسة الرسوم الثانوية على روسيا، مستهدفًا كبار عملائها مثل الصين والهند وتركيا بالدرجة الأولى، وهي استراتيجية عقوبات غير مباشرة سبق أنَّ استخدمتها إدارة ترامب مؤخرًا ضد مشتري النفط الفنزويلي.
هذه الرسالة الضمنية جاءت واضحة في التصريحات، ما يهدد بإعادة رسم خرائط تجارة الطاقة العالمية إذا ما طبقت فعليًا.
اقرأ أيضًا: ارتفاع أسعار النفط بعد الهجوم الأوكراني على روسيا
علاقات معقدة وتصريحات متناقضة
رغم التصعيد، حرص ترامب على الإشارة إلى أنه “لديه علاقة جيدة جدا مع بوتين”، مؤكدًا أن “غضبه يتبدد بسرعة إذا قام الأخير بما هو صائب”.
هذه التصريحات تعكس توازنًا دقيقا بين لغة التهديد ومحاولات الحفاظ على قنوات التواصل، في وقت لم تُكشف فيه تفاصيل اللقاءات غير المعلنة التي أُشير إلى وجودها.
وقد أبدى ترامب مؤخرًا تحفظًا ملحوظًا بشأن فرض عقوبات جديدة على روسيا، في سياق الحرب الدائرة في أوكرانيا، مشيرًا إلى أنَّه لا يرغب في اتخاذ خطوات قد تُعرقل فرص التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وقال في تصريحات من المكتب البيضاوي: “إذا شعرت أنني قريب من التوصل إلى اتفاق، فلن أُفسده بفرض عقوبات الآن”.
ومن ناحية أخرى، أشار ترامب إلى أنَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما يتعمّد تأخير المحادثات بشأن الهدنة، معربًا عن انزعاجه من استمرار القصف الروسي، ومضيفًا: “سنرى ما إذا كان يتلاعب بنا، وإذا تأكدنا من ذلك فإن ردّنا سيكون مختلفا”، بحسب وكالة “رويترز”.
قد يهمّك أيضًا: استراتيجية أمريكا تجاه روسيا.. بين التصعيد العسكري وإعادة التقييم
الدفع نحو هدنة موسعة
جاءت تهديدات ترامب في أعقاب زيارة الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب له في فلوريدا، في مارس الماضي، حيث دعا الأخير إلى تحديد موعد نهائي لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، واقترح يوم 20 أبريل 2025 موعدًا أقصى لإنهاء الأعمال العدائية، وهو ما لم يحدث حتى الآن، خاصة بعد اتساع الصراع الروسي الأوكراني، نتيجة الهجمة المباغتة التي قامت بها أوكرانيا، واستهدفت طائرات روسية استراتيجية باستخدام الطائرات بدون طيار.
هذه الدعوة تأتي متسقة مع الجهود الأمريكية الرامية لفرض هدنة موسعة، كانت قد طُرحت لأول مرة في مارس خلال مفاوضات غير معلنة في السعودية.
ورغم التوترات، توصّلت موسكو وكييف مؤخرا إلى اتفاق جزئي يسمح بحرية الملاحة في البحر الأسود، وتحييد منشآت الطاقة من الهجمات، وهو اتفاق يُنظر إليه كأرضية هشة لمفاوضات أوسع، لكنه حتى الآن لم يُقنع واشنطن بجدية روسيا، وفق ما يُفهم من لهجة ترامب التصعيدية.
من استيراد إلى حظر كامل
توقّفت الولايات المتحدة عن استيراد النفط الروسي منذ أبريل 2022، بعد أن بلغت الذروة في 2010 عند 98 مليون برميل سنويا. وفي 2023، لم تتجاوز الكميات الواردة 10 آلاف برميل فقط، ما يعني أن التهديدات الحالية لا تستهدف واردات واشنطن، بل صادرات موسكو إلى شركاء عالميين آخرين.
وتشير بيانات عام 2024 إلى أن الهند باتت أكبر مستورد للنفط الروسي المنقول بحرًا بنسبة 35% من وارداتها، وتعد الصين كذلك من أكبر المشترين، ما يجعلها في مرمى التأثيرات المباشرة للعقوبات الثانوية.
ومن هنا، فإنَّ أي تنفيذ فعلي لتهديدات ترامب قد يُربك حسابات هذه الدول، ويُعقّد علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة.
اقرأ أيضًا: روسيا أمام اختبار علاقة بوتين مع ترامب