ترامب يُعيد الدولار إلى القمة.. كيف أجبر أوروبا على دفع 1.3 تريليون دولار؟
في تطور اقتصادي لافت يعكس تحوّلًا جديدًا في موازين القوى العالمية، تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من فرض واقع تجاري جديد على الاتحاد الأوروبي، عبر سلسلة من الإجراءات والصفقات التي أعادت صياغة العلاقة بين الطرفين لصالح واشنطن، وفتحت الباب أمام عودة قوية للدولار إلى واجهة المشهد المالي العالمي؛ فبينما كانت الأسواق تترقب مواجهة تجارية مفتوحة، جاءت تحركات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدروسة وذات طابع هجومي محسوب، أسفرت عن اتفاق اقتصادي ضخم أجبر أوروبا على تقديم تنازلات مؤلمة في ملفات الرسوم الجمركية والطاقة والاستثمار.
الرسوم الجمركية.. أداة ضغط أمريكية فعالة
يقول وليد عادل، الخبير المصرفي، إنَّ الولايات المتحدة الأمريكية نجحت خلال الشهور الأخيرة، وتحديدًا من مارس إلى يوليو 2025، في فرض واقع اقتصادي جديد أعاد للدولار هيبته العالمية، وذلك من خلال سلسلة إجراءات جمركية ضغطت على الاتحاد الأوروبي وأجبرته على تقديم تنازلات اقتصادية استراتيجية تصب في مصلحة الاقتصاد الأمريكي.
وأوضح عادل أنَّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومنذ بداية مارس، شرعت في فرض رسوم جمركية تصاعدية على الصادرات الأوروبية إلى السوق الأمريكية، بدأت بفرض 25% على واردات السيارات، ثم عدّلت النسبة إلى 20% لتشمل معظم السلع الأوروبية في أبريل، قبل أن تصعّد التهديدات في يونيو برفع الرسوم إلى 50% في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
وأضاف أنَّ الرد الأوروبي لم يكن بالمستوى المتوقع، حيث اكتفى التكتل بتهديدات مضادة، لكنه على أرض الواقع جمّد أي رد فعل فعلي لمدة 90 يومًا، وبنهاية هذه المهلة تم التوصل إلى اتفاق نهائي يقضي بفرض رسوم مخففة بنسبة 15% فقط على عدد من السلع، ما مثّل تراجعًا واضحًا من الجانب الأوروبي عن سقف مطالبه.
اطّلع على تفاصيل الاتفاق التجاري الأمريكي الأوروبي.. هل هو نهاية الحرب التجارية أم بداية جديدة؟
صفقة استراتيجية تعيد هيبة الدولار
كشف وليد عادل أن ما وصفه بـ”صفقة إعادة بريق الدولار” تضمّنت أيضًا التزامًا أوروبيًا بشراء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات، بالإضافة إلى استثمارات مباشرة أوروبية داخل الولايات المتحدة بقيمة 600 مليار دولار يتم ضخها تدريجيًا حتى عام 2028. وقد جاء هذا التحول الدرامي في العلاقة التجارية عقب اجتماع مهم جمع الرئيس ترامب برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في اسكتلندا يوم 27 يوليو، وأسفر عن إلغاء خطر اندلاع حرب تجارية مفتوحة.
وأشار إلى أن السر الحقيقي وراء نجاح هذه الصفقة يعود إلى تفوّق واشنطن في استخدام ما وصفه بـ”الهيمنة النقدية العالمية للدولار”، كون الدولار هو العملة الاحتياطية الأولى في العالم، وهذا الامتياز يمنح الولايات المتحدة قدرة استثنائية على التحكم في السيولة العالمية والتمويل والتجارة الدولية، ما يجعل أي ضغط اقتصادي منها مؤثرًا بشكل مباشر على الطرف المقابل، وهو ما حدث مع الاتحاد الأوروبي.
تنازلات أوروبية حاسمة في ملفات الطاقة والاستثمار
أوضح عادل أن الاتفاق النهائي، رغم ما تضمنه من تخفيف في نسبة الرسوم المفروضة، يعد من الناحية السياسية والاقتصادية تنازلًا أوروبيًا كبيرًا، خاصة أنَّه ألزم أوروبا بتعهدات مالية ضخمة في ملفي الطاقة والاستثمار، دون أن تحصل في المقابل على وضع “صفر مقابل صفر” كما كانت تطالب به في المحادثات التجارية، أي إعفاء متبادل من الرسوم الجمركية.
وأضاف أن الرئيس ترامب استغل توقيت فرض الرسوم بذكاء شديد، إذ أطلق التهديدات قبل أيام قليلة من موعد التنفيذ، ما أحدث حالة من الارتباك داخل دوائر القرار في أوروبا، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاق يميل بشكل كبير لصالح الولايات المتحدة، رغم محاولات فرنسا وألمانيا الدفاع عن موقف أوروبي موحّد، ووصف بعض المسؤولين الأوروبيين يوم الاتفاق بأنه “يوم أسود” أو “استسلام سياسي”.
كما أشار وليد عادل إلى أنَّ الاتحاد الأوروبي، من خلال تعليق الرسوم المضادة والالتزام بشراء طاقة واستثمارات أمريكية، يدعم عمليًا الدولار الأمريكي من دون إعلان رسمي، إذ إنَّ ضخ هذه التدفقات المالية الهائلة إلى الاقتصاد الأمريكي يعزز الطلب على الدولار ويرفع قيمته السوقية، وفي المقابل لم تحصل أوروبا على أية مكاسب تعويضية مماثلة، بل اضطرت إلى قبول رسوم 15% على عدد كبير من السلع، بما في ذلك المعادن مثل الألومنيوم والصلب، وهي بنود شديدة الحساسية اقتصاديًا.
الأسواق العالمية تتفاعل مع الاتفاق
أوضح الخبير الاقتصادي أن الدولار الأمريكي شهد صعودًا قويًا بعد الإعلان عن الاتفاق، وارتفع بقوة أمام كل من اليورو والين والجنيه الإسترليني، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ عدة شهور، مدفوعًا بانخفاض التوتر التجاري وزيادة الطلب على العملة الأمريكية.
كما قفزت مؤشرات الأسهم الأمريكية، ووصل مؤشر S&P 500 إلى مستويات قياسية، مدفوعًا بتفاؤل المستثمرين بالنتائج الاقتصادية للصفقة، فيما بدأت بعض الأصوات التحذيرية تتحدث عن احتمالات فقاعة في أسواق المال الأمريكية، على النقيض، شهدت الأسواق الأوروبية تراجعًا حادًا، خاصة في قطاعات السيارات والطاقة، التي كانت الأكثر تأثرًا بالرسوم الجديدة، ما عكس حالة القلق من التبعات الاقتصادية للصفقة على الجانب الأوروبي.
أما الذهب، فقد تعرض لضغوط شديدة، وفقًا لعادل، نتيجة صعود الدولار وتراجع المخاوف العالمية، مما أفقد المعدن الأصفر جزءًا كبيرًا من جاذبيته كملاذ آمن، حيث انخفض سعر الذهب بنسبة تقترب من 1.4% خلال أسبوع واحد فقط، ليسجّل أدنى مستوياته منذ 3 أسابيع، رغم محاولاته للتماسك.
انعكاسات على السوق المصري
أكد وليد عادل أنَّ صعود الدولار عالميًا يلقي بظلاله على الأسواق المحلية، ومنها السوق المصرية، رغم الضوابط التي يفرضها البنك المركزي على سعر الصرف، وأشار إلى أن زيادة الطلب التجاري والاستيرادي قد تعيد بعض الضغوط على سعر الدولار في مصر، إلا أن دخول استثمارات أجنبية غير مباشرة خلال الفترة الأخيرة (المعروفة بـ”الأموال الساخنة”) دعم الاحتياطي من النقد الأجنبي وقلّل من حدة التأثير، رغم ما تحمله هذه الأموال من مخاطر نظرًا لسهولة خروجها من السوق في أوقات التقلبات.
وبالنسبة للذهب، قال إن سعره مرهون بتحركاته عالميًا، ومع تراجع سعر الذهب عالميًا نتيجة قوة الدولار، فمن المتوقع أن يشهد السوق المصري انخفاضًا في أسعار الذهب طالما استمر تحسّن الجنيه واحتفاظ الدولار بزخم الصعود.
ما الذي ينتظر الدولار والذهب والأسواق بعد الصفقة؟
يرى وليد عادل أن الدولار قد يواصل صعوده خلال الشهور المقبلة إذا استمرت الولايات المتحدة في سياساتها الدفاعية الاقتصادية، معززة بثقة الأسواق، لكنه في المقابل لا يستبعد أن تخطط أوروبا أو آسيا إلى تقليص الاعتماد على الدولار من خلال تعزيز مكانة اليورو أو اليوان كعملات احتياطية بديلة على المدى الطويل.
أما الذهب، فقد يظل تحت الضغط إذا واصل الدولار صعوده، إلا أن أي مؤشرات على تباطؤ اقتصادي أو تصحيحات حادة في أسواق الأسهم قد تعيد الطلب على المعدن النفيس كملاذ آمن، مما قد يدفع الأسعار مجددًا إلى الارتفاع.
وبخصوص الأسواق العالمية، حذَّر عادل من أن استمرار النزاعات التجارية أو امتدادها إلى دول أخرى مثل كندا أو الهند، قد يدخل الأسواق في مرحلة اضطرابات وتقلبات حادة، مع احتمالات بحدوث اضطراب في سلاسل التوريد العالمية وزيادة معدلات التضخم، مما قد يُجبر البنوك المركزية على إعادة النظر في سياساتها النقدية.
واختتم وليد عادل تصريحاته بالتأكيد على أن “أمريكا فرضت واقعًا جديدًا، أعادت من خلاله توجيه دفة الاقتصاد العالمي لصالحها، مستغلة نفوذ الدولار، وقدرتها على انتزاع تنازلات من قوى اقتصادية كبرى مثل الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي من شأنه أن يحدث سلسلة من التداعيات المركبة على الأسواق العالمية، بما في ذلك الأسواق الناشئة مثل مصر، والتي ستشهد آثارًا مباشرة وغير مباشرة لهذه التحولات خلال الأسابيع المقبلة”.
قد يهمّك أيضًا: ترامب يفرض رسومًا جديدة على عشرات الدول وسط تحذيرات دولية