تقرير: باسل محمود
وسط مشهد دمار خلفته الحرب السورية التي استمرت أكثر من عقد، تبدو تركيا مستعدة للعب دور محوري في إعادة إعمار سوريا، حيث تتطلع أنقرة إلى استغلال إمكانياتها الاقتصادية والخبرات التقنية لإحياء القطاعات الحيوية في سوريا، وعلى رأسها النفط والغاز الطبيعي، بحسب بلومبرج.
هذا التحرك لا يعكس فقط رغبة تركية في المساهمة بإعادة الإعمار، بل أيضًا في تعزيز نفوذها الإقليمي، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات سياسية واقتصادية ضخمة.
رؤية أنقرة لإحياء الطاقة في سوريا
أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار مؤخرًا، عن خطط شاملة تهدف إلى تطوير إنتاج النفط والغاز في سوريا، مُشيرًا إلى أن هذه المشاريع تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، فضلًا عن تلبية احتياجات البلاد من الكهرباء. وقال: “نحن نعمل على استراتيجيات تُسهم في إعادة إعمار سوريا باستخدام مواردها الطبيعية”، مشددًا على أهمية تطوير المشاريع بالتعاون مع الأطراف المعنية.
من خلال هذه المشاريع، تسعى تركيا لتعزيز موقعها كحليف استراتيجي لسوريا، مستغلة الفرصة للتعاون في قطاعات مثل الطاقة والبنية التحتية، وبحسب التقديرات الحالية فإن إنتاج النفط في سوريا يبلغ نحو 30 ألف برميل يوميًا فقط، مقارنة بمئات الآلاف قبل الحرب.
اقرأ أيضًا: تركيا تعزز نفوذها عبر إعادة ترسيم الحدود البحرية مع سوريا
تغيير المعادلة السياسية في سوريا
التحولات السياسية الأخيرة في سوريا، بما في ذلك صعود هيئة تحرير الشام إلى السلطة، بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، ألقت بظلالها على المشهد الاقتصادي، ففي حين تُصنَّف هذه الجماعة كمنظمة إرهابية من قبل العديد من الدول، أبدت تركيا استعدادها لإعادة تقييم موقفها منها، ما يشير إلى مرونة سياسية قد تمهد لتعاون اقتصادي أعمق.
في الوقت نفسه، أعلنت مجموعة السبع دعمها لحكومة سورية جديدة، مما يعزز شرعية النظام الجديد، ويجعل الساحة مفتوحة أمام الدول الإقليمية للمشاركة في إعادة الإعمار، وهذا بدوره قد يُسرِّع من تنفيذ المشاريع التركية، خاصة مع الحاجة الماسة لتطوير قطاع الطاقة الذي يعتبر حجر الزاوية لأي عملية إعادة إعمار.
مصالح اقتصادية وإنسانية
ترى تركيا في إعادة إعمار سوريا فرصة لتعزيز شراكتها مع القيادة الجديدة في دمشق، خاصة وأنّ من بين المبادرات المطروحة تطوير خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز من سوريا إلى تركيا، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تحقيق مكاسب اقتصادية مشتركة.
وفي هذا السياق، قال الوزير بيرقدار: “هذا التعاون يهدف إلى بناء علاقات طويلة الأمد، تتجاوز الفائدة الاقتصادية إلى تحسين حياة الملايين من السوريين”.
على الجانب الإنساني، يُنظر إلى هذه المشاريع كوسيلة لتسهيل عودة ملايين اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا، وهو هدف تسعى أنقرة لتحقيقه لتخفيف الضغط الاقتصادي والاجتماعي على البلاد.
اقرأ أيضًا: تركيا توسع نفوذها في سوريا .. ما دور قطاع الطاقة؟
طموح تركيا في الطاقة والبنية التحتية
لم تقتصر تصريحات وزير الطاقة على سوريا فقط، بل تضمنت خططًا استراتيجية أخرى تشمل محطات الطاقة النووية، حيث قال إن تركيا تخطط لاتخاذ قرارات نهائية بشأن بناء محطات جديدة للطاقة النووية على ساحل البحر الأسود وفي منطقة تراقيا.
أيضًا خط أنابيب العراق – جيهان، حيث أشار الوزير التركي إلى استئناف المحادثات مع العراق لاستعادة تدفق النفط عبر هذا الخط الحيوي، كما تطرق إلى الحديث عن مشاريع الذهب في النيجر، قائلا: “تركيا تتوسع في التنقيب عن الذهب بمواقع جديدة في البلد الإفريقي”. وأشار كذلك إلى طاقة الرياح البحرية، حيث قال إن بلاده تجري مفاوضات مع فرنسا لتطوير مشاريع مشتركة في هذا القطاع.
هذا النهج متعدد الأبعاد، يعكس رؤية تركية للاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة والتقليدية، مع التركيز على بناء شراكات اقتصادية قوية، مع الدول الإقليمية.
التحديات السياسية في سوريا
رغم الطموحات الكبيرة، تواجه تركيا تحديات سياسية وميدانية لا يمكن تجاهلها، حيث إنّ صعود هيئة تحرير الشام إلى السلطة، وتوازن المصالح مع الموقف الدولي، يضيفان تعقيدات إلى عملية إعادة الإعمار، كما أن تدمير البنية التحتية السورية خلال سنوات الحرب يجعل تكلفة الإعمار باهظة، ما يتطلب شراكات دولية واسعة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن استقرار الوضع الأمني في سوريا يظل شرطًا أساسيًا لنجاح المشاريع، فمن دون تأمين مناطق العمل وضمان سلامة الفرق الفنية، قد تواجه هذه الخطط عوائق كبيرة.
اقرأ أيضًا: كيف سيطرت إسرائيل وتركيا على ثروات سوريا المائية؟
تنافس إقليمي ودولي في سوريا
تمثل سوريا فرصة لتركيا لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط، فمن خلال الاستثمار في مشاريع الطاقة تأمل أنقرة أن تلعب دور الوسيط بين دمشق وأوروبا، مع تحسين علاقاتها مع الدول الكبرى، التي تدعم إعادة الإعمار. وترى تركيا، التي استثمرت بالفعل في مشاريع ضخمة مثل خط أنابيب العراق – جيهان، أن هذه الجهود الإقليمية تزيد من استقرارها الاقتصادي وتضمن أمنها الطاقوي.
مع دخول الدولة السورية حقبة جديدة، تبدو تركيا على استعداد لتقديم دعم اقتصادي كبير يعزز من تعافي البلاد، رغم التحديات السياسية واللوجستية. وقد قال أحد المحللين الاقتصاديين، ملخصًا جوهر الدور التركي المرتقب: “إعادة الإعمار ليست مجرد فرصة اقتصادية، بل واجب إنساني يُسهم في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة بأسرها”.
اقرأ أيضًا: سوريا.. بين التحديات الداخلية والتدخلات الدولية
