الصين وأوروبا تبحثان تسوية أزمة السيارات الكهربائية

أعلنت وزارة التجارة الصينية عن إجراء مباحثات هامة مع الجانب الأوروبي خلال الأسبوع الماضي، تناولت التوترات المتصاعدة بشأن أزمة السيارات الكهربائية، وذلك في إطار الجهود المشتركة للتوصل إلى حلول تُرضي الطرفين وتخفف من حدة الإجراءات التجارية المتبادلة.

وصرّح متحدث باسم وزارة التجارة الصينية، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الرسمية “شينخوا”، أن هذه المحادثات جرت بين وزير التجارة الصيني، وانغ ون تاو، والمفوض الأوروبي لشؤون التجارة والأمن الاقتصادي، ماروش شيفتشوفيتش، حيث التقيا في العاصمة الفرنسية باريس في الثالث من يونيو الجاري.

تحقيقات أوروبية واتهامات بالدعم الحكومي غير العادل

تركزت المناقشات على ملف تحقيقات مكافحة الدعم التي يجريها الاتحاد الأوروبي بشأن صادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى أوروبا، حيث تتهم المفوضية الأوروبية بكين بمنح دعم غير عادل لشركات تصنيع هذه السيارات، مما يمنحها ميزة تنافسية في الأسواق الأوروبية.

وأكَّد المتحدث الصيني أن هذه المحادثات اتسمت بالتركيز والشفافية والعمق، حيث تبادل الطرفان وجهات النظر بشكل مفصل حول القضايا العالقة، وتم التوافق على ضرورة تكثيف التنسيق والتحضيرات ذات الصلة بالفعاليات الاقتصادية والتجارية المدرجة على أجندة التعاون الصيني الأوروبي خلال ما تبقى من العام الجاري، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن نتائج أو مخرجات ملموسة لهذا اللقاء.

جذور النزاع التجاري بين الصين وأوروبا

كان الاتحاد الأوروبي قد أطلق دعوة رسمية لضرورة تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في العلاقات التجارية مع الصين، لا سيما فيما يخص الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات الكهربائية، واقترح الجانب الأوروبي فتح قنوات تفاوض مباشرة مع بكين لمناقشة سبل التوصل إلى حلول، من بينها آليات مثل الالتزامات السعرية أو دفع الشركات الصينية نحو الاستثمار المباشر داخل القارة الأوروبية، باعتبارها أدوات فعّالة لتحقيق توازن في العلاقات التجارية وتخفيف حدة النزاع.

وفي خطوة تصعيدية سابقة، أيّدت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خلال شهر أكتوبر من العام الماضي، فرض رسوم جمركية تصل إلى 45% على السيارات الكهربائية المصنعة في الصين، وقد استند القرار الأوروبي إلى نتائج أولية لتحقيقات المفوضية التي تفيد بوجود دعم حكومي صيني واسع النطاق وغير عادل لتلك الصناعات.

في المقابل، رفضت بكين هذه الاتهامات بشكل قاطع، مؤكدة التزامها بقواعد السوق والمنافسة، كما لوّحت بإجراءات مضادة إذا استمرت ما وصفتها بـ”الإجراءات غير المنصفة”.

على جانب آخر، أبدت شركات تصنيع السيارات الصينية اهتماماً متزايداً بالتوسع في السوق الأوروبية، خاصة من خلال بناء مصانع تجميع وتصنيع محلية داخل أوروبا، حيث تطمح هذه الشركات إلى تجاوز القيود الجمركية وتقديم سيارات كهربائية بأسعار منخفضة لمنافسة نظرائها الأوروبيين، في وقت يشهد فيه السوق المحلي الصيني تباطؤًا في الطلب، رغم أنه ما يزال أكبر سوق للسيارات في العالم.

القلق الأوروبي من الإغراق الصيني وتداعياته

يأتي التوسع في واردات السيارات الكهربائية الصينية إلى أوروبا ليضيف مزيداً من التوتر إلى العلاقات التجارية، حيث أبدت شركات السيارات الأوروبية قلقها من تأثير هذه الواردات على قدرتها التنافسية، في ظل فروقات كبيرة في تكلفة الإنتاج والدعم الحكومي.

وتُمثل المحادثات الثنائية بين الصين والاتحاد الأوروبي خطوة دبلوماسية تهدف إلى كبح جماح النزاع التجاري بين اثنين من أكبر الشركاء التجاريين في العالم، في وقت يشهد الاقتصاد العالمي تغيرات سريعة وتحولات في موازين القوى الصناعية والتجارية.

اقرأ أيضًا: نقطة تحول تاريخية.. الصين تتصدر سوق السيارات الكهربائية عالميًا

قراءة تحليلية: هل تشهد العلاقات انفراجًا قريبًا؟

يرى الدكتور أيمن عبد المقصود، الخبير الاقتصادي، أن المباحثات الأخيرة التي جرت في باريس، تعكس هدوءاً ملحوظًا في التوترات الاقتصادية بين بكين وبروكسل، خصوصًا فيما يتعلق بقطاع السيارات الكهربائية، الذي بات أحد أهم رموز الصراع الصناعي والتكنولوجي في العالم.

وأوضح عبد المقصود، أن الاجتماع جاء في توقيت حساس، حيث يشهد العالم إعادة ترتيب لمعادلات الإنتاج والتجارة بعد تداعيات الجائحة والتغيرات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن قضية “مكافحة الدعم” التي يناقشها الاتحاد الأوروبي ضد صادرات الصين من السيارات الكهربائية تحمل أبعادًا أعمق من مجرد إجراءات جمركية.

وأضاف عبد المقصود: “الاتحاد الأوروبي يرى أن الدعم الحكومي الصيني الممنوح للشركات المصنعة للسيارات الكهربائية يمنحها أفضلية غير عادلة تهدد الصناعة المحلية الأوروبية، وهو ما دفعه للمضي في تحقيقاته وفرض رسوم جمركية في أكتوبر الماضي”. وأردف: ” الصين من جانبها ترفض هذه المزاعم، وتعتبرها محاولة لكبح نجاحها في قطاع تقني حيوي تقود فيه حاليًا السوق العالمية”.

اقرأ أيضًا: تراجع الأسعار يعمق أزمة اقتصاد الصين

أوراق ضغط متبادلة وفرص تفاوضية

أشار عبد المقصود إلى أن الرد الصيني لم يتأخر، حيث بادرت بكين إلى فتح تحقيق مضاد في ملف إغراق السوق الصينية بمشروب البراندي الأوروبي، في خطوة يمكن وصفها بأنها ورقة ضغط اقتصادية مضادة، كما تم التطرق في المحادثات إلى قضايا تتعلق بسياسات الرقابة على الصادرات.

وأكد أن المحادثات بين الجانبين تُعد خطوة إيجابية نحو الحوار وتخفيف التوتر، خصوصًا في ظل الاتفاق على تكثيف التحضيرات الاقتصادية والتجارية ضمن أجندة التعاون الثنائي خلال ما تبقى من العام الجاري.

انعكاسات النزاع على التحول نحو الاقتصاد الأخضر

بيّن عبد المقصود أن سعي شركات السيارات الصينية لتوسيع وجودها داخل القارة الأوروبية، يهدف لتجنب الإجراءات الحمائية وتحقيق اختراق استراتيجي للأسواق، خاصة في ظل تباطؤ الطلب في السوق الصينية. وأضاف: “هذا التوسع قد يُشكل تحديًا حقيقيًا لصناع السيارات في أوروبا، ويزيد من حدة المنافسة في وقت حساس يشهد فيه القطاع تحولات جذرية نحو السيارات الكهربائية”.

وتابع: “نحن أمام أزمة تجارية مرشحة للتصعيد إذا لم يتم احتواؤها، فكل طرف يرى أنه يدافع عن مصالحه الصناعية، لكن استمرار فرض إجراءات مضادة سيُربك سلاسل التوريد ويؤثر سلبًا على المستهلك الأوروبي والعالمي في النهاية”.

وحذر عبد المقصود بدوره من أنَّ استمرار التوتر بين الجانبين قد ينعكس سلبًا على التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، مضيفًا: “السيارات الكهربائية ليست مجرد سلعة استهلاكية، بل عنصر محوري في تحقيق أهداف المناخ العالمية، وأي اضطراب في سلاسل إنتاجها أو توزيعها سيؤثر حتمًا على الأجندة البيئية للدول”.

وقد ختم تصريحاته بالتأكيد على أهمية إيجاد حلول متوازنة تقوم على الحوار والشفافية وتبادل المصالح، بعيدًا عن منطق الصراع والمواجهة، داعيًا الاتحاد الأوروبي والصين إلى الانخراط في مفاوضات جدية تعزز استقرار التجارة الدولية وتحمي الصناعة والبيئة في آن واحد.

اقرأ أيضًا: انكماش مصانع الصين في مايو.. بيانات تكشف تداعيات الرسوم الجمركية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة