تصريحات ترامب حول المرور المجاني بقناة السويس تثير جدلًا واسعًا

في تطور مثير للجدل يعكس تصاعد التوترات في المشهد الدولي، أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن المرور المجاني بقناة السويس للسفن الأمريكية ردود فعل غاضبة ومنددة، خاصة من الجانب المصري.

وقد وصف خبراء اقتصاديون هذه التصريحات بأنها تمثل تعديًا سافرًا على السيادة الوطنية ومخالفة صارخة للقوانين والأعراف الدولية التي تنظم حركة الملاحة البحرية.

خبراء يصفون تصريحات ترامب بـ “البلطجة السياسية”

من جانبه وصف الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي،  التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب، والتي طالب فيها بمرور السفن الأمريكية مجانًا عبر كل من قناة السويس وقناة بنما، بأنها قمة مظاهر “البلطجة السياسية” وتعكس عقلية استعمارية بائدة تجاوزها العصر الحديث.

وأوضح الشوربجي أن قناة السويس كانت ولا تزال شريانًا سياديًا مصريًا خالصًا، تخضع بالكامل للسيادة المصرية، ولا تقبل أي تدخلات أو وصايات من أي طرف خارجي، وقال: “نود أن نذكر الرئيس ترامب وغيره ممن يحاولون تحريف التاريخ، بأن قناة السويس تم حفرها بأيادٍ مصرية خالصة وبدماء أبناء مصر، وقد استغرق بناء هذا الممر العظيم عشر سنوات (1859 – 1869)، وشارك فيه ما يقرب من مليون مصري، استُشهد منهم أكثر من 120 ألف عامل خلال الحفر نتيجة الجوع والعطش والأوبئة وسوء المعاملة”.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن قناة السويس تُعد اليوم من أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبرها نحو 12% من حجم التجارة العالمية و22% من تجارة الحاويات، كما تُعتبر مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي لمصر، مما يجعلها عنصرًا حيويًا لا يمكن التفريط فيه أو المساس بسيادته بأي حال من الأحوال.

تأثير الأزمات العالمية على إيرادات القناة

تطرق الدكتور الشوربجي إلى التحديات التي واجهتها قناة السويس خلال عام 2024، مشيرًا إلى تراجع حركة الملاحة بنسبة بلغت نحو 60% نتيجة للأزمات الاقتصادية العالمية، مما تسبب في خسائر مالية لمصر قدرت بحوالي سبعة مليارات دولار، وشدد على أن هذه التحديات زادت من أهمية التمسك الصارم بالسيادة الكاملة على القناة ورفض أي مطالبات أو تنازلات تتعلق بها.

وأكد الشوربجي أن مرور السفن عبر قناة السويس يخضع لاتفاقيات دولية واضحة وقوانين صارمة، وأن مبدأ المرور العادل يقتضي دفع رسوم مرور مستحقة تحفظ مصالح جميع الأطراف. وقال: “لا يوجد شيء يُمنح مجانًا. قناة السويس ليست مجالًا للابتزاز السياسي أو الاقتصادي. من يريد العبور عبر القناة عليه أن يدفع الرسوم المقررة، تمامًا كما يفعل الجميع، ولا استثناءات لأي طرف كان”.

وأضاف: “مياهنا ليست ساحة لعروض مجانية ولا مجال للمساومة على سيادتنا، وقناة السويس كانت وستظل تحت السيادة المصرية الكاملة، ولا نقبل الإملاءات أو الضغوط، أياً كان مصدرها”.

واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أنَّ مصر دولة قوية ذات سيادة راسخة، وأن إرادتها الوطنية لا يمكن كسرها أو فرض أي شروط عليها، وأن تصريحات ترامب تعكس عدم فهم للتحولات الدولية الجديدة، حيث أصبح العالم اليوم يقوم على التعددية والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، ولم يعد يتحمل منطق الاستعمار أو أساليب الهيمنة القديمة، وأكد أنَّ أي محاولة لتطبيع مبدأ “المرور المجاني” أو فرضه تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية ستُواجه من مصر بكل حسم، حمايةً لحقوقها القانونية والتاريخية.

اقرأ أيضًا: التوترات الإقليمية تؤثر على إيرادات قناة السويس في 2024

رفض مصري واسع لمطالب ترامب

من جانبه وصف الدكتور أيمن عبد المقصود، الخبير الاقتصادي، مطالب ترامب بالمرور المجاني بقناة السويس بأنها “تسولًا سياسيًا مرفوضًا”، كما أنّها تعيد العالم إلى عصور غطرسة القوة وزمن قطاع الطرق، مشددًا على أن مصر دولة ذات سيادة كاملة ولا يمكن أن تقبل بأي انتهاك لحقوقها التاريخية والقانونية.

وقال عبد المقصود إنَّ طلب ترامب يعكس جهلًا فاضحًا بالقوانين الدولية والأعراف الراسخة التي تحكم الممرات المائية، وعلى رأسها اتفاقية القسطنطينية التي نظمت الملاحة في قناة السويس منذ أكثر من قرن ونصف.

وأضاف: “الإدارة الأمريكية تحاول عبر هذه التصريحات فرض منطق الهيمنة على مقدرات الشعوب، وهو أمر تجاوزه العالم الحديث، ولن تسمح به مصر التي تدير قناة السويس وفق قواعد سيادية وقوانين دولية معترف بها”.

وأوضح عبد المقصود أن حديث ترامب بأن للولايات المتحدة فضلًا في إنشاء قناة السويس “يدعو للسخرية”، مؤكدًا أن القناة شُيدت بسواعد مصرية وإرادة خالصة في عهد الخديوي سعيد والخديوي إسماعيل، في وقت كانت فيه أمريكا لا تزال في طور التأسيس ولم يكن لها أي دور مؤثر في العلاقات الدولية أو في مشروعات البنية التحتية العالمية.

وشدد عبد المقصود على أن مصر تملك السيادة الكاملة على قناة السويس، التي تعد شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، ولها الحق الأصيل في فرض رسوم المرور بشكل موحد وعادل على جميع السفن دون أي استثناءات أو تمييز. وأضاف: “محاولة استثناء السفن الأمريكية خرق فاضح للقانون الدولي، ولا يمكن قبوله بأي شكل من الأشكال”.

كما أشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذه التصريحات تمثل امتدادًا لنهج الرئيس ترامب في إطلاق تصريحات استفزازية وغير محسوبة، سبق أن طالت دولًا ومناطق عديدة حول العالم، من اقتراحه لضم جرينلاند، إلى محاولته تغيير الوضع القائم في قناة بنما، والآن يتحدث عن قناة السويس بنفس المنطق المتعجرف.

تقويض الاستقرار في النظام الدولي

وأكد عبد المقصود أن مصر، قيادة وشعبًا، ترفض تمامًا مثل هذه الادعاءات ولن تسمح بأي تدخل أجنبي في شؤونها السيادية، مشيدًا بحكمة القيادة السياسية في إدارة الملف بمنتهى الحزم والعقلانية، عبر الالتزام بالقوانين الدولية ورفض أي محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع.

وتابع قائلًا: “هذه التصريحات تكشف عن أزمة حقيقية في إدراك الإدارة الأمريكية الجديدة لحدود القوة والنفوذ في النظام العالمي الحالي، فمصر دولة محورية وقوة إقليمية يُحسب لها ألف حساب، ولن تقبل أبدًا أن تكون قناة السويس موضع مساومة أو ابتزاز من أي طرف كان”.

ومن ناحية أخرى، حذَّر عبد المقصود من أنَّ محاولات فرض إرادة سياسية بالقوة أو الاستقواء على الحقوق السيادية للدول قد تؤدي إلى تقويض الاستقرار في النظام الدولي، داعيًا المجتمع الدولي إلى الوقوف بحزم أمام مثل هذه التصريحات العبثية.

وفي ختام تصريحاته، أكد الدكتور أيمن عبد المقصود أن قناة السويس ستظل دائمًا رمزًا للسيادة المصرية وعنوانًا للكرامة الوطنية، ولن تمر عبرها أي سفينة دون الخضوع للقوانين واللوائح المنظمة للمرور ودفع الرسوم المستحقة، مشيرًا إلى أن مصر قادرة على الدفاع عن حقوقها بكل قوة وحكمة.

قد يهمّك أيضًا: كيف يعزز مشروع ازدواج قناة السويس أهميتها في حركة الملاحة العالمية؟

تحذيرات من المساس بالسيادة المصرية

يرى الدكتور عمرو إبراهيم، الخبير الاقتصادي، أن التصريحات الأخيرة لترامب تمثل “صدمة جديدة للعالم ومصر على وجه الخصوص”، مشددًا على أن قناة السويس شريان حيوي لا يمكن التفريط فيه أو القبول بأي تدخلات خارجية تمس سيادة مصر عليه.

وأضاف الدكتور عمرو إبراهيم أنَّ ترامب طالب بشكل علني بالسماح بمرور السفن الأمريكية عبر قناتي السويس وبنما دون دفع أي رسوم، بزعم أن الولايات المتحدة كان لها دور في نشأة هذه الممرات المائية، وهو طرح وصفه إبراهيم بأنه “غير قانوني وغير منطقي”، لا سيما فيما يخص قناة السويس التي أنشأتها مصر بدماء وأموال أبنائها ولا ترتبط بأي امتياز أمريكي.

وفي السياق ذاته، أشار إبراهيم إلى أن الإدارة الأمريكية فتحت منذ مارس الماضي تحقيقًا رسميًا عبر لجنة الشحن البحري الفيدرالية الأمريكية، مطالبةً مصر بالرد خلال 60 يومًا على ادعاءات بتعطيل مرور السفن الأمريكية عبر القناة. وأكد أن هذا التحقيق يحمل في طياته نوايا قد تؤدي إلى فرض عقوبات اقتصادية على مصر إذا اعتبرت الولايات المتحدة أن هناك تعمدًا في تعطيل السفن الأمريكية.

تعرّف أيضًا إلى تصريحات الرئيس الأمريكي بما يتعلق بقناة بنما

قناة السويس.. شريان حيوي للاقتصاد المصري

شدد الخبير الاقتصادي على أنَّ أي تأخيرات في حركة الملاحة بقناة السويس ترجع إلى ظروف لوجستية مرتبطة بطبيعة القناة، التي تعتمد في مناطق كثيرة على المرور أحادي الاتجاه، مما يستلزم تنظيم حركة السفن بطريقة دورية ولا علاقة له بأي استهداف لأي دولة أو جنسية معينة.

وأوضح الدكتور عمرو إبراهيم أن قناة السويس تُعد مصدرًا أساسيًا للنقد الأجنبي لمصر، مشيرًا إلى أن حجم إيراداتها تأثر بشدة العام الماضي، حيث انخفض من 10.2 مليار دولار إلى 3.9 مليار دولار، بسبب الأوضاع الأمنية المضطربة في البحر الأحمر وهجمات الحوثيين، وهو ما يزيد من خطورة أي تهديدات إضافية تستهدف القناة.

كما لفت إلى أن تصريحات ترامب تزامنت مع تحركات أمريكية للاستحواذ على مينائين في بنما عبر تحالف بقيادة شركة بلاك روك، معتبرًا أن هناك اتجاها أمريكيا واضحًا لتعزيز السيطرة على الممرات البحرية العالمية، سواء بالاستحواذ أو بالضغط السياسي والإعلامي.

وأكد أن مصر حاربت عبر تاريخها للحفاظ على قناة السويس، وخاضت حروبًا كبرى دفاعًا عن هذا الممر الحيوي، مشددًا على أن أي حديث عن مرور مجاني للسفن الأجنبية في القناة يمثل مساسًا مباشرًا بالسيادة الوطنية ومصالح الاقتصاد القومي المصري.

وأشار الدكتور عمرو إبراهيم إلى أن إدارة قناة السويس واجهت بالفعل ظروفًا صعبة خلال العامين الماضيين، خاصة مع التحويل المؤقت لمسارات بعض السفن إلى رأس الرجاء الصالح، بسبب القلق من الهجمات على السفن في البحر الأحمر، إلا أن الأمور بدأت بالتحسن تدريجيًا مؤخرًا.

واختتم تصريحاته قائلاً إن “حماية قناة السويس ليست فقط قضية اقتصادية بل قضية سيادة وطنية، ولن تسمح مصر تحت أي ظرف بالتفريط فيها أو بالمساس بحقوقها التاريخية والقانونية في إدارة القناة، وسيتطلب هذا الملف تحركًا دبلوماسيًا مصريًا قويًا وسريعًا للرد على هذه التصريحات والاستفزازات الأمريكية”.

اقرأ أيضًا: ما أهمية قناة السويس للتجارة العالمية؟

ردود فعل برلمانية غاضبة

في أول رد فعل برلماني على التصريحات المثيرة لترامب، أعرب النائب مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، عن رفضه القاطع لهذه التصريحات، معتبرًا إياها تدخلًا سافرًا في السيادة الوطنية المصرية وخرقًا واضحًا للقوانين والمواثيق الدولية.

وخلال كلمته بالجلسة العامة للبرلمان أثناء مناقشة قانون الثروة العقارية، انتقد بكري بشدة الملاحظات التي أبداها النائب عبد المنعم إمام، والذي وصف فيها وضع مصر بأنها تراجعت إلى مرتبة “دول العالم الرابع”. وأكَّد أن مصر، رغم التحديات والصعوبات التي تواجهها على مختلف الأصعدة الاستراتيجية، تشهد نهضة شاملة، مدعومة بإرادة سياسية قوية ورؤية وطنية طموحة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

رفض قاطع للهيمنة الأجنبية

شدَّد بكري على أن مواقف القيادة السياسية المصرية ترتكز على حماية الأمن القومي ومواجهة أي محاولات للنيل من الدولة المصرية أو التدخل في شؤونها الداخلية، موضحًا أن تصريحات ترامب تمثل نموذجًا صارخًا لهذه المحاولات العدوانية.

ووصف النائب البرلماني تصريحات ترامب بأنها “بلطجة دولية مرفوضة”، مؤكدًا أن مطالبة الولايات المتحدة بمرور سفنها مجانًا عبر قناة السويس انتهاك فاضح لسيادة مصر واستقلال قرارها الوطني. وأشار إلى أن القناة تخضع لاتفاقيات دولية تحكم المرور بها، تضمن حقوق مصر التاريخية والقانونية، ولا تسمح بأي استثناءات لدولة بعينها.

وأضاف بكري أن ترامب حاول تبرير طلبه الغريب بالسماح للسفن الأمريكية بالمرور المجاني بقناة السويس، بادعاء أن الولايات المتحدة كان لها دور في إنشاء قناة السويس، وهو أمر وصفه بكري بأنه “محض خيال”، موضحًا أن القناة شُيدت بعرق وجهود المصريين في منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدًا خلال عهد الخديوي سعيد والخديوي إسماعيل، بينما كانت الولايات المتحدة حينها تخرج للتو من حرب أهلية وكانت لا تزال في مراحل تأسيسها الأولى.

دعوة للوحدة الوطنية

في ختام كلمته، دعا مصطفى بكري جميع أبناء الشعب المصري إلى الاصطفاف صفًا واحدًا خلف القيادة السياسية في مواجهة أي محاولات للمساس بالسيادة الوطنية أو فرض إملاءات خارجية، مشددًا على أن قوة تماسك الشعب المصري هي السلاح الحقيقي لمواجهة هذه التحديات والضغوط الدولية.

وأكد بكري أن مصر قادرة، بفضل وعي شعبها وصلابة مؤسساتها، على التصدي لكل محاولات الابتزاز السياسي والضغوط الخارجية، وأن قناة السويس ستظل دائمًا تحت السيادة المصرية الكاملة، ولن يتم السماح لأي طرف كان بالتدخل في إدارتها أو فرض شروط مجحفة تخالف القوانين والأعراف الدولية.

اقرأ أيضًا: قناة السويس في مواجهة التحديات.. 75٪ من السفن الأمريكية تغير مسارها

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة