تصعيد إسرائيل وإيران يفجر اضطرابًا في أسواق الطاقة والمال العالمية
في تطور ميداني عنيف أشعل المخاوف الاقتصادية، تصاعدت التوترات بين إسرائيل وإيران، وشنَّت إسرائيل فجر الجمعة 13 يونيو 2025 سلسلة من الغارات الجوية غير المسبوقة على أهداف عسكرية ونووية داخل إيران، مستهدفة منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ومواقع إطلاق صواريخ باليستية.
هذا التصعيد المفاجئ عمّق من حدة التوتر في الشرق الأوسط، وأحدث صدمة فورية في أسواق المال والطاقة، وسط حالة من الذعر والترقب لدى المستثمرين وصناع القرار حول العالم.
اشتعال أسعار النفط
لم يمر وقت على إعلان إسرائيل تنفيذ الضربة، حتى قفزت أسعار النفط بشكل عنيف في الأسواق العالمية، حيث ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 6 دولارات للبرميل، أي ما يعادل 12%، ليصل إلى 75 دولار، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 4.35 دولار، بنسبة 6.39%، مسجلًا 72.39 دولار للبرميل.
هذا الارتفاع الحاد يعكس قلقًا عالميًا من أن التصعيد قد يؤدي إلى تعطيل تدفق النفط في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من صادرات الخام العالمية، ويُعد المضيق نقطة استراتيجية تمثل الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي في ما يتعلق بالطاقة، وأي تهديد له ينعكس مباشرة على الأسواق المالية وأسعار المواد الخام وتكاليف الإنتاج.
تل أبيب تعلن الطوارئ وطهران تتوعد
بالتوازي مع الغارات، أعلنت السلطات الإسرائيلية حالة طوارئ خاصة، مطالبة السكان بالبقاء قرب الملاجئ تحسبًا لأي رد إيراني محتمل، في حين أكدت مصادر أمنية في طهران أن البلاد تُعد لرد عسكري واسع النطاق، معتبرة أن الهجوم الإسرائيلي تجاوز “كل الخطوط الحمراء”، ومن شأنه أن يفجّر الوضع في المنطقة برمّتها.
التحركات العسكرية المفاجئة أشعلت الأجواء السياسية والإعلامية، وفتحت الباب أمام موجة جديدة من التحليلات التي تشير إلى أن المواجهة قد لا تكون محدودة، بل تحمل سيناريوهات تصعيد طويلة المدى، خاصة في ظل وجود خلافات غير قابلة للحل بين الجانبين حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
اقرأ أيضًا: هل تضرب إسرائيل منشآت النفط الإيرانية؟
انهيارات الأسهم وهروب نحو الذهب
الارتدادات الاقتصادية لم تتأخر، إذ سجّلت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأوروبية تراجعًا حادًا صباح الجمعة، حيث انخفض مؤشر “يورو ستوكس 50” بنسبة 1.8%، بينما هوى مؤشر “إس آند بي 500” الأمريكي بنسبة 2%، وتراجعت مؤشرات أسواق آسيا بنسبة 1%. ولم يكن هذا مفاجئًا، إذ إنَّ رأس المال يبحث دومًا عن الأمان، ومع اشتعال الجبهات الجيوسياسية باتت الأصول عالية المخاطر في موقف ضعيف.
في المقابل، اندفع المستثمرون نحو الملاذات الآمنة، فارتفعت أسعار الذهب بنسبة 1.4% لتقترب من أعلى مستوياتها على الإطلاق، كما ارتفعت قيمة الين الياباني، بينما سجل الدولار الأمريكي قفزة قوية بعد موجة التراجعات السابقة.
في ذات الوقت، تعرضت العملات المشفّرة لهزة قوية، حيث فقدت غالبية العملات الرئيسية ما بين 5% و10% من قيمتها خلال ساعات قليلة، نتيجة لموجات بيع عشوائية.
كارثة نفطية وتضخم عالمي
في تعليقها على المشهد، قالت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، إن العالم يواجه احتمالًا خطيرًا بحدوث أزمة نفطية جديدة قد تتجاوز في تأثيرها أزمة السبعينات، مشيرة إلى أن مضيق هرمز هو شريان حياة الاقتصاد العالمي، وأي تهديد لحركته سيؤدي إلى ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار النفط قد تصل إلى 120 أو حتى 140 دولارًا للبرميل.
وأكدت الشافعي أن التصعيد لا يُمكن عزله عن السياق الاقتصادي الدولي، حيث يعاني العالم بالفعل من تضخم مرتفع، واضطرابات في سلاسل الإمداد، ومعدلات فائدة مرتفعة، وقالت: “التوتر في الشرق الأوسط يُضاف إلى سلسلة أزمات لم تنته بعد، من كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، والآن أمامنا احتمال تفجر مواجهة إقليمية قد تتحول إلى حرب طويلة الأمد”.
وأشارت إلى أن الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط، مثل مصر ولبنان والعراق، ستكون الأكثر تأثرًا، سواء من حيث تقلبات أسعار الصرف، أو نزوح الاستثمارات الأجنبية، أو ارتفاع تكاليف الاستيراد. كما حذرت من تأثير مباشر على قطاعات السياحة والطيران والنقل، مؤكدة أن الأولويات الاقتصادية ستتغير، مع اتجاه الحكومات نحو تخصيص المزيد من الموارد لتأمين الطاقة والغذاء، بدلاً من الاستثمار في التنمية.
اقرأ أيضًا: إيران تتوعد بالرد وإسرائيل تحشد الدعم.. ماذا بعد الضربة الكبرى؟
الذهب.. الملاذ الأول وقت الحرب
في تحليلها للاتجاهات الاستثمارية، قالت الشافعي إنَّ الذهب سيظل هو الملاذ الأول، في ظل تزايد الإقبال عليه من البنوك المركزية والمستثمرين الأفراد والمؤسسات، مضيفة أن الأسعار قد تتجاوز 2500 دولار للأونصة إذا اتسعت رقعة الصراع.
كما أشارت إلى أن إسرائيل نفسها، رغم قوتها الاقتصادية، قد تدخل في ركود داخلي بسبب الضغوط المالية وتراجع ثقة المستثمرين، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والعقارات.
اقرأ أيضًا: إيران تقترب من قنبلة نووية.. وترامب يلوّح باتفاق
بسبب إسرائيل وإيران.. الاستثمار يواجه سيناريوهات الهلع
من جهتها، قالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن البورصات العربية دخلت فعليًا في موجة نزيف حاد منذ إعلان الضربات، مشيرة إلى أن المؤشر السعودي تراجع بأكثر من 2%، بينما فقدت بورصات الإمارات ما يزيد على 5% من قيمتها خلال جلستين، حيث هبط مؤشر أبوظبي 4% ودبي 2%، في مشهد يعكس “حالة من الذعر الجماعي”.
وأضافت رمسيس أنَّ البورصة المصرية لم تكن بعيدة عن التأثير، فقد شهدت موجة بيع عنيفة في جلسة الأمس، عززتها عوامل داخلية أبرزها عودة ضريبة الدمغة بعد إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية، وهو ما زاد من قلق المستثمرين، لا سيما الأجانب، الذين اتجهوا إلى التخارج السريع.
وقالت إن المتعاملين الأفراد الأكثر جرأة قد يرون في هذه اللحظة فرصة للشراء بأسعار مغرية، لكن السوق عمومًا يسير في اتجاه هبوطي بفعل غياب الرؤية السياسية، وتخوف المتعاملين من اتساع رقعة النزاع. وأضافت: “في الأزمات تصنع الثروات، نعم، ولكن بشرط وجود عقلانية في إدارة المخاطر… ونحن الآن أمام حالة من انعدام الرؤية”.
وأكدت رمسيس أن القطاعات الأكثر تضررًا ستكون الطيران، والنقل، واللوجستيات، والصناعات المرتبطة بالتوريد، مشيرة إلى أن الأسواق الأوروبية أيضًا لن تكون في مأمن، خاصة في ظل اعتمادها على واردات الطاقة من مناطق الشرق الأوسط. وقالت إن الأسواق الأمريكية، رغم أنها المستفيد الأكبر من مبيعات الأسلحة، لن تكون محصنة من تداعيات أزمة كبرى في الإمدادات العالمية.
وحذّرت من استمرار النزيف في البورصة المصرية، متوقعة أن تفقد السوق مستويات دعم رئيسية إذا لم يتم احتواء الأزمة خلال أيام قليلة. واختتمت بقولها: “الوضع في غاية الحساسية… الأسواق لا تُدار الآن من البورصات، بل من غرف العمليات العسكرية”.
ضربة إسرائيل لإيران تهدد بتفجير أزمة اقتصادية عالمية
سلَّط الدكتور محمد شوادفي، أستاذ الإدارة والاستثمار بجامعة الزقازيق، الضوء على الأبعاد الاقتصادية المحتملة لهذا التصعيد العسكري، مشيرًا إلى أن الاقتصاد العالمي أمام مرحلة بالغة الحساسية، خصوصًا في ظل هشاشة الأسواق وتراكم الأزمات الدولية خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح الدكتور شوادفي أن التأثير الاقتصادي لأي صراع في منطقة الخليج يكون سريعًا ومباشرًا، نظرًا للطبيعة “الهشة” للاقتصاد العالمي الذي يتفاعل بشكل فوري مع التطورات السياسية والعسكرية. وأضاف: “الاقتصاد مثل الزجاج، يتأثر بأقل اهتزاز سياسي، فما بالك بضربة عسكرية بهذا الحجم ضد دولة بحجم إيران؟”.
وأشار إلى أن منطقة الخليج العربي وإيران تمثل ما يقرب من 28% من حجم التجارة العالمية، لا سيما تجارة الطاقة، حيث إن نحو 70% من إنتاج البتروكيماويات العالمية يخرج من هذه المنطقة، ما يجعلها شريانًا حيويًا لسوق الطاقة واللوجستيات العالمية.
ردود الفعل الاقتصادية
أكد شوادفي أنَّ أُولى ردود الفعل الاقتصادية تمثلت في الارتفاع الحاد في أسعار النفط، حيث صعد سعر البرميل فور إعلان الضربة بنسبة ملحوظة، وسط مخاوف من تعطل الإمدادات أو لجوء إيران إلى خطوات تصعيدية، من أبرزها إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من 20% من النفط العالمي.
وقال: “في الحروب يتم استخدام جميع الأوراق، وإذا شعرت إيران بأنَّ أمنها القومي مهدد فقد تلجأ إلى هذه الخطوة، والتي ستقلب موازين الاقتصاد العالمي رأسًا على عقب”.
وأضاف أنَّ الضربة الإسرائيلية تعتبر جزءًا من صراع طويل الأمد، قد يتخذ طابعًا استنزافيًا تتجاوز آثاره إيران وإسرائيل إلى دول المنطقة والعالم، لافتًا إلى أن أسعار السلع العالمية، خصوصًا الغذاء والطاقة، ستتأثر بشكل مباشر، وهو ما سيزيد من معدلات التضخم عالميًا، ويرفع من تكاليف المعيشة في الدول الفقيرة والدول المستوردة للطاقة.
وحذَّر شوادفي من أنَّ الاقتصادات الناشئة ستكون الأكثر تضررًا، لأنها تعتمد بشكل كبير على الواردات، وليس لديها قدرة ذاتية كافية لتأمين احتياجاتها الأساسية أو مواجهة تقلبات السوق. كما أشار إلى أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى اضطرابات في الملاحة الدولية، خاصة في البحر الأحمر والخليج العربي، وهو ما يستدعي خططًا بديلة للدول المعنية، بما فيها مصر، لضمان تدفق السلع وتأمين خطوط النقل البحري.
مصر وموقعها في الأزمة بين إسرائيل وإيران
أوضح الخبير الاقتصادي أنَّ الدولة المصرية لديها خبرة طويلة في إدارة الأزمات، وتمتلك قدرات لوجستية وبنية تحتية متطورة يمكن توظيفها للحد من التأثيرات السلبية لأي أزمة إقليمية، وقال: “مصر بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات استباقية، مثل توسيع الموانئ، وتعزيز الإنتاج المحلي، والاعتماد على بدائل استراتيجية في الاستيراد”.
وأضاف أنَّ مصر يمكن أن تلعب دورًا لوجستيًا مهمًا في حال تضررت طرق الملاحة في الخليج أو البحر الأحمر، مشيرًا إلى أن تحويل خطوط التجارة والموانئ إلى مسارات بديلة يضع على الدولة المصرية مسؤولية كبيرة، لكنه يفتح في الوقت نفسه آفاقًا لتعظيم دورها الاستراتيجي في المنطقة.
وفي ختام تصريحاته، شدد الدكتور محمد شوادفي على أهمية التحرك الحكيم والواعي من قِبل الدول، والابتعاد عن التصعيد، مؤكدًا أن أي توتر إضافي في المنطقة قد يساهم في تعميق الأزمات الاقتصادية العالمية، ودعا إلى تعزيز الاعتماد على الذات في الاقتصاد المحلي، وتقليل الانكشاف على الأسواق الخارجية، وبناء مرونة وطنية في مواجهة الصدمات الخارجية.
واختتم بالقول: “العالم اليوم يعيش في زمن إدارة الأزمات، لا تجنبها، وأي حدث سياسي يتحول إلى أزمة اقتصادية عابرة للحدود، لذلك فإن الحكمة مطلوبة، والعقلانية ضرورة، لأن الجميع سيدفع الثمن”.
قد يهمّك أيضًا: أين تنتشر المفاعلات النووية في العالم؟