تصعيد الدفاع الأوروبي.. التحدي الجديد للناتو

تقرير: باسل محمود

تجد الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) نفسها أمام اختبار حاسم في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والضغوط المتزايدة من الحلفاء عبر الأطلسي.

وبينما تُطرح خطط لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3% من إجمالي الناتج المحلي، تبدو هذه الخطوة أكثر من مجرد رد فعل على التهديدات الروسية؛ فهي تمثل تحضيرًا لمستقبل قد يعيد تشكيل العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، بحسب فايننشال تايمز.

تاريخ من التردد.. هل 2% كافية؟

رغم أنَّ الهدف من إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع كان قائمًا لعقد كامل، إلا أنَّ العديد من دول الناتو، خاصة الأوروبية منها، لم تُحقق هذا الهدف إلا مؤخرًا.

في 2018، التزمت ست دول فقط من أصل 32 عضوًا بتحقيق هذه النسبة، بينما يرتفع العدد هذا العام إلى 23 دولة، لكن الفجوة بين الطموحات والواقع باتت واضحة، إذ إنَّ 7 دول أوروبية، بما فيها إيطاليا وإسبانيا، بعيدة عن تحقيق الهدف.

تاريخيًا، كان الضغط الأميركي، خاصةً خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، سببًا رئيسًا في دفع الدول الأوروبية نحو زيادة إنفاقها الدفاعي، فقد أدى تهديد ترامب بانسحاب الولايات المتحدة من الحلف إلى مُسارعة القادة الأوروبيين لتلبية الحد الأدنى من المتطلبات، لكن الأزمات الأخيرة، وعلى رأسها الغزو الروسي لأوكرانيا، أكَّدت أنَّ هدف 2% لم يعد كافيًا.

هل ينهي ترامب الحرب الروسية الأوكرانية؟ .. اقرأ أحدث المستجدات!

3% من الناتج المحلي: طموح جديد أم عقبة؟

تعمل الدول الأعضاء الآن على دراسة رفع سقف الإنفاق إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مع وضع التزامات قصيرة المدى للوصول إلى 2.5% بحلول عام 2030، ويُتوقع أن يتمَّ الإعلان عن هذه الالتزامات رسميًا خلال القمة السنوية للحلف في يونيو المقبل.

الأمين العام للناتو مارك روته، أكَّد أنَّ النسبة الحالية “غير كافية لسد الفجوات في القدرات الدفاعية”، مشددًا على ضرورة زيادتها بشكل ملحوظ، وأنّ الطريق نحو تحقيق هذه الأهداف ليس سهلًا، حيث تعاني الميزانيات الوطنية من ضغوط كبيرة وسط تحديات مالية واسعة النطاق.

على سبيل المثال، تواجه دول مثل ألمانيا وفرنسا تغييرات حكومية نتيجة تصاعد الضغوط المالية، مما يجعل زيادة الإنفاق الدفاعي تحديًا سياسيًا بقدر ما هو اقتصادي.

دور الولايات المتحدة: كيف تؤثر سياسات ترامب على الناتو؟

الحديث عن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي ليس منفصلًا عن السياسة الأميركية، حيث تُشير مصادر إلى أن التزام أوروبا بهدف 3% سيكون “إشارة جيدة للولايات المتحدة، وخصوصًا لترامب” إذا ما عاد إلى البيت الأبيض، علمًا أنّ ترامب كان قد انتقد حلفاء الناتو بشكل متكرر خلال ولايته لعدم تحمُّلهم نصيبًا عادلًا من العبء الدفاعي.

في هذا السياق، يبدو أن الحكومات الأوروبية تعي أهمية إرسال رسالة واضحة مفادها أنَّ أوروبا قادرة ومستعدة لتحمل مسؤولياتها الأمنية. وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إنَّ “زيادة الإنفاق ضرورية بالنظر إلى توقعات تُشير إلى أنَّ روسيا قد تكون قادرة على تهديد دول الناتو بحلول عام 2029”.

قد يهمّك أيضًا: رؤية تحليلية حول الحرب العالمية الثالثة!

معوقات أمام الالتزامات الدفاعية

رغم الإجماع على أهمية زيادة الإنفاق الدفاعي، تواجه الدول الأوروبية تحديات كبيرة لتحقيق الأهداف الجديدة، أهمّها ما يأتي:

  • تمكنت ألمانيا أخيرًا من تحقيق هدف 2% هذا العام، لكنَّها تحتاج إلى إعادة هيكلة ميزانيتها لرفع الإنفاق إلى 3%.
  • تُنفق المملكة المتحدة نحو 2.3% حاليًا، مع تعهد بالوصول إلى 2.5% دون تحديد جدول زمني واضح.
  • تُعدُّ كل من إيطاليا وإسبانيا من بين الدول الأقل إنفاقًا في الناتو بنسبة 1.49% و1.28% على التوالي، وهما تواجهان قيودًا مالية صارمة تجعل تحقيق الهدف الجديد تحديًا هائلًا.

الدرس الأوكراني: كيف أثرت الأزمة على الدفاع الأوروبي؟

كشف الغزو الروسي لأوكرانيا بوضوح أهمية تعزيز الدفاع الأوروبي، إذ دفعت هذه الأزمة الدول الأعضاء في حلف الناتو (باستثناء الولايات المتحدة) إلى زيادة إنفاقها الدفاعي بنحو 100 مليار دولار على مدار السنوات الأخيرة.

ومع ذلك، فإن التحديات المتمثلة في الدعم العسكري المستمر لأوكرانيا، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز الردع في مواجهة روسيا، أبرزت وجود فجوات كبيرة في القدرات الدفاعية الأوروبية.

ونتيجة لهذه الظروف، بدأت الحكومات الأوروبية في استخلاص الدروس من الأزمة، مما أدى إلى تعزيز الإجماع على ضرورة زيادة الاستثمارات في المجال الدفاعي لضمان الجاهزية والاستجابة للتحديات المستقبلية.

اطّلع على تطوّرات المشهد في فرنسا وألمانيا: اقتصادان في مركب غارق!

مستقبل الناتو بين الضغوط والطموحات

تُظهر المناقشات الحالية داخل الناتو أنَّ الأمن الأوروبي ليس رفاهية، بل ضرورة حتمية في ظل التحديات المتزايدة، فمع أنَّ الطريق نحو تحقيق هدف 3% يبدو مليئًا بالعقبات، إلَّا أنّ الالتزام به يحمل دلالات استراتيجية هائلة، سواء فيما يتعلق بردع التهديدات الخارجية أو تعزيز الثقة بين الحلفاء، حيث تدرك الدول الأوروبية أنَّ هذه الخطوة ليست مجرد التزام مالي، بل اختبار لرغبتها وقدرتها على تحمل مسؤولية أمنها.

في النهاية، فإنَّ نجاح هذه الجهود يعتمد على التوازن بين الطموحات الدفاعية والقدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه القارة الأوروبية.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة