تصعيد ترامب ضد الصين يضرب سوق الكريبتو .. تبخر 18 مليار دولار

شهدت العملات الرقمية تراجعًا حادًا عقب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100% على الواردات الصينية، ما أدى إلى حالة من الارتباك في الأسواق المالية العالمية، وخلال 24 ساعة فقط تجاوزت عمليات التصفية في سوق الكريبتو 18.2 مليار دولار، في واحدة من أعنف موجات البيع التي يشهدها السوق منذ نشأته.

ومع تصاعد حدة التوتر التجاري بين واشنطن وبكين، تسارعت وتيرة الانهيار في أسعار العملات المشفرة، لتتلقى العملات الكبرى مثل بيتكوين وإيثيريوم وسولانا الضربة الأقوى، وسط عمليات تصفية جماعية للمراكز الاستثمارية بلغت نحو 18.28 مليار دولار حتى مساء الجمعة الماضي، بحسب بيانات منصة التحليلات الرقمية “كوين غلاس”.

أكبر عملية تصفية في تاريخ سوق الكريبتو

وصفت منصة “كوين غلاس” ما حدث بأنه أكبر عملية تصفية في تاريخ سوق العملات المشفرة، بعد أن جرى تصفية نحو 5 مليارات دولار من البيتكوين، و4 مليارات دولار من الإيثيريوم، ونحو ملياري دولار من سولانا خلال 24 ساعة فقط، وقد جاءت هذه الخسائر غير المسبوقة بالتزامن مع تراجع حاد في مؤشرات ناسداك وستاندرد آند بورز 500، اللذين سجلا أكبر انخفاض لهما منذ ستة أشهر، في انعكاس مباشر لمخاوف المستثمرين من اندلاع جولة جديدة من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

وخلال الأيام القليلة الماضية، فقدت البيتكوين ما يقرب من 10% من قيمتها، لتستقر عند حدود 111,600 دولار بعد أن تراجعت مؤقتًا إلى 103 آلاف دولار يوم الجمعة، بينما كانت قد سجلت مستوى قياسيًا بلغ 124 ألف دولار في الأسبوع السابق، أما الإيثيريوم فانخفضت بنسبة 14.2% من 4,365 دولارًا إلى 3,742 دولارًا، بينما كانت سولانا الأكثر تضررًا بخسارة تقارب 20% بعد تراجعها من 223 إلى 178 دولارًا في أقل من يوم واحد.

تصريحات ترامب تُضعف شهية المخاطرة

وفي منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستفرض قيودًا على تصدير البرمجيات الأساسية، متهمًا الصين بأنها أصبحت “عدائية للغاية” وتحاول “إبقاء العالم رهينة” عبر سيطرتها على سلاسل الإمداد الحيوية. هذه التصريحات لم تشعل المخاوف الاقتصادية وحسب، وإنّما أضعفت شهية المخاطرة لدى المستثمرين الذين سارعوا إلى تصفية أصولهم عالية التقلب مثل العملات الرقمية أيضًا.

وكانت سوق الكريبتو قد شهدت ازدهارًا ملحوظًا منذ تولّي ترامب منصبه، بعدما غيّر موقفه السابق المعادي للعملات الرقمية، ليبدأ في دعمها علنًا، ويُعلن عن خططه لإنشاء احتياطي وطني من العملات المشفرة، بل وسمح بإدراج الأصول الرقمية ضمن خطط التقاعد الأمريكية، الأمر الذي ساهم في رفع البيتكوين إلى مستويات تاريخية، قبل أن تعصف بها موجة التصحيح الأخيرة إثر تصاعد التوتر مع الصين.

اقرأ المزيد: رسوم ترامب الجديدة.. واشنطن وبكين على حافة أزمة اقتصادية

حركات تصحيح في سوق العملات الرقمية

قال الدكتور محمد عبد الهادي إن التراجع الأخير في أسعار العملات الرقمية لا يمكن وصفه بالانهيار، بل هو حركة تصحيح قوية داخل سوق يتسم بحساسية عالية تجاه الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، موضحًا أن ما يحدث طبيعي في ظل حالة التوتر بين القوى الاقتصادية الكبرى، وأن السوق يشهد مرحلة إعادة توازن بعد فترات من الارتفاع المبالغ فيه.

وأكد عبد الهادي أن العملات الرقمية لم تعد كيانات معزولة عن الاقتصاد العالمي، بل أصبحت تتأثر مباشرة بالقرارات السياسية والمصرفية والتحركات الاقتصادية الكبرى، شأنها شأن الأصول التقليدية مثل الأسهم والذهب، مشيرًا إلى أن الارتباط المتزايد بين أسواق المال التقليدية وسوق العملات المشفرة جعل هذه الأصول أكثر عرضة للتقلبات، لكنها في الوقت نفسه أكثر نضجًا واستيعابًا للمتغيرات.

الأصول الآمنة تجذب المستثمرين

لفت الخبير إلى أن اتجاه المستثمرين مؤخرًا نحو الأصول الآمنة مثل الدولار والذهب هو تصرف طبيعي في فترات الأزمات أو عدم اليقين، فالمستثمر يبحث دائمًا عن أدوات تحافظ على رأس ماله في أوقات الاضطراب، مؤكدًا أن هذا التحول لا يعني فقدان الثقة في العملات المشفرة، بل يعكس سلوكًا دفاعيًا مؤقتًا.

وأضاف عبد الهادي، أن سوق العملات الرقمية ما زال يتمتع بجاذبية كبيرة على المدى المتوسط والطويل، خصوصًا مع اقتراب مرحلة جديدة من التبني المؤسسي المتوقع في عام 2026، والتي ستشهد دخول شركات مالية كبرى وصناديق استثمارية عالمية إلى السوق بصورة منظمة وأكثر استقرارًا.

مطالب بتشريعات فيدرالية لتنظيم سوق الكريبتو

أوضح الدكتور عبد الهادي أن السيناريو الأقرب خلال الأسابيع المقبلة هو استمرار حالة التذبذب الحاد في أسعار الأصول الرقمية، لا سيما البيتكوين الذي قد يعاود الصعود في حال استقرت الأسواق العالمية وتراجعت حدة التوتر بين الولايات المتحدة والصين، واعتبر أن أي انفراج في العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين أو تراجع في المخاطر الجيوسياسية سينعكس فورًا على أداء العملات المشفرة، مؤكدًا أن المستثمرين يتعاملون اليوم مع البيتكوين كأصل ذي طبيعة مزدوجة: استثماري ومخزن للقيمة.

وفي سياق متصل، أشار عبد الهادي إلى التقرير الصادر عن بنك كندا الذي دعا فيه إلى الإسراع في وضع إطار تنظيمي متكامل للعملات المستقرة، وهي الأصول الرقمية التي تربط قيمتها بعملات تقليدية مثل الدولار الأمريكي. وأوضح أن هذه الدعوة تعكس إدراك البنوك المركزية في الدول المتقدمة لأهمية تنظيم هذا القطاع سريع النمو، خاصة في ظل زيادة الاعتماد على الأصول الرقمية في التحويلات والمدفوعات عبر الحدود.

العملات المستقرة بين التنظيم والابتكار المالي

قال عبدالهادي إن تصريحات رون مورو، المدير التنفيذي لعمليات الدفع في بنك كندا، جاءت لتؤكد أن البلاد بحاجة عاجلة إلى تشريعات فيدرالية واضحة لتنظيم العملات المستقرة، على غرار ما قامت به دول مثل بريطانيا وأستراليا. وأضاف أن أهمية هذه العملات تنبع من قدرتها على خفض تكاليف التحويلات الدولية وتوفير وسائل دفع أسرع وأكثر شفافية وأمانًا، خاصة مع ارتفاع كلفة الخدمات المصرفية التقليدية في بعض الدول.

وأكد أن تنظيم سوق الأصول الرقمية في كندا ما زال موزعًا بين المقاطعات والحكومة الفدرالية، وهو ما يخلق فجوة تنظيمية ينبغي سدها سريعًا، لأن البنية التحتية لأنظمة الدفع تشكل الأساس الذي يقوم عليه النظام المالي الكندي، وأي تأخير في مواكبة التكنولوجيا الحديثة قد يفقد البلاد قدرتها التنافسية.

وأشار عبد الهادي، إلى أن هناك انتقادات متزايدة داخل كندا من مؤسسات مالية وشركات ناشئة تعتبر أن البلاد متأخرة في هذا المجال مقارنة بدول متقدمة وأخرى نامية سبقتها في تبني الأطر التنظيمية لأنظمة الدفع الرقمية، لافتًا إلى أن استمرار هيمنة البنوك الخمسة الكبرى على القطاع المصرفي الكندي يؤدي إلى ضعف المنافسة وارتفاع الرسوم وتأخر المعاملات، وهو ما يتعارض مع روح الابتكار المالي.

ما المقصود بصيف العملات المستقرة؟

أوضح عبدالهادي أن العملات المستقرة المرتبطة بالدولار الأمريكي تهيمن حاليًا على السوق العالمية، وأن تصريحات البنك المركزي الكندي جاءت في ظل ما يعرف بـ”صيف العملات المستقرة”، في إشارة إلى الانتعاش الذي تشهده هذه الفئة من الأصول الرقمية بعد إقرار قانون “جينيوس” في الولايات المتحدة، الذي فتح الباب أمام استخدامها الواسع في الأسواق المالية.

وشدد الدكتور محمد عبد الهادي، على أن التوجه العالمي نحو تنظيم سوق الكريبتو لم يعد خيارًا بل أصبح ضرورة اقتصادية، خاصة بعد أن أصبحت هذه الأصول لاعبًا رئيسيًا في النظام المالي العالمي.

ولفت الخببر إلى أن بنك كندا سبق أن تعاون عام 2022 مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لتطوير عملة رقمية للبنك المركزي، قبل أن يتخلى عن المشروع في سبتمبر 2024 للتركيز على تطوير نظام مدفوعات فوري يتيح للمستخدمين استلام الأموال بشكل لحظي.

وأكد أن هذه الخطوات تمثل جزءًا من التحول العالمي نحو دمج التكنولوجيا المالية في الأنظمة المصرفية التقليدية، مشيرًا إلى أن المستقبل سيشهد مزيدًا من التنسيق الدولي لضبط هذا القطاع، بما يحافظ على الاستقرار المالي ويعزز ثقة المستثمرين في الأصول الرقمية كجزء أصيل من الاقتصاد الحديث.

اقرأ أيضًا: كيف تؤثر إجراءات الصين على صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة