تتجه الأنظار نحو المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، بعد ظهور مؤشرات قوية على اقتراب الجانبين من التوصل إلى تفاهم أولي قد يفتح الباب أمام تسوية أوسع للأزمة.
وفي هذا الشأن، أكد الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، أن المؤشرات المتسارعة خلال الساعات الأخيرة تعكس اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهم سياسي وأمني مؤقت يهدف إلى احتواء التصعيد العسكري وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات الشاملة، مشيراً إلى أن ما يجري الحديث عنه حالياً لا يمثل اتفاقاً نهائياً بقدر ما يشكل إطاراً انتقالياً لإدارة الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة النطاق.
أبرز بنود الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد المقترح
أوضح عناني أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن مسودة التفاهم المطروحة تتضمن حزمة من الإجراءات المتبادلة بين واشنطن وطهران، يأتي في مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية بشكل فوري ودون فرض رسوم عبور، مقابل تخفيف تدريجي ومشروط لبعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، بما يسمح بتهيئة مناخ أكثر ملاءمة لاستمرار التفاوض.
وأضاف أن الاتفاق المقترح ينص على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، بما يشمل مختلف ساحات التوتر المرتبطة بالأزمة، ومن بينها الجبهة اللبنانية، وذلك لإتاحة المجال أمام جولة مفاوضات موسعة تتناول القضايا الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وأشار إلى أن الاختراق الدبلوماسي الذي تحقق جاء بعد سلسلة اتصالات مكثفة ومفاوضات متواصلة شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية عديدة، حيث لعبت قطر والإمارات وباكستان أدواراً محورية في تقريب وجهات النظر ومنع الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة كانت تلوح في الأفق خلال الأيام الماضية.
أهمية تراجع ترامب عن الضربة العسكرية
أكد عناني أن نجاح الوسطاء في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالتراجع عن خيار توجيه ضربة عسكرية واسعة لإيران يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأطراف الدولية لحجم المخاطر الاقتصادية والأمنية المترتبة على أي تصعيد جديد في منطقة الخليج، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية.
وأوضح أن المعلومات المتداولة تفيد بأن الاتفاق يمنح الأولوية لمعالجة ملف الملاحة البحرية باعتباره المدخل العملي للتهدئة، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات أكثر تعقيداً حول الملف النووي الإيراني، الذي سيظل القضية الأكثر حساسية في العلاقات بين البلدين.
قد يهمّك أيضًا: اكتتاب سبيس إكس.. تضارب المصالح يلاحق إدارة ترامب
المفاوضات بين أمريكا وإيران حول تخصيب اليورانيوم
أشار عناني إلى أن المسودة المطروحة تتضمن بدء عملية تفاوض تستمر لمدة ستين يوماً لمناقشة نسب تخصيب اليورانيوم، وآليات التفتيش والرقابة الدولية، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، والقيود المحتملة على أنشطة التخصيب خلال السنوات المقبلة، مؤكداً أن أي التزامات نهائية في هذا الملف لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد التوصل إلى اتفاق شامل ومتكامل بين الجانبين.
ولفت إلى أن من بين الخيارات المطروحة حالياً استمرار عمليات تخصيب اليورانيوم داخل إيران عند مستويات منخفضة وتحت إشراف ورقابة دولية من قبل مفتشي الأمم المتحدة، في إطار صيغة تضمن منع تطوير برنامج عسكري نووي مع الحفاظ على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
العقوبات الاقتصادية
أكد عناني أن ملف العقوبات الاقتصادية يمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً خلال المفاوضات، حيث تتجه واشنطن إلى تطبيق سياسة تخفيف تدريجي للعقوبات مرتبطة بمستوى التزام طهران ببنود التفاهم الأولي، بما يشمل منح إعفاءات مؤقتة لبيع النفط الإيراني لفترات محددة، مع إمكانية توسيع هذه الإعفاءات مستقبلاً حال استمرار التقدم في مسار التفاوض.
وأضاف أن الولايات المتحدة تدرس أيضاً اتخاذ إجراءات اقتصادية إضافية خلال فترة التفاوض، تتضمن تسهيل الوصول التدريجي إلى بعض الأصول الإيرانية المجمدة، وهو ما يمثل أحد المطالب الرئيسة لطهران خلال المرحلة الحالية.
وأوضح أن ملف الأموال الإيرانية المجمدة ما زال محل نقاش مكثف، في ظل رغبة إيران في الحصول على جزء من هذه الأموال بشكل فوري، بينما تتمسك واشنطن بربط أي إفراج مالي بمستوى الالتزام بالتفاهمات السياسية والأمنية، مشيراً إلى أن المناقشات الأخيرة تناولت إمكانية السماح لطهران باستخدام جزء من أموالها المجمدة لأغراض إنسانية تشمل شراء الأدوية والسلع الأساسية.
ترتيبات التنسيق الأمني حول أمن الملاحة
أكد عناني أن التفاهم المطروح يتضمن أيضاً ترتيبات تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، وذلك من خلال تنسيق أمني مع الشركاء الإقليميين بما يضمن حرية حركة السفن التجارية وناقلات الطاقة، ويمنع أي إجراءات قد تؤدي إلى تعطيل التجارة الدولية أو تهديد استقرار أسواق النفط العالمية.
وأشار إلى أن أحد البنود المهمة في التفاهم يتمثل في التزام الطرفين بعدم اتخاذ إجراءات من شأنها توسيع النطاق الإقليمي للصراع، والعمل خلال فترة الستين يوماً على التوصل إلى تسويات سياسية للقضايا العالقة، بما يسهم في خفض التوترات الإقليمية ومنع اندلاع مواجهات جديدة.
انعكاسات التفاهم المؤقت على الأمن الإقليمي
أوضح أن نجاح الاتفاق المحتمل ستكون له انعكاسات مباشرة على ملفات إقليمية عديدة تشمل لبنان والعراق وسوريا واليمن وأمن الخليج العربي، موضحاً أن الحوار حول الأمن الإقليمي ودور إيران في المنطقة سيستمر حتى بعد التوصل إلى الاتفاق الأولي، باعتباره أحد الملفات الأكثر حساسية بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.
وفيما يتعلق بالموقف الإيراني، أوضح عناني أن التصريحات الصادرة عن طهران تعكس قدراً من التحفظ السياسي، حيث تؤكد القيادة الإيرانية أنها لم تصل بعد إلى صيغة نهائية للاتفاق رغم الاعتراف بإحراز تقدم ملموس في المفاوضات، وهو ما يشير إلى استمرار وجود نقاط خلافية تحتاج إلى مزيد من التفاوض خلال الأيام المقبلة.
كما لفت إلى أن إسرائيل تتابع التطورات الجارية بقدر كبير من القلق، في ظل مخاوفها من أن يؤدي أي اتفاق جديد إلى منح إيران مساحة أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية، مشيراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية ما زالت تتمسك بمطالب تتعلق بتفكيك البنية التحتية للتخصيب النووي، وإخراج المواد المخصبة من إيران، وفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى وقف الدعم الإيراني لحلفائها الإقليميين.
واختتم الدكتور أحمد عناني تصريحاته بالتأكيد على أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، موضحاً أن نجاح الاتفاق سيعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والعقوبات الاقتصادية، والدور الإقليمي لإيران، مشدداً على أن المنطقة تقف حالياً أمام مفترق طرق بين الانتقال إلى مسار تسوية سياسية طويلة الأمد أو العودة مجدداً إلى دوائر التصعيد وعدم الاستقرار.
اقرأ أيضًا: هل تنهي اتفاقية واشنطن وطهران المرتقبة أزمة هرمز؟