تفاصيل المفاوضات الجديدة بين تركيا والعراق بعد إلغاء اتفاقية النفط 1973
في تحوُّل استراتيجي بالغ الأهمية في مسار العلاقات العراقية التركية، أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قرارًا رسميًا بإنهاء العمل باتفاقية خط أنابيب النفط الخام الموقعة بين العراق وتركيا في 27 أغسطس 1973، المعروفة باسم “اتفاق نفط 1973″، والتي شكلت على مدى أكثر من خمسة عقود أحد أعمدة التعاون الاقتصادي بين البلدين، لاسيما في مجال تصدير النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط.
وقد تم نشر القرار الرئاسي في الجريدة الرسمية التركية يوم الاثنين، وأفاد أنَّ إيقاف العمل بالاتفاقية سيدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من 27 يوليو 2026، بالتزامن مع الذكرى الثانية والخمسين لتوقيع الاتفاق، وبذلك تنتهي المهلة القانونية للاتفاق الممدد آخر مرة عام 2010 لمدة 15 عامًا، دون أن يجدد أو يتم تعديله، ما يؤكد أن قرار الإلغاء لا يعد تصعيدًا أو انسحابًا أحاديًا مفاجئًا، بل إنهاء ضمني لعقد قانوني استنفد أغراضه في ظل تغيرات إقليمية ودولية معقدة.
اتفاق نفط 1973.. توترات قانونية واسعة
الاتفاقية القديمة كانت تهدف إلى تأمين تدفق النفط العراقي عبر الأراضي التركية وصولًا إلى ميناء جيهان، وقد شهدت على مر السنين عددًا من البروتوكولات والمذكرات الملحقة التي تم تعديلها لتواكب المتغيرات التقنية والاقتصادية، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا في التوترات السياسية والقانونية، خصوصًا بعد سماح تركيا بتصدير النفط من إقليم كردستان دون الرجوع إلى الحكومة المركزية في بغداد، ما دفع الأخيرة إلى تقديم شكاوى قضائية ضد أنقرة، انتهت بصدور حكم من غرفة التجارة الدولية بإلزام تركيا بدفع غرامات مالية تقدر بمليارات الدولارات، وتوقف الخط فعليًا منذ عام 2023.
وفي هذا الشأن، صرّح الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، بأن القرار التركي بإلغاء اتفاق نفط 1973، لا يعد تصعيدًا سياسيًا أو فرضًا للأمر الواقع، بل هو إجراء قانوني ينطوي على نوايا واضحة لإعادة هيكلة التعاون وفق نموذج أكثر عدالة للطرفين، يُراعي المصالح المتبادلة، ويعالج الإشكاليات التي شابت الاتفاقية السابقة.
وأضاف أن تركيا لجأت إلى تفعيل بند قانوني يتيح لأي طرف إنهاء الاتفاقية بإخطار مسبق، وهو ما يمهد لإبرام اتفاقية جديدة أكثر مرونة وتوازنًا، بدلًا من تعديل اتفاقية أصبحت قانونيًا وتعاقديًا غير صالحة في ظل الظروف الراهنة.
وأوضح يوسف أن الخلافات الداخلية في العراق بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، تسببت في عرقلة تطبيق الاتفاقية القديمة، ما دفع تركيا إلى اتخاذ هذه الخطوة لإزالة العوائق القانونية والمضي نحو صياغة تفاهم شامل يعزز الاستقرار الإقليمي.
مفاوضات فنية وسياسية لاتفاق جديد
بالتزامن مع إعلان الإلغاء، بدأت بالفعل مفاوضات تقنية وسياسية بين أنقرة وبغداد تهدف إلى التوصل لاتفاقية جديدة تنظم العلاقات النفطية بين البلدين، وفق ما نقلته وكالة الأناضول عن مصادر مطلعة، وتهدف الاتفاقية الجديدة إلى تأسيس آلية تعاون إستراتيجي تمتد على طول سلسلة القيمة الهيدروكربونية، من الإنتاج والتكرير والنقل، وصولًا إلى التصدير.
وسيُعاد النظر كذلك في الطاقة الاستيعابية المخصصة للعراق عبر نظام الأنابيب الحالي، الذي يتكوّن من خطين رئيسيين تبلغ طاقتهما الإجمالية نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، وتنتهي في محطة بوتاش بميناء جيهان التركي، وينظر إلى هذه البنية التحتية بوصفها مركزًا محوريًا لصادرات العراق من النفط، ما يستدعي تطوير اتفاق تشغيلي وإداري يضمن استمراريتها بعيدًا عن النزاعات القانونية.
اقرأ أيضًا: التنسيق والتنافس بين تركيا وإسرائيل على الثروات والمياه في سوريا
تفاصيل الاتفاق الجديد
تشمل محاور الاتفاقية الجديدة، تعاونًا موسعًا في مجالات الغاز الطبيعي، وتطوير الحقول المشتركة، وإقامة مشاريع تكرير وبتروكيماويات، بالإضافة إلى شراكات في مشاريع توليد الكهرباء ونقلها، ويهدف هذا الإطار المتكامل إلى تجاوز النموذج التقليدي لاتفاقيات تصدير النفط، والتوجه نحو بناء شراكة استراتيجية أوسع نطاقًا تخدم مصالح البلدين على المدى الطويل.
وفي السياق ذاته، أشار الدكتور عمرو يوسف إلى أن إعادة هيكلة التعاون النفطي لا يمكن فصلها عن المشروع العملاق المسمى “خط التنمية”، الذي يربط ميناء الفاو جنوب العراق بالحدود التركية، تمهيدًا لوصوله إلى أوروبا. ويرى يوسف أن هذا المشروع يمثل تحولًا جيوسياسيًا مهمًا في ممرات الطاقة والنقل، ويشكّل أحد أبرز عوامل التقارب بين بغداد وأنقرة في الوقت الراهن.
واعتبر أن تسوية الخلافات القديمة عبر اتفاق جديد ستكون بمثابة أرضية صلبة لانطلاق المشروع، في ظل تنافس إقليمي محتدم على الممرات اللوجستية، وخاصة في مواجهة مشروع “الممر الهندي الخليجي” الذي يمر عبر السعودية والأردن وإسرائيل، وبالتالي فإن تنسيق الرؤية الجيوسياسية بين البلدين ضرورة لإنجاح مشاريع البنية التحتية الضخمة في المنطقة.
رسالة سياسية.. لا ضغوط بل شراكة
في رده على سؤال حول ما إذا كانت الخطوة التركية تمثل ضغطًا سياسيًا على بغداد، شدد يوسف على أن القرار يحمل في جوهره بعدًا اقتصاديًا بامتياز، وأن القيادة التركية تهدف إلى بناء شراكة مستقرة بعيدًا عن التوترات مع دول الجوار، بما في ذلك العراق وسوريا، موضحًا أن الأزمات المتعلقة بالمياه، وحزب العمال الكردستاني، والمناطق الحدودية، سيتم بحثها أيضًا في إطار الاتفاق الأشمل، في ظل وجود لجان مشتركة تبحث منذ سنوات إيجاد حلول توافقية.
وفي ختام تحليله، أكَّد الدكتور عمرو يوسف أن الاتفاق الجديد المتوقع لن يكون مجرد بديل تقني للاتفاق القديم، بل فرصة لإعادة ضبط العلاقات الاقتصادية بين البلدين على أسس أكثر عدالة واستقرارًا، وقال إن تصدير النفط العراقي عبر الأراضي التركية لا يمثل فقط شريانًا اقتصاديًا للدولتين، بل ضرورة إقليمية لضمان أمن الطاقة العالمي، ما يتطلب إبرام اتفاقية عادلة تضمن الحقوق وتجنّب اللجوء إلى المحاكم أو تراكم الغرامات، وتضع حدًا لنزاعات الماضي.
قد يهمّك أيضًا: عاصفة سياسية واقتصادية تضرب تركيا وتربك أردوغان