توطين المهن في السعودية.. كيف يؤثر على الاقتصاد والمغتربين؟ 

في إطار سعي المملكة العربية السعودية لتحقيق أهداف “رؤية المملكة 2030” وتعزيز فرص العمل للمواطنين، أعلنت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن مجموعة من القرارات الهادفة إلى رفع نسب توطين المهن في السعودية في 269 مهنة عبر مختلف القطاعات.

تأتي هذه القرارات بالشراكة مع عدد من الجهات الحكومية المعنية، بهدف توفير فرص عمل منتجة ومستدامة للمواطنين في مجالات حيوية مثل طب الأسنان، والصيدلة، المحاسبة، والمهن الفنية الهندسية، وتعد هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية الوزارة لتطوير سوق العمل الوطني وزيادة الاعتماد على الكفاءات المحلية في مواجهة التحديات الاقتصادية المتجددة.

توطين المهن في السعودية

أعلنت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية عن إصدار مجموعة من القرارات الجديدة التي تهدف إلى رفع نسب التوطين في عدة قطاعات، ويتم تنفيذ هذه القرارات بالتعاون مع عدد من الجهات الحكومية، ومنها وزارة الصحة، وزارة التجارة، ووزارة البلديات والإسكان، ضمن مساعي الوزارة لتعزيز توفير فرص عمل تحفيزية ومنتجة في مختلف مناطق المملكة.

وبحسب البيان الصادر عن الوزارة، سيتم البدء في تنفيذ قرار رفع نسب التوطين في مهن الصيدلة بالتعاون مع وزارة الصحة، اعتباراً من تاريخ 27 يوليو 2025، وينص القرار على توطين الصيدليات المجتمعية والمجمعات الطبية بنسبة 35%، في حين يتم توطين الصيدلة في المستشفيات بنسبة 65%، أما الأنشطة الأخرى المتعلقة بالصيدلة فستكون نسب التوطين فيها 55%. ويشمل هذا القرار المنشآت التي تضم 5 عاملين أو أكثر في مهن الصيدلة.

وفيما يتعلق بمهن طب الأسنان، سيتم تطبيق توطين بنسبة 45% اعتباراً من 27 يوليو 2025، على أن يتم رفع هذه النسبة إلى 55% بعد مرور 12 شهراً من تنفيذ القرار. كما تم تحديد الحد الأدنى لأجور مهنة طب الأسنان للاحتساب في نسب التوطين، حيث تم تحديده عند 9000 ريال. يشمل القرار جميع المنشآت التي تضم 3 عاملين أو أكثر في مهن طب الأسنان.

أما بالنسبة للمهن المحاسبية، فقد تم رفع نسب التوطين بالتعاون مع وزارة التجارة على خمس مراحل تدريجية تمتد لخمس سنوات، بداية من 27 أكتوبر 2025. حيث ستبدأ المرحلة الأولى بتوطين 40% من المهن المحاسبية في المنشآت التي يعمل بها 5 محاسبين فأكثر، مع هدف الوصول إلى 70% خلال المراحل اللاحقة.

كما تم رفع نسبة توطين المهن الفنية الهندسية بالشراكة مع وزارة البلديات والإسكان إلى 30% من إجمالي العاملين في المهن المستهدفة، على أن يتم تنفيذ هذا القرار بدءاً من 27 يوليو 2025. ويسري هذا القرار على جميع منشآت القطاع الخاص التي يعمل بها 5 عاملين أو أكثر في المهن الفنية الهندسية.

وأصدرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أدلة إجرائية على موقعها الإلكتروني، توضح بالتفصيل آلية احتساب التوطين والعقوبات المنصوص عليها للمخالفين. هذه الإجراءات تأتي ضمن جهود الوزارة المستمرة لدعم توطين المهن وتحقيق أهداف «رؤية المملكة 2030»، وتعزيز فرص العمل للكفاءات الوطنية في مختلف القطاعات.

أهداف توطين المهن ضمن رؤية 2030

من جانبها صرحت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، أن سياسة توطين المهن في المملكة العربية السعودية من أهم السياسات الاقتصادية التي تنتهجها المملكة ضمن إطار رؤية 2030، وتهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة وبناء اقتصاد قوي ومتنوع، وأوضحت أن لهذه السياسة تأثيرات عميقة على مختلف جوانب الاقتصاد السعودي، سواء على المدى القريب أو البعيد.

وأكدت خضر أن أحد أبرز أهداف توطين المهن هو تقليل معدلات البطالة بين المواطنين السعوديين من خلال توفير فرص عمل واسعة في مختلف القطاعات، مشيرة إلى أن إدماج الكوادر الوطنية في سوق العمل لا يساهم فقط في دعم الاقتصاد، بل يتيح للشباب السعودي فرصة اكتساب الخبرات والمهارات العملية التي تؤهلهم لتولي أدوار قيادية مستقبلاً.

وأشارت إلى أن هذه السياسة تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي المحلي، حيث إن زيادة أعداد العاملين السعوديين تعني ارتفاع معدلات الإنفاق داخل المملكة، وهو ما يحفز حركة الأسواق ويعزز النشاط الاقتصادي في قطاعات عدة، مثل التجارة والخدمات والسياحة.

كما أكدت أن تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية سيؤدي إلى خفض حجم تحويلات الأموال إلى الخارج، مما يُبقي المزيد من رأس المال داخل الاقتصاد الوطني ويعيد استثماره في مشاريع تنموية تدعم خطط المملكة الاقتصادية.

تأثير التوطين على سوق العمل السعودي

وأضافت خضر في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أن التوطين يسهم بشكل كبير في تحسين الكفاءة والإنتاجية، حيث يركز على تأهيل الكوادر الوطنية وتدريبهم لتطوير مهاراتهم، ما يعزز من مستوى جودة العمل في المملكة ويشجع الابتكار والتطوير في بيئة العمل. وأوضحت أن توطين المهن في القطاعات الناشئة، مثل التكنولوجيا والطاقة المتجددة، يدعم جهود المملكة لتنويع مصادر دخلها وتقليل الاعتماد على النفط، مما يجعل الاقتصاد أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التحديات العالمية.

وتابعت الدكتورة مروى بأن هذه السياسة تُعتبر خطوة استراتيجية لتحسين بيئة العمل في المملكة وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، حيث إن المستثمرين يفضلون الدول التي تتمتع بقاعدة عمل وطنية قوية ومؤهلة. وأكدت أن التوطين يعزز من تطبيق أنظمة عمل عادلة وخلق بيئة عمل تنافسية، ما يزيد من جاذبية السوق السعودي.

وفيما يخص التحديات، أشارت إلى أن عملية التوطين قد تواجه صعوبات على المدى القصير، خاصة في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على العمالة الأجنبية، وهو ما قد يرفع تكاليف التشغيل نتيجة الحاجة إلى برامج تدريب وتأهيل مكثفة للسعوديين. إلا أنها شددت على أن هذه التحديات مؤقتة، وأن النتائج الإيجابية لهذه السياسة ستظهر بشكل أوضح على المدى البعيد.

وأوضحت الدكتورة مروى أن توطين المهن لا يقتصر فقط على توفير فرص العمل، بل يسهم أيضاً في تحقيق الاستدامة الاقتصادية للمملكة من خلال بناء اقتصاد قائم على الموارد البشرية الوطنية، وأكدت أن الاستثمار في المواطنين السعوديين من أهم الاستثمارات طويلة الأجل، حيث يعزز استقلالية الاقتصاد الوطني ويجعله أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن توطين المهن في السعودية يمثل تحولاً كبيراً في مسار الاقتصاد الوطني، ويعكس التزام المملكة بتحقيق التنمية المستدامة من خلال تمكين المواطنين وتعزيز دورهم في بناء اقتصاد مزدهر ومتنوع، وشددت على أهمية استمرار دعم هذه السياسة من خلال التعاون بين القطاعين العام والخاص لضمان تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

قد يهمّك أيضًا: السوق السعودية 2024.. عام الطروحات الكبرى وزخم التداولات

تحديات وفرص

فيما أكد الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، أن توطين المهن في المملكة العربية السعودية يحمل تأثيرات متعددة على المغتربين، تتراوح بين التحديات والفرص، وهذه التأثيرات تختلف حسب القطاع والمهنة المستهدفة.

وأضاف  حسين في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أن من أبرز تلك التأثيرات هو تقليص فرص العمل للمغتربين في بعض المجالات. حيث إن زيادة نسب التوطين في العديد من المهن، مثل المهن الطبية، المحاسبية، والهندسية، سيجعل من الصعب على المغتربين الحصول على وظائف في هذه القطاعات. 

وأشار  حسين إلى أن هذا التوجه قد يفرض على المغتربين ضرورة تطوير مهاراتهم أو اكتساب تخصصات نادرة. في الوقت الذي لا تتوفر فيه كفاءات سعودية في بعض المجالات، مما قد يفتح لهم فرصًا جديدة للعمل في المملكة، وفي هذا السياق، أكد أن زيادة توطين الوظائف قد تساهم في زيادة الحاجة لتطوير المهارات لتلبية متطلبات السوق السعودي المتطور.

أوضح حسين أيضًا أن توطين المهن سيؤثر على سوق العمل المحلي، حيث إن بعض المجالات قد تشهد زيادة في المنافسة بين السعوديين والمغتربين على الوظائف المتاحة،  هذا التوجه قد يستدعي من المغتربين التكيف مع بيئة العمل المحلية أو إعادة التفاوض بشأن عقود العمل وفقًا للظروف الجديدة.

من جهة أخرى، نوه  حسين إلى أن توجيه التوطين نحو بعض القطاعات قد يفتح المجال أمام المغتربين للعمل في مجالات أخرى لا تشملها برامج التوطين،على سبيل المثال، القطاعات التقنية أو الاستشارية قد تستمر في احتياج الخبرات الأجنبية، مما يوفر فرصًا للمغتربين في تلك المجالات.

وأخيرًا تحدث حسين عن تأثير توطين المهن على الاستقرار الوظيفي للمغتربين، حيث إن تقليص فرص المغتربين في الحصول على تصاريح عمل طويلة الأمد قد يغير من خططهم المهنية على المدى الطويل في المملكة.

واختتم أستاذ الاقتصاد تصريحاته مؤكدًا أنَّ توطين المهن في السعودية يمثل تحديات للمغتربين، لكنه في ذات الوقت يتيح لهم الفرص في مجالات جديدة، ويستدعي منهم تطوير مهاراتهم للتكيف مع المتطلبات المتغيرة لسوق العمل السعودي.

اقرأ أيضًا: السعودية وأميركا اللاتينية.. خطوة نحو تكامل اقتصادي عالمي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة