تحالف مصري فرنسي لتوطين صناعة السيارات في مصر

في خطوة استراتيجية تهدف إلى توطين صناعة السيارات في مصر، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ودعم الاقتصاد الوطني من خلال توفير النقد الأجنبي وزيادة الصادرات، أعلنت الهيئة العربية للتصنيع عن إطلاق مشروع صناعي مشترك مع مجموعة “ستيلانتس” الفرنسية، يستهدف تصنيع 240 ألف سيارة داخل مصر بحلول عام 2030.  

جاء الإعلان عن المشروع خلال اجتماع رئيس الجمهورية مع الفريق عبد المنعم التراس، رئيس الهيئة العربية للتصنيع، حيث تم استعراض أنشطة الهيئة في مختلف مجالات التصنيع، إلى جانب جهودها في تعزيز التعاون مع القطاع الخاص لإقامة مشروعات صناعية مشتركة تعتمد على الإمكانات المتطورة للهيئة.

توطين صناعة السيارات في مصر

بحسب بيان صادر عن المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية فإنَّ المشروع يُنفذ ضمن اتفاق تصنيع مشترك لإنتاج سيارات من طراز “سيتروين C4X”، حيث بدأت أعمال التخطيط في أغسطس 2023، وتم إنتاج النماذج الأولية للسيارة في مارس 2025، تمهيدًا لبدء مرحلة الإنتاج الرسمي، والتي تستهدف تصنيع 7 آلاف سيارة سنويًا لمدة أربع سنوات، بإجمالي 28 ألف سيارة في المرحلة الأولى.

ويشمل المشروع خطة مستقبلية لإنتاج طراز جديد كليًا داخل مصانع الهيئة، بالتعاون مع “ستيلانتس”، حيث من المقرر أن يبدأ خط الإنتاج في نهاية عام 2026، وسيُخصص هذا الطراز الجديد للسوق المحلي والتصدير، دون أن يتم تصنيعه في أي من مصانع المجموعة الأخرى عالميًا، ما يمنح مصر ميزة صناعية تنافسية على مستوى المنطقة والعالم.

ويُشار إلى أنَّ المشروع يعتمد على نسبة مكون محلي تصل إلى 45%، ما يعكس توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي ورفع كفاءة سلاسل التوريد الوطنية، في إطار خطة شاملة تستهدف تعزيز القدرة التنافسية للصناعة المصرية، وتخفيف العبء على ميزان المدفوعات من خلال تقليل فاتورة الاستيراد.

ويُعد هذا التعاون جزءًا من سياسة الدولة لتشجيع الشراكات الدولية مع كبار المصنعين العالميين، وتطوير البنية التحتية للصناعة الوطنية عبر نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات، ما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، ودعم استراتيجية التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية مثل صناعة السيارات.

قرأ أيضًا: مصر وفرنسا والاتحاد الأوروبي يوقعون 9 اتفاقيات ومنح بقيمة 262.3 مليون يورو

المشروع في سياق رؤية مصر 2030

هذا المشروع الطموح يمثل خطوة جديدة في رؤية مصر 2030، حيث يُتوقع أن يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة وتصدير السيارات، مع الاعتماد على التصنيع الذكي والمستدام، ومواكبة التوجه العالمي نحو الإنتاج المحلي والتكامل الصناعي.

ومن جانبه صرّح الدكتور طارق عوض، خبير صناعة السيارات، بأن التحالف المشترك بين الهيئة العربية للتصنيع ومجموعة “ستيلانتس”  يُعد خطوة استراتيجية محورية في مسار الدولة نحو توطين صناعة السيارات، وتعزيز قدرتها على خفض فاتورة الاستيراد وتحقيق الاكتفاء التدريجي في هذا القطاع الحيوي.

وأوضح أن المشروع، الذي يبدأ بإنتاج طراز “سيتروين C4X”، يمثل انطلاقة حقيقية نحو بناء قاعدة إنتاجية قوية تمتلك مقومات المنافسة، خاصة مع التخطيط لإنتاج طراز جديد كلياً بحلول نهاية 2026 يُصنّع حصرياً في مصر دون أي خطوط إنتاج مماثلة في مصانع المجموعة العالمية.

كما أشار عوض إلى أنَّ نسبة المكون المحلي التي ستصل إلى 45% في هذا المشروع تعكس رغبة الدولة في الارتقاء بمستويات التصنيع المحلي، لكنه شدد على أهمية الاستمرار في رفع هذه النسبة تدريجيًا خلال الأعوام المقبلة، بما يتماشى مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة السيارات.

البُعد التصديري والتكنولوجي للمشروع

أكَّد الدكتور طارق عوض أن البُعد التصديري للمشروع يمنحه ميزة اقتصادية مضاعفة، موضحًا أن فتح أسواق تصديرية، خصوصًا في القارة الأفريقية، يساهم في تحقيق إيرادات دولارية مستدامة، ويعزز من رصيد الدولة من النقد الأجنبي في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.

كما أضاف أن التعاون مع كيان عالمي بحجم “ستيلانتس” لا يحقق فقط مكاسب إنتاجية أو مالية، بل يسهم في نقل التكنولوجيا الحديثة وتدريب الكوادر الوطنية، ما يسد الفجوة بين الصناعات التقليدية والتقنيات المتقدمة في تصنيع المركبات، خاصة مع التطورات المتسارعة في مجالات السيارات الكهربائية والهجينة.

ونوّه عوض إلى أن المشروع الجديد يتكامل مع جهود الدولة لتطوير البنية التحتية لصناعة السيارات، لا سيما عبر مشروعات المناطق الصناعية المتخصصة، ومبادرات دعم التصنيع الأخضر، وحوافز الاستثمار الصناعي، مضيفًا أن تعزيز سلاسل الإمداد المحلية وصناعات مغذية مثل قطع الغيار والإلكترونيات سيشكل العمود الفقري لنجاح المشروع على المدى الطويل.

وفي ختام تصريحاته، أكَّد الدكتور طارق عوض أنَّ ما تشهده مصر اليوم من تحركات في هذا القطاع يُعد بمثابة إعادة رسم لخريطة صناعة السيارات في المنطقة، مشددًا على ضرورة استثمار هذا الزخم في جذب المزيد من الشراكات الاستراتيجية، ودعم المصنعين المحليين، وصولاً إلى تحقيق التحول الصناعي المنشود وبناء اقتصاد إنتاجي حقيقي.

موضوع ذو صلة: ضغوط الشرق الأوسط تلهب سعر الدولار في مصر 

الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة السيارات في مصر

يُذكر أنه في إطار جهود الدولة المصرية نحو توطين صناعة السيارات وتحقيق استقلال صناعي وتقني في هذا القطاع الاستراتيجي، أطلقت الحكومة الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة السيارات في مصر في 14 يونيو 2022، وجاءت هذه المبادرة من خلال شراكات موسعة مع الجهات المحلية والدولية، واتحاد الصناعات المصرية، لتحقيق أهداف اقتصادية تشمل تقليل الضغط على العملات الأجنبية، وتلبية الطلب المتنامي محليًا وإقليميًا على المركبات.

وتُشير التقديرات إلى أن السوق المصري سيحتاج إلى سيارات بقيمة تتجاوز 8 مليارات دولار سنويًا خلال العقد المقبل، بينما يُتوقع أن يبلغ حجم الطلب في إفريقيا نحو 5 ملايين سيارة، ما يبرز أهمية التصدير كمحور رئيسي في الاستراتيجية.

واستنادًا إلى الإمكانات الصناعية والبنية التحتية الحالية، تسعى مصر إلى أن تصبح مركزًا إقليميًا لصناعة السيارات في إفريقيا، من خلال إقامة شراكات متجددة مع المستثمرين والشركات العالمية.

البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات “AIDP”

أطلقت الدولة البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات “AIDP” خلال المعرض الأفريقي للتجارة البينية عام 2023، ليكون مظلة تنظيمية لتحفيز التصنيع المحلي، وخصوصًا في قطاع المركبات الكهربائية. ويشمل البرنامج حوافز نقدية تصل إلى 50 ألف جنيه للمستهلك، وإعفاءات ضريبية وجمركية، وإلزام المطورين العقاريين بتوفير نقاط شحن كهربائي.

كما تم تأسيس وحدة لصناعة السيارات داخل وزارة التجارة والصناعة، تضطلع بإعداد النماذج التنظيمية ونظم حوكمة الحوافز، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة لتقييم الإنتاج المحلي والمكونات المستوردة.

وفي أكتوبر 2022، صدر القانون رقم 162 بإنشاء المجلس الأعلى لصناعة السيارات وصندوق تمويل السيارات صديقة البيئة، برئاسة رئيس الوزراء وعضوية الوزراء المعنيين وخبراء من القطاع، وعلمًا أنّ المجلس يختص بوضع السياسات والاستراتيجيات العامة وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية للقطاع.

ويهدف الصندوق، الذي يتبع وزارة المالية، إلى دعم تصنيع المركبات صديقة البيئة من خلال تمويل البحوث وإنشاء المراكز التكنولوجية، وتحفيز الابتكار وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية.

قد يهمّك أيضًا: شائعة البنزين المغشوش تربك الشارع المصري

مشاريع وشراكات

تضمنت الاستراتيجية مبادرات عديدة، مثل مشروع إحلال المركبات المتقادمة منذ 2021، وتوسيع شبكات الغاز الطبيعي والشحن الكهربائي، إضافة إلى مشاريع كبرى مثل:

  • مصنع سوميتومو لضفائر السيارات في العاشر من رمضان.
  • مصنع رولينج بلس للإطارات بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
  • إعادة تشغيل شركة النصر للسيارات في نوفمبر 2024 بعد توقف دام 15 عامًا، لإنتاج الأتوبيسات والسيارات بمحركات بنزين وكهرباء، بطاقة 20 ألف سيارة سنويًا.
  • طرح أول سيارة من علامة “إكسييد” الصينية المصنعة في مصر بنسبة مكون محلي 50%.

كما تمكّنت مصر من استقطاب علامات مثل: نيسان، وجنرال موتورز، وستيلانتس، وفولكس فاجن، وبروتون، وغبور، وإيتامكو، والمانع القطرية، وتُجري مفاوضات متقدمة مع تويوتا.

ختامًا، ما تشهده مصر من تحركات في مجال صناعة السيارات يُعد تحولًا استراتيجيًا يعيد رسم خريطة هذا القطاع في المنطقة، ويمنح البلاد فرصة حقيقية للعب دور ريادي في سلاسل التوريد الإقليمية والعالمية، وتبقى الاستمرارية في تنفيذ الاستراتيجية وجذب الشراكات وتطوير البنية التحتية هي مفاتيح النجاح في الوصول إلى اقتصاد إنتاجي مستدام.

قد يهمّك أيضًا: ماذا يعني تخصيص أرض البحر الأحمر لخفض الدين العام في مصر؟ 

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة