صندوق النقد يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.3%.. لماذا؟
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي 2024/2025 إلى 4.3%، مقابل 4% في تقديرات يوليو الماضي، كما رفع توقعاته للعام المالي المقبل إلى 4.5% بدلًا من 4.1%.
وتُعد هذه الزيادة الطفيفة في المؤشرات الكلية ذات دلالة مهمة، لأنها تعكس تحسن النظرة المستقبلية لأداء الاقتصاد المصري، واستعادة الثقة التدريجية في قدرته على تحقيق نمو مستدام بعد فترة من التقلبات الحادة التي شهدتها البلاد خلال العامين الماضيين نتيجة الأزمات الإقليمية وارتفاع مستويات التضخم.
تحسن مؤشرات نمو الاقتصاد المصري
أرجع صندوق النقد الدولي هذا الانتعاش إلى مجموعة من العوامل، أبرزها استقرار السياسات المالية والنقدية، وتحسن تدفقات النقد الأجنبي، والتقدم في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من الصندوق.
كما أشار التقرير إلى أنَّ معدل التضخم في مصر سيتراجع من 33.3% في عام 2024 إلى 20.4% خلال العام المالي الجاري، قبل أن ينخفض تدريجيًا إلى 11.8% في عام 2026، وهو ما يعتبر تحولًا جوهريًا بعد موجات تضخمية غير مسبوقة شهدتها البلاد منذ عام 2022، نتيجة تراجع قيمة الجنيه المصري، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتداعيات الأزمات العالمية.
وأوضح الصندوق في تقريره أن هذا التراجع في التضخم يعكس نجاح البنك المركزي المصري في تبني سياسة نقدية أكثر انضباطًا، تعتمد على رفع أسعار الفائدة وتشديد الرقابة على السيولة، إلى جانب تحسن إمدادات العملة الأجنبية بفضل عودة التدفقات من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وزيادة الصادرات، واستقرار سوق الصرف بعد موجة تقلبات طويلة.
الحساب الجاري وميزان المدفوعات
فيما يتعلق بالقطاع الخارجي، أشار تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن الصندوق إلى تحسّن تدريجي في عجز الحساب الجاري، إذ من المتوقع أن ينخفض من -5.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 إلى -5.1% في عام 2025، ثم إلى -4.3% في عام 2026. ويعكس هذا التحسن تعافي ميزان المدفوعات تدريجيًا مع تراجع الضغوط على العملات الأجنبية وارتفاع الإيرادات السياحية، إضافة إلى تحسن نسبي في عوائد قناة السويس عقب التهدئة في البحر الأحمر وعودة حركة الملاحة الدولية إلى طبيعتها.
كما توقع أن يشهد قطاع السياحة تعافيا قويًا خلال العام الجاري، مدعومًا بزيادة أعداد السياح من أوروبا والخليج، وعودة صورة مصر كوجهة آمنة بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة وتهدئة الأوضاع الإقليمية، ومن شأن هذا التعافي أن يدعم الاحتياطيات الأجنبية ويخفف الضغط على الميزان التجاري.
تراجع طفيف في البطالة وتحسّن في القطاعات الخدمية
كذلك توقع الصندوق أن يشهد معدل البطالة تراجعًا طفيفًا من 7.4% في عام 2025 إلى 7.3% في العام المالي التالي، وهو ما يعكس توسّع النشاط الاقتصادي وتحسّن أداء القطاعات الخدمية والصناعية على حد سواء. ويرى التقرير أن جهود الدولة في توطين الصناعات التكنولوجية والتحول الرقمي ساهمت في خلق فرص عمل جديدة للشباب، خاصة في قطاعات الاتصالات، والخدمات المالية الرقمية، والتصنيع الخفيف.
وفي هذا السياق، أوضحت بيتا كويفا بروكس، نائبة مدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي، أن الصندوق رفع توقعاته للنمو في مصر نتيجة الأداء القوي للقطاع الخاص غير النفطي، لا سيما قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الذي أصبح أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة.
وأضافت بروكس أن هذا الأداء ساعد في تعويض التراجع المسجل في بعض القطاعات مثل قناة السويس وقطاع التعدين والاستخراجات، متوقعة أن تشهد هذه القطاعات استقرارًا تدريجيًا حتى عام 2026، مع استمرار النمو القوي في الأنشطة غير النفطية.
وفي سياق آخر، أشارت “بروكس” إلى أن تضخم شهر أغسطس الماضي سجّل أدنى مستوى له منذ أكثر من 40 شهرًا، مشيرة إلى أن هذا الانخفاض يعود إلى السياسات النقدية والمالية المنضبطة التي اتبعتها الحكومة والبنك المركزي، إلى جانب تحسّن وفرة العملات الأجنبية بفضل زيادة الصادرات وعودة الاستثمارات الأجنبية، وأضافت أن “تحسّن سعر الصرف” لعب دورًا هامًا في تهدئة الأسعار واستعادة ثقة المستثمرين.
الاستقرار الجيوسياسي كعامل دعم لنمو الاقتصاد المصري
من جانبه، قال وليد عادل، الخبير الاقتصادي، إن رفع صندوق النقد الدولي لتوقعاته بشأن النمو يعكس هدوء الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، خاصة بعد وقف إطلاق النار بين غزة وإسرائيل، وانتهاء المواجهات بين إيران وإسرائيل، وهي تطورات ساعدت على تهدئة الأسواق وعودة النشاط التجاري العالمي إلى مساره الطبيعي.
وأوضح الخبير، أن هذا الاستقرار ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على حركة التجارة العالمية، خصوصًا عبر قناة السويس، التي تعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد.
وأكد عادل أن أيَّ تصعيد جديد في المنطقة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والطاقة عالميًا، ما يرفع تكاليف الاستيراد ويضغط على معدلات التضخم، وهو ما يستوجب استمرار الحذر في إدارة السياسة الاقتصادية والاحتفاظ بهوامش أمان مالية كافية لمواجهة الصدمات الخارجية.
الصناعات المعتمدة على الاستيراد والملاحة الدولية
أوضح الخبير أن الصناعات المعتمدة على استيراد المواد الخام ستكون من أكثر القطاعات استفادة من عودة حركة التجارة والملاحة الدولية إلى طبيعتها، خاصة في ظل إعادة فتح الممرات البحرية في البحر الأحمر وعودة شركات الشحن الكبرى إلى المرور عبر قناة السويس بعد توقف دام أشهر.
وأوضح الخبير أنَّ تحسّن تدفقات السلع والخامات سيؤدي إلى زيادة الإنتاج الصناعي، وخفض تكاليف النقل والشحن، وهو ما يمنح الشركات المحلية مرونة أكبر في التشغيل وتحسينًا في تنافسية الصادرات المصرية.
وأشار إلى أن انتعاش الإمدادات العالمية من السلع الغذائية والمواد الخام سيخفف الضغط عن السوق المحلية، ويدعم جهود الحكومة في تثبيت الأسعار وتحقيق استقرار نقدي أوسع، خصوصًا في ظل خطة الدولة لتوطين سلاسل الإمداد الصناعية وجذب المستثمرين إلى المناطق الاقتصادية الخاصة مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
الاقتصاد المصري.. بيئة استثمارية أكثر جاذبية
من جانبها، ترى الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة الاقتصادية، أن رفع الصندوق لتوقعات النمو يعكس أيضًا إيجابية النظرة الدولية تجاه مناخ الاستثمار في مصر، بعد توقيع عدة اتفاقيات استثمارية كبرى في قطاعات الطاقة، والبتروكيماويات، والتكنولوجيا، بالإضافة إلى إطلاق الحكومة المصرية برنامجًا لتوسيع مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، وطرح شركات مملوكة للدولة في البورصة المصرية، وهذه الخطوات من شأنها أن تُعزز من ثقة المستثمرين الأجانب، وتزيد من معدلات التدفقات الرأسمالية إلى السوق المحلية.
وتوقعت الخبيرة أن تشهد الفترة المقبلة توسعًا في برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لا سيما في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة المتجددة، وهو ما سيخلق فرص عمل جديدة ويُحسن من مستوى الخدمات العامة، ويُعزز من مرونة الاقتصاد أمام التقلبات العالمية.
ولفتت الخبيرة، إلى أن تقرير صندوق النقد الدولي أظهر مزيجا من التحسّن الحذر والتفاؤل المشروط، إذ يرى أن الاقتصاد المصري بدأ بالفعل مرحلة تعاف تدريجي بعد سنوات من الضغوط، لكن استمرار هذا التحسّن يتطلب التزامًا أكبر بالإصلاحات الهيكلية، ودعم القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، كما شدد الصندوق على ضرورة الحفاظ على استقرار الأسعار وزيادة معدلات الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
اقرأ أيضًا: كيف ينعكس وقف الحرب على غزة على الاقتصاد المصري؟