ثروات فنزويلا تشعل التصعيد.. هجوم أمريكي واعتقال مادورو
تشهد الأزمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا تصعيدًا متسارعًا، وسط مؤشرات متزايدة على أن ثروات فنزويلا الهائلة تتصدر أسباب هذا التصعيد وتدفع به إلى مستويات غير مسبوقة، وقد جاءت التطورات الميدانية الأخيرة لتكشف جانبًا أكثر خطورة من الصراع، عقب الهجوم العسكري الذي شنته الولايات المتحدة على الأراضي الفنزويلية، وما أعقبه من إعلان اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما جوًا إلى خارج البلاد، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا نوعيًا في طبيعة المواجهة.
وشهدت فنزويلا، هجومًا مباشرًا تخللته انفجارات عنيفة في عدة مناطق، بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي فوق الأجواء الفنزويلية، وفي أعقاب ذلك أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده نفذت ضربة ناجحة واسعة النطاق ضد فنزويلا، مؤكدًا إلقاء القبض على مادورو وزوجته وترحيلهما خارج البلاد.
وبالتوازي مع التصعيد العسكري، وجّهت إدارة ترامب اتهامات مباشرة للرئيس الفنزويلي بقيادة منظمة مصنفة أمريكيًا كجماعة إرهابية تُعرف باسم “كارتيل دي لوس سوليس”، وهي اتهامات ينفيها مادورو بشكل قاطع، معتبرًا أنها جزء من حملة سياسية تهدف إلى تبرير التدخل العسكري وتقويض شرعية النظام الحاكم، فيما يرى محللون أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصراع على ثروات فنزويلا ومكانتها الاستراتيجية.
ثروات فنزويلا.. أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم
قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إنَّ التصعيد السياسي والتهديدات العسكرية الأمريكية تجاه فنزويلا لا يمكن فصلها بأي حال عن البعد الاقتصادي–الاستراتيجي، مؤكدًا أن جوهر الأزمة يرتبط بالثروات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها البلاد، وفي مقدمتها النفط، وليس بالاعتبارات السياسية المعلنة.
وأوضح شوقي أنَّ فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يتجاوز 300 مليار برميل، كما يحتوي قوس أورينوكو للتعدين على أكثر من 7000 إلى 8000 طن من احتياطيات الذهب، وهو ما يجعلها، وفق منطق الصراعات الدولية، في قلب التنافس على النفوذ والطاقة. واعتبر الخبير أنَّ هذه الثروة وحدها كافية لتحويل أي دولة إلى هدف مباشر للضغوط، لا سيما في ظل سعي واشنطن المستمر لإعادة الإمساك بمفاتيح أسواق الطاقة العالمية.
وأضاف أن التصريحات التصعيدية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومنها التهديد بإغلاق المجال الجوي الفنزويلي، لا يمكن قراءتها خارج هذا السياق، موضحًا أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الطاقة باعتبارها أداة نفوذ سياسي واقتصادي في آن واحد. كما أشار إلى أنه عندما تخرج دولة نفطية بحجم فنزويلا عن دائرة التأثير الأمريكي، يتحول الخطاب تدريجيًا من العقوبات الاقتصادية إلى التهديدات الأمنية.
اقرأ أيضًا: ما هو سبب انهيار اقتصاد فنزويلا رغم ثروتها النفطية الهائلة؟
هل مهدت عقوبات 2017 لحرب اقتصادية؟
لفت شوقي إلى أن العقوبات المفروضة على فنزويلا منذ عام 2017، خاصة تلك التي استهدفت قطاع النفط وشركة PDVSA، شكّلت مرحلة تمهيدية لحرب اقتصادية منظمة، هدفها شل القدرة الإنتاجية للدولة وتحويل الثروة النفطية من عنصر قوة إلى نقطة ضغط. وأكد أن حرمان فنزويلا من التكنولوجيا والاستثمارات لم يكن يستهدف تحسين الأوضاع الداخلية كما تروج له واشنطن، بل إضعاف الدولة اقتصاديًا ودفعها نحو الانهيار.
وأشار الخبير إلى أن إخفاق هذه العقوبات في إسقاط الدولة أو تغيير النظام دفع الإدارة الأمريكية إلى التفكير في خيارات أكثر خطورة، مستشهدًا بما تداولته وسائل الإعلام الأمريكية، ومنها تقارير عن نقاشات داخل البيت الأبيض بشأن ضربات محتملة، معتبرًا أن ذلك يعكس انتقال الصراع من مستوى الضغط الاقتصادي إلى حافة التهديد العسكري المباشر.
وشدد شوقي على أن الخطاب الأمريكي المتكرر حول الديمقراطية أو الاستقرار الإقليمي لا يتخطى كونه غطاءً سياسيًا لصراع على الموارد، مؤكدًا أن التاريخ الحديث يبرهن على أن الدول لا تستهدف بسبب فقرها، بل بسبب غناها ورفضها الخضوع لشروط القوى الكبرى. واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن فنزويلا تدفع ثمن امتلاكها ثروة نفطية ضخمة بالتوازي مع تمسكها بقرار سيادي مستقل.
اقرأ أيضًا: ترامب يفرض حصارًا نفطيًا على فنزويلا
انتهاك السيادة ومنطق القوة: البعد القانوني للأزمة
من جانبه، قال الدكتور أحمد عناني إن ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما قسرًا إلى خارج البلاد يمثل سابقة خطيرة وانتهاكًا واضحًا لقواعد القانون الدولي وسيادة الدول.
وأوضح عناني أن أي جهة أمريكية، سواء كانت عسكرية أو استخباراتية أو تابعة لإنفاذ القانون، لا تمتلك أي سند قانوني يخولها دخول أراضي دولة ذات سيادة وتنفيذ عمليات اعتقال بحق قادتها أو مواطنيها، مؤكدًا أن ما جرى وفق الرواية الأمريكية ذاتها يرقى إلى مستوى عملية خطف سياسي مكتملة الأركان.
وأضاف أن الترويج لوجود “تنسيق مع جهات إنفاذ القانون الأمريكية” يفتقر إلى المعنى القانوني، لأن ولاية هذه الجهات محصورة داخل الحدود الأمريكية، ولا تمتد بأي حال إلى خارجها، معتبرًا أن استخدام هذا المصطلح يهدف فقط إلى إضفاء غطاء سياسي على إجراء غير مشروع.
غياب الردود الفعل الدولية
أشار عناني إلى أن تنفيذ عملية كوماندوز داخل العاصمة كراكاس والوصول إلى مقر إقامة رئيس الدولة يعكس تبني واشنطن لمنطق القوة في إدارة ملفاتها الخارجية، ويعيد إلى الأذهان نماذج سابقة لتغيير الأنظمة بالقوة، في تجاهل كامل للأعراف والقواعد الحاكمة للنظام الدولي.
وأكد أن القبول الدولي الضمني بمثل هذه الممارسات يفتح الباب أمام فوضى عالمية خطيرة، تسمح للدول الأقوى باستهداف دول أضعف بذريعة الأمن أو حماية المصالح، محذرًا من أن هذا المسار يقوض الأسس التي قام عليها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق، تساءل عنابي عن غياب رد فعل فعّال من القوى الكبرى التي تمتلك مصالح مباشرة في فنزويلا، وعلى رأسها روسيا والصين، معتبرًا أن هذا الصمت يعكس اختلالًا عميقًا في موازين القوى، مؤكدًا أن الدول الضعيفة تظل مكشوفة أمام الهيمنة ما لم تمتلك أدوات ردع حقيقية.
الذرائع الأمريكية لإعادة تشكيل القارة اللاتينية
شدد عنابي على أن استهداف دولة ذات سيادة لا تملك القدرة العسكرية على الدفاع عن نفسها يمثل سلوكًا عدوانيًا بمعايير العلاقات الدولية، مؤكدًا أن معالجة الخلافات السياسية كان يمكن أن تتم عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية، دون اللجوء إلى القوة أو الاعتقال القسري.
وأوضح أن شيطنة الخصوم عبر اتهامهم بتهديد الأمن الإقليمي أو نشر المخدرات تمثل نمطًا متكررًا في السياسة الأمريكية، يستخدم لتهيئة الرأي العام قبل أي تدخل، مشددًا على أن هذه الذرائع لا تصمد أمام أي فحص قانوني دولي جاد.
واختتم عناني تصريحاته بالتأكيد على أن ما جرى في فنزويلا لا يستهدف شخص مادورو فحسب، بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية في أمريكا اللاتينية بما يخدم المصالح الأمريكية، محذرًا من أن استمرار هذا النهج ينذر بعالم تحكمه القوة لا القانون، ويقوض ما تبقى من الثقة في النظام الدولي.
اقرأ المزيد: هل تؤثر أحداث فنزويلا على أسواق النفط والذهب؟
