ثورة الطاقة النظيفة تجتاح الخليج: مشاريع بمليارات الدولارات

تقرير: باسل محمود

تحت شمسٍ حارقة وفي أروقة معرض تجاري ضخم بالعاصمة أبوظبي، كانت العيون شاخصةً نحو جناحٍ لامع يحمل شعار “مصدر” الإماراتية؛ الشركة التي احتفت بإعلانٍ طال انتظاره سيُغيِّر وجه الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وفق فاينينشيال تايمز.

وفي لحظة تاريخية حضرها رئيس دولة الإمارات، كشفت “مصدر” عن مشروعٍ عملاق للطاقة الشمسية تُقَدَّر قيمته بنحو 6 مليارات دولار، وبسعة 5 جيجاواط من الطاقة النظيفة، مدعومًا بما يتجاوز 19 جيجاواط/ساعة من وحدات التخزين بالبطاريات.

الأمر لا يقتصر على الإمارات وحدها؛ إذ إنّ دول الخليج بأسرها -وعلى رأسها السعودية- تتحرّك بوتيرة غير مسبوقة لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للطاقة المتجددة.

قد يبدو المشهد متناقضًا للوهلة الأولى؛ فهذه الدول تمتلك واحدة من أغنى احتياطيات الوقود الأحفوري في العالم، غير أنّ التحوّل الجاري في أروقة صنع القرار الخليجي يُشير إلى إدراكٍ متزايد بأنَّ مستقبل الطاقة لن يستند فقط إلى النفط والغاز، بل سيتأسس على مزيجٍ متكامل يلعب فيه الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح دورًا حاسمًا.

مشروع مصدر الإماراتي.. قفزة نوعية نحو الطاقة النظيفة

قبل أعوامٍ قليلة، لم تكن الإمارات تُخطِّط لتركيب ألواح شمسية إلاّ بقدرٍ محدود، وبشكلٍ لا يُقارَن بما تفعله دولٌ أوروبية مثل المملكة المتحدة، لكنّ هذا الحدث في أبوظبي بدا بمثابة ولادةٍ جديدة لطموحاتٍ ضخمة في مجال الطاقة المتجددة، تُفتَح معها آفاق أرحب لتصميم مستقبلٍ اقتصادي وتنموي مختلف.

لم يكن إعلان “مصدر” عن المشروع الضخم، عرضًا دعائيًا بقدر ما كان قفزة جادة نحو تغيير قواعد اللعبة؛ فالبطاريات المقرّر تركيبها ستُوَفّر قدرة ثابتة تصل إلى 1 جيجاواط على مدى 24 ساعة، وهو ما يكفي لتزويد أكثر من 700 ألف منزل بالكهرباء دون الحاجة للاعتماد على محطات الغاز التقليدية في ساعات الليل أو عندما تحجب الغيوم ضوء الشمس.

هذا التطور، كما وصفه سلطان الجابر، رئيس مجلس إدارة “مصدر”، هو بمثابة “خطوة أولى قد تتحوّل إلى قفزة هائلة”. كما أثار الإعلان دهشة المراقبين من حول العالم، ليس فقط بسبب حجم الاستثمار الذي يقارب 6 مليارات دولار، بل لأنّه يعكس تحوّلاً نوعيًا في ذهن صُنّاع القرار الإماراتي تجاه الطاقة المتجددة.

الإمارات، التي كانت في السابق تعتمد على مشروعات صغيرة أو متوسطة الحجم لتطوير مصادر الطاقة النظيفة، أعلنت اليوم أنَّها ماضية في تشييد أكبر مشروع للطاقة الشمسية مدعومٍ بوحدات تخزين بطاريات على مستوى العالم. ولا يخفى أنّ هذا المشروع يأتي في سياق أهدافٍ وطنية أكبر، تشمل خفض الانبعاثات وتعزيز قدرة الدولة على تصدير الغاز بدلًا من استهلاكه محليًا لتوليد الكهرباء.

ومن جهته، أعرب مازن خان، المدير المالي لشركة “مصدر”، بحماس عن أهمية هذه الخطوة، مؤكدًا أن “جميع المقومات المثالية للطاقة المتجددة متوفرة هنا، حيث إنَّ تكلفة مشروع الطاقة الشمسية والبطاريات الجديد أصبحت -لأول مرة- منافسة لمحطات الغاز التقليدية، بل قد تكون أقل تكلفة منها”.

اقرأ أيضًا: إنتاج الطاقة الشمسية.. اتفاقية تعاون بين “الدار العقارية” و”يلو دوور إنرجي”

رؤية السعودية.. مشروع الليثيوم والاستثمار في المستقبل

بالتزامن مع احتفاء الإمارات بمشروعها الطموح، كشفت “أرامكو السعودية” عن مشروع مشترك يستهدف إنتاج الليثيوم بدءًا من عام 2027. وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي أرامكو، أكبر شركة نفط في العالم، لتعزيز حضورها في قطاع حيوي يُعَدّ الركيزة الأساسية لصناعة السيارات الكهربائية وتكنولوجيا البطاريات على مستوى العالم.

يبدو هذا التحرك السعودي مدروسًا؛ فالمملكة التي كانت تشتهر بأنها مُصَدِّر عملاق للنفط تُدرك اليوم أنّ النمو الاقتصادي المستدام يتطلب التنوُّع في مصادر الدخل وامتلاك مفاتيح تكنولوجيا المستقبل. كما أنّها لا تُخفي طموحاتها في مجالات الطاقة المتجددة؛ فهي تستهدف الوصول إلى توليد 50% من كهربائها بالاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بحلول عام 2030.

هذا الهدف الطموح يتطلب تركيب نحو 130 جيجاواط من السعات الجديدة في أقل من عقد، وهي كميةٌ تكفي لتزويد نحو 25 مليون منزل بالطاقة.

قد يبدو الأمر أقرب إلى حلم، لكنّ الواقع في الخليج يُثبت قدرة هذه الدول على تنفيذ مشروعات بنية تحتية عملاقة بوقتٍ قياسي، خاصةً عندما تحظى بدعمٍ حكومي قوي وإرادة سياسية واضحة.

في تصريحاتٍ لمؤسسة “ريستاد إنرجي”، يقول رئيس قسم الطاقة المتجددة فيغارد فيك فولست: “سيتعيَّن على السعودية تسريع وتيرة التنفيذ بدرجة كبيرة، خاصةً وأنّ عام 2030 قريب نسبيًّا إلا أنّ سرعة التنفيذ في الشرق الأوسط قد تكون عالية جدًّا، كما في مشروع الإمارات الأخير، وهو جدول زمني يصعب تحقيقه في أوروبا أو أمريكا الشمالية”.

اقرأ أيضًا: تمويل بقيمة 1.6 مليار دولار لـ مشروع الشعيبة للطاقة المتجددة في السعودية

زخم التوسع في الطاقة النظيفة

تشهد منطقة الخليج العربي تحوّلًا مثيرًا في مزيج الطاقة تُبرِزه الأرقام بوضوح، وفقًا لبيانات “ريستاد إنرجي”؛ فمن المتوقع أن تصل حصة الطاقة المتجددة في إجمالي القدرات الكهربائية لدول البحرين والعراق والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات إلى 30% خلال خمس سنوات.

هذا تحوّل جذري لمنطقةٍ كانت تُعرف بتصنيفها التقليدي كواحدةٍ من أكثر الأسواق اعتمادًا على النفط والغاز، ويبدو أنّ السبب في هذا الاندفاع لا يعود إلى بواعث بيئية فحسب، بل يمتد أيضًا لأبعادٍ اقتصاديةٍ وتجارية؛ فإلى جانب خفض الانبعاثات وتحقيق الأهداف المناخية، تسعى حكومات الخليج إلى استثمار وفورات الغاز والنفط في التصدير بدلًا من استهلاكها محليًا.

من شأن هذه الخطوة أن تُعَظِّم عوائد الدول المنتجة، وتمنحها في الوقت نفسه دورًا عالميًا متناميًا في مجالات حيوية مثل تصنيع البطاريات وتصدير الهيدروجين الأخضر. وليس غريبًا أن نشهد في الوقت عينه نموًا في القروض والتمويل المُقَدَّم من المصارف التجارية الإقليمية والعالمية للمشروعات الخضراء في الخليج.

في نظر الجهات التمويلية، تمثل تلك المشاريع “الفرصة الذهبية” الجديدة بعد قطاع النفط، فضلًا عن أنّها تلبي معايير الاستدامة التي باتت تحظى بثقل متزايد عالميًا.

القطاعات غير النفطية تقود النمو في دول مجلس التعاون الخليجي.. اقرأ التقرير الكامل!

تنافس شركات عملاقة محلية ودولية

ما إن افتُتِح معرض أبوظبي للطاقة المتجددة، حتى احتشدت كُبرى الشركات الآسيوية والأوروبية في أجنحته؛ حيث تنافست شركات إقليمية رائدة مثل “مصدر” الإماراتية و”أكوا باور” السعودية مع نظيراتها الآسيوية كـ”كيبيكو” الكورية الجنوبية، و”جيرا” اليابانية، و”جينكو باور” الصينية، وكذلك الأوروبية مثل “توتال إنرجيز” و”إي دي إف” و”إنجي”.

منطقة الخليج توفّر فرصًا هائلة لهذه الشركات، فالمناخ شديد الحرارة والسماء الصافية معظم أيام السنة يشكلان بيئةً مثاليةً للمشروعات الشمسية، كما أنّ الحكومات الخليجية تنظر إلى الطاقة المتجددة بوصفها مجالًا استراتيجيًا يؤمّن استقلاليةً في المستقبل، خاصة مع تصاعد الاهتمام بتقنيات تخزين الطاقة في البطاريات.

ولعلّ أحد أبرز مظاهر هذا السباق، هو تركيز الشركات الصينية على تطوير ألواحٍ شمسية وبطارياتٍ قادرةٍ على العمل بكفاءة في درجات حرارة تفوق 60 درجة مئوية، فضلً عن مقاومة العواصف الرملية والرياح القوية.

يقول يونغ ليو، مسؤول التسويق في شركة “بي واي دي” الصينية: “بطارياتنا مصممة خصيصًا للعمل في الظروف الصحراوية القاسية، وقد زوّدنا مشروع بيشة في السعودية ببطاريات كانت تُعَدّ الأكبر عالميًّا من نوعها حتى إعلان مشروع الإمارات الجديد”.

تحديات البنية التحتية: كيف تواكب شبكات الكهرباء عصر الطاقة المتجددة؟

رغم الأجواء المتفائلة والإعلانات الكبيرة، يلوح في الأفق تحدٍّ لا يمكن تجاهله، وهو كيفية دمج هذه المشروعات الضخمة، ضمن شبكات الكهرباء المحلية التي اعتادت لعقودٍ طويلة على الوقود الأحفوري؛ حيث إنّ البنية التحتية الكهربائية في دول الخليج –شأنها شأن الكثير من دول العالم– بُنيَت أساسًا لتحمل تدفقات طاقة متواصلة من محطات توليد تعمل على النفط أو الغاز، وليس من مصادر متقطعة نسبيًا مثل الشمس والرياح.

تتجلى هذه المعضلة مع الحاجة إلى أنظمةٍ أكثر تطورًا لتخزين الطاقة وتنظيمها، إلى جانب تطوير الشبكات بحيث تكون قادرةً على توزيع الطاقة النظيفة دون انقطاعات.

في هذا الإطار، يُحذّر فولست من “أنّ السؤال الكبير يتمثل في مدى قدرة دول الخليج على تحديث بنيتها التحتية لمواكبة توسُّع مشاريع الطاقة الشمسية والرياح”، بيد أنّ الخطوات الحكومية تُظهر وعيًا متزايدًا بهذه الإشكالية، حيث تُستثمر مليارات الدولارات في رفع كفاءة الشبكات وتعزيز الربط الكهربائي بين دول مجلس التعاون.

من شأن هذا الربط الإقليمي تسهيل تداول الطاقة بين دول الخليج، خاصةً عند وجود فائضٍ في إنتاج دولة ما ونقصٍ في أخرى، ما يضمن استقرارًا أكبر في إمدادات الطاقة.

الفرص واعدة في قطاع الطاقة النظيفة

لا يقف طموح الدول الخليجية عند حدود تزويد المنازل والمصانع بالكهرباء النظيفة، بل يتجاوز ذلك نحو قطاعاتٍ جديدة قد تُغيِّر قواعد الاقتصاد العالمي؛ إذ تتصاعد خطط إنشاء مراكز بيانات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وهي مراكز تستهلك كمياتٍ ضخمة من الكهرباء، ما يجعل من المزيج الخليجي الجديد للطاقة الخضراء بديلًا جذابًا لشركات التكنولوجيا الكبرى.

كما تُعد مشروعات الهيدروجين الأخضر محطة أساسية في هذا السباق؛ فالدول التي تستطيع إنتاج الهيدروجين بتكلفة تنافسية ستجذب الشركات الصناعية العالمية الباحثة عن تقليل بصمتها الكربونية. وتقول “ريستاد إنرجي” إنَّ السعودية والإمارات تتصدران هذا المجال إقليميًا، وتسعيان لتصدير الهيدروجين إلى أسواقٍ أوروبية وآسيوية ذات تكاليف طاقة مرتفعة.

الكويت أيضًا دخلت على الخطّ؛ إذ منحت في يوليو الماضي عقدًا لشركة “كي بي آر” لتطوير 17 جيجاواط من الطاقة المتجددة و25 جيجاواط من الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2050، ورغم أنّها لم تكن تمتلك بنهاية عام 2023 سوى قدرة متجددة تكفي بضعة آلاف من المنازل، فإنَّ هذا العقد يُجسِّد نيتها الجادة للّحاق بركب التحوّل نحو الطاقة النظيفة.

قد يهمّك أيضًا: اتفاقية لتطوير مشروع ضخم لإنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر

أرقام صغيرة ونمو سريع

عند النظر إلى الشرق الأوسط الأوسع الذي يضم إيران والعراق وإسرائيل ولبنان والأردن وسوريا، نجد أنَّ نسبة الاعتماد على الطاقة المتجددة لا تزال متواضعة مقارنةً بأوروبا والولايات المتحدة والصين.

وبحسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، لا تمتلك دول المنطقة مجتمعةً إلا أقل من 1% من القدرة الإنتاجية العالمية للطاقة المتجددة، لكن رغم هذه الحصة الضئيلة، تبقى منطقة الشرق الأوسط أسرع الأسواق نموًا في إضافة سعات متجددة خارج الصين.

ذلك يعني أنّ هناك مجالًا واسعًا لتصاعد منحنى المشاريع الخضراء في السنوات المقبلة، خاصةً مع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتنامي الوعي بضرورة تنويع مصادر الطاقة.

يعتمد نجاح هذه الدول في نهاية المطاف على تحسين أُطُرها التنظيمية وتشجيع الاستثمار الخاص، فضلًا عن تطوير سياسات داعمة للطاقة المتجددة تمنحها الاستمرارية والثبات على المدى البعيد.

قد يهمّك أيضًا: وكالة الطاقة تعمل على خفض تكاليف الطاقة المتجددة بالدول النامية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة