جولة ترامب الخليجية.. تريليون دولار وربما أكثر على الطاولة
تقرير: باسل محمود
بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاثنين، جولة خليجية تشمل السعودية وقطر والإمارات، يرفع خلالها سقف التوقعات إلى مستوى غير مسبوق. ووفقًا لآكسيوس الذي نقل عن مصادر أمريكية وعربية مطلعة، فإن ترامب يسعى إلى تأمين تعهدات استثمارية تتجاوز قيمتها التريليون دولار، مع التركيز على صفقات في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة والعقارات.
وبينما يترقب العالم مخرجات هذه الجولة الأولى في ولايته الثانية، يبدو أن أولويات الرئيس الأمريكي باتت أكثر وضوحًا: المال أولًا، ثم تأتي الجغرافيا السياسية في مرتبة لاحقة.
أحد المسؤولين العرب وصف أجندة ترامب بعبارة مباشرة: “المال.. المال.. والمال“، أما الملفات الحساسة كالتطبيع السعودي-الإسرائيلي فتبدو مؤجلة، إذ يراها ترامب في غير وقتها المناسب، على وقع استمرار الحرب في غزة.
السعودية أولًا.. نموذج مكرّر بأرقام مضاعفة
مثلما فعل في ولايته الأولى، اختار ترامب أن تكون السعودية أول محطة خارجية له في ولايته الثانية، في دلالة واضحة على الوزن الاستراتيجي للمملكة في حساباته الاقتصادية.
زيارة الرياض -التي تأخرت بسبب وفاة البابا فرنسيس- تحمل وعودًا بمضاعفة حجم الاستثمارات الخليجية في السوق الأمريكية، حيث تعهّد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وفقًا لتصريحات ترامب، بضخ ما يصل إلى 600 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة.
وقد قال ترامب، في لقاء سابق داخل المكتب البيضاوي: “في المرة السابقة قدّموا 450 مليار دولار، لكنهم اليوم أصبحوا أكثر ثراءً، ونحن أصبحنا أكبر سنًا. فقلت لهم: سأزور المملكة إن التزمتم بتريليون دولار خلال 4 سنوات، وقد وافقوا”.
تشمل الحزمة السعودية صفقات عسكرية تتجاوز 100 مليار دولار، إلى جانب اتفاقيات استراتيجية في قطاعات الطاقة والمعادن والذكاء الاصطناعي.
اقرأ أيضًا: قمة استراتيجية ستُعقد في الرياض خلال زيارة ترامب
قطر.. عقود طائرات وهدية رئاسية غير معتادة
الدوحة ستكون المحطة الثانية، حيث تُخطّط قطر للإعلان عن صفقات تتراوح بين 200 إلى 300 مليار دولار، تتضمن عقدًا ضخمًا لشراء طائرات تجارية من شركة “بوينغ”، بالإضافة إلى صفقة لشراء طائرات مسيّرة من طراز MQ-9 Reaper بقيمة ملياري دولار.
لكن أبرز ما يُثير الجدل في الملفات القطرية، هو احتمال تقديم طائرة “بوينغ 747 جامبو” كهدية للرئيس ترامب، لاستخدامها مؤقتًا كبديل لطائرة “إير فورس وان”، حيث يجري نقاش قانوني حاليًا بين وزارة الدفاع القطرية والبنتاغون بشأن هذه الخطوة، والتي يتابعها فريق ترامب من زاوية بروتوكولية ودستورية.
وقد نشر ترامب تعليقًا مثيرًا عبر منصته “تروث سوشيال”: “ستكون هدية.. مجانًا”، وقال أيضًا: “أمريكا بحاجة إلى طائرة قطر بعد تأخر شركة بوينج في تسليم طائرة الرئاسة الجديدة ولا أنوي استخدامها لأغراض شخصية بعد انتهاء ولايتي”.
الإمارات.. استثمارات معلنة تتجاوز تريليون دولار
أعلنت الإمارات -وهي المحطة الثالثة في جولة ترامب – في مارس الماضي نيتها ضخ استثمارات تصل إلى 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل، ما يرفع القيمة الإجمالية للتعهدات الخليجية إلى مستويات غير مسبوقة.
المباحثات مع أبوظبي تشمل ملفات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتعاون السيبراني والتمويل العقاري، ووفقًا لمسؤولين أمريكيين، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الاستثمارات سيُدار عبر صناديق سيادية بالتعاون مع شركات أمريكية كبرى، منها بلاكستون وكي كي آر.
منظمة ترامب تدخل المشهد
في موازاة الجولة الرسمية، تُوسّع “منظمة ترامب” نطاق نشاطها التجاري في المنطقة؛ فقبل أسبوعين فقط من بدء الجولة أعلنت الشركة عن صفقة عقارية جديدة في قطر تنضم إلى مشاريع قائمة في جدة ودبي وعُمان.
عدد من كبار معاوني ترامب -بينهم شخصيات كانت ضمن دائرته الاقتصادية في ولايته الأولى- باتوا يديرون أعمالًا خاصة في المنطقة، ما يثير تساؤلات حول تداخل المصالح الشخصية مع الدبلوماسية الاقتصادية الرسمية.
ورغم نفي فريق ترامب وجود تضارب في المصالح، إلا أن بعض المراقبين في واشنطن يرون أن هذه التحركات تستدعي رقابة قانونية خاصة، في حال تعارضها مع مهام الرئاسة.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
إحدى الأولويات الاستراتيجية للجولة الخليجية تتعلق باستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث سيُشارك في منتدى الاستثمار السعودي-الأمريكي، المقرر عقده في الرياض يوم الثلاثاء، عدد من كبار التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا، على رأسهم سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن أيه آي، وجينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا.
وقد أكّدت مصادر أمريكية أنَّ ألتمان سيرافق الوفد الرئاسي في زيارته للمنطقة، رغم امتناع أوبن أيه آي عن التعليق رسميًا، وتهدف هذه التحركات إلى تعزيز التعاون في تطوير البنية التحتية الرقمية، ومراكز الحوسبة المتقدمة، والوصول إلى الرقائق الإلكترونية عالية الأداء.
اطّلع على المزيد من التفاصيل: زيارة ترامب للشرق الأوسط واستثناء إسرائيل وسط ملفات شائكة
مراجعة شاملة لصادرات الرقائق
في تحرك لافت، ألغت إدارة ترامب، الأسبوع الماضي، قاعدة من عهد بايدن كانت تمنع تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى دول تعتبر “وسيطًا محتملاً” لنقل التكنولوجيا إلى الصين.
هذا القرار يمنح مجالًا أوسع للتعاون مع دول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات اللتين تطمحان إلى أن تكونا مراكز إقليمية في هذا القطاع، لكن لا تزال تفاصيل القواعد الجديدة قيد الدراسة، ومن غير الواضح ما إذا كانت ستشمل قيودًا على الدول الخليجية.
مصادر مطّلعة أشارت إلى أن البيت الأبيض يُجري مراجعة للضمانات والآليات التي تضمن عدم تسرب التكنولوجيا إلى أطراف غير مرخّصة.
تعهدات ضخمة وتنفيذ غير مضمون
رغم الأرقام الضخمة المُعلنة، تُشير تحليلات اقتصادية إلى أن تحقيق الالتزامات الخليجية على أرض الواقع لا يزال رهنًا بعدة عوامل، منها استقرار السياسات التجارية الأمريكية، وضمانات الحماية القانونية للاستثمارات، ومدى قدرة إدارة ترامب على الحفاظ على تحالفات استراتيجية فاعلة.
ويرى خبراء أنَّ الإعلان عن تريليون دولار من الاستثمارات لا يعني بالضرورة دخول هذا الرقم حيّز التنفيذ خلال فترة وجيزة، بل قد يكون أقرب إلى تعهدات إطار عام تتوزع على مشاريع طويلة الأجل.
في المحصلة، تحمل الجولة الخليجية لترامب أبعادًا تتجاوز الأرقام؛ فهي بمثابة محاولة لإعادة تموضع الولايات المتحدة اقتصاديًا في منطقة تُعيد تشكيل تحالفاتها، وتبحث عن شركاء استراتيجيين في عالم يتغير بسرعة.
اقرأ أيضًا هذه الدراسة التحليلية: كيف يؤثر حكم ترامب على الأسواق في الشرق الأوسط؟